«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن

قلة نضج غالبية الأحزاب سياسياً دفع بمرشحي العشائر إلى الواجهة

«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن
TT

«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن

«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن

يجمع المراقبون على أن القانون الذي ستجرى على أساسه انتخابات مجلس النواب الثامن عشر في الأردن المقررة يوم 20 سبتمبر (أيلول) الحالي لن يوصل أي حزب أو تجمع سياسي إلى حكومة برلمانية، التي كانت من أبرز مطالب الربيع الأردني خلال السنوات الماضية.
وعلى الرغم من أن القانون الجديد ألغى قانون الصوت الواحد واشترط على المرشحين الدخول في قوائم على مستوى المحافظة أو الدائرة الانتخابية، فإن الغالبية العظمى من المهتمين بالعملية الانتخابية ما زالت تتأثر بالقانون السابق، واتضح ذلك من خلال الدعاية الانتخابية التي اتّسمت بالفردية دون التركيز على القائمة.
يشهد الأردن يوم الثلاثاء المقبل 20 سبتمبر الحالي معركة الانتخابات النيابية (البرلمانية)، وتتنوع الآراء حيال الصورة التي يتوقع أن تنتجها على مسرح الساسة في المملكة. وحول إمكانية البناء على هذه الانتخابات في تشكيل حكومة برلمانية، صرح الكاتب والمحلل السياسي فهد الخيطان خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا توجد نية لأحد في تشكيل حكومة برلمانية في المرحلة الحالية، وبات من المؤكد أن القانون بحاجة لتجربته أكثر من مرة حتى تنضج الحياة السياسية والحزبية، حتى يصبح القانون أداة مناسبة للوصول إلى الحكومات البرلمانية». وأردف: «الإشكالية ليست في القانون وإنما في الحياة الحزبية نفسها، فكلما تطوّرت الحياة الحزبية أصبح من الممكن تشكيل حكومات برلمانية استنادًا إلى هذا القانون». ثم قال: «نحن بحاجة إلى تجربة تطبيق القانون لمدة دورتين، وبعدها نستطيع أن نجني ثمار هذا القانون مع تعديلات يجب أن تجرى عليه، خصوصًا أننا في عملية التطبيق سنكتشف المشكلات على الواقع وهي التي تحدد هذه التعديلات».
بدوره، قال النائب السابق الدكتور مصطفى حمارنة إن «البيئة الحاضنة ليست بالمستوى السياسي الذي يتيح إفراز عدد كافٍ من النواب على أساس برامجي وسياسي، لكي يكون باستطاعتهم تشكيل كتل سياسية برلمانية على أساس برامجي - ليست هلامية مثل المجالس السابقة - لها القدرة على التشريع وتكون شريكة الحكومة في الرؤية». وأضاف: «للأسف أنا من النواب الذين صوّتوا لصالح إقرار القانون اعتقادًا مني أنه سيساهم في تشكيل قوائم سياسية حزبية ولها برامج، ولكن، للأسف، هذا لم يحصل واستمر هذا التأطير للجهوية والعشائرية في الدوائر الانتخابية الذي لا يشجع على التنمية السياسية».
* الإسلاميون.. في الصورة
وأردف حمارنة: «أنا لا أرى للأحزاب القديمة أو الحديثة أي دور في المجلس المقبل، وحتى القوى الإسلامية تأثرت قاعدتها الشعبية في الفترات السابقة لأسباب كثيرة ومختلفة»، مشيرًا إلى أنه رشح نفسه في «قائمة المستقبل» في دائرة مأدبا (جنوب غربي عمّان)، «ولنا برنامج عمل أطلقته كتلة المبادرة البرلمانية في المجلس السابق، وسنكمل هذا البرنامج إذا كتب لنا النجاح، والقائم على مبدأ المشاركة مع الحكومة». وتابع أنه يتمنى الوصول إلى قانون يكون على أساس القوائم الحزبية لا توجد فيها «كوتات» (حصص)، علمًا بأن هذه «الكوتات» موجودة في السابق وتوسّعت في القانون.
في المقابل، رأى عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية، أن القانون في الأساس «مصمم خصيصًا للحيلولة دون تشكيل كتل برلمانية حزبية وعدم الوصول إلى حكومات برلمانية، حيث لم يمكن القانون أي تكتلات حزبية أو وطنية أردنية في الحصول على مقاعد كافية في تشكيل أغلبية أو أقلية وازنة في البرلمان». وتوقع الرنتاوي أن يكون باستطاعة حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين (الأم)، تشكيل كتلة برلمانية عددها من 15 إلى 20 نائبًا، أما بقية الأحزاب فلن تحظى إلا بمقعد أو مقعدين لكل منها في أحسن الأحوال. وأشار إلى أنه من الصعوبة بمكان جمع هذه الأحزاب على برنامج عمل واحد، ولكن قد تنشأ تكتلات على غرار المجلس السابق من دون أي روابط أو لاصق لها.
وأوضح الرنتاوي أنه «وفق القانون الحالي ستكون المنافسة السياسية الحزبية على 30 مقعدًا من أصل 130 مقعدًا، أما بقية المقاعد فستكون لنواب الحارات والجهويات والعشائر وغيرها بنفس الطريقة القديمة، وربما عدد كبير من النواب السابقين سيعاد إفرازهم.. والجديد منهم سيكون من نفس التركيبة. أما من لديه لون سياسي حزبي فإن من سيصل إلى البرلمان لا يتجاوز 30 نائبًا، منهم 20 نائبًا من جبهة العمل الإسلامي، والعشرة الباقون سيتوزعون على بقية التلاوين السياسية، بما فيها الحزبان اللذين تم الإعلان عنهما أخيرًا؛ حزب (زمزم) وجمعية جماعة الإخوان المسلمين المنشقة عن الجماعة الأم».
واستطرد الرنتاوي قائلاً إن قرار مشاركة الأحزاب في الانتخابات «جاء لأنه ليس لديها خيار آخر. فهي محاولة منها لتقديم نواب في البرلمان إذا حالفها الحظ، وإذا لم يحالفها الحظ فهي فرصة لتقديم نفسها وبرامجها ورموزها للرأي العام. وبالتالي، فهي بمثابة تمرين بالذخيرة الحية بالتعامل مع جمهورها». وذكر أن «الأحزاب، التي تخوض الانتخابات ولها برامج فكرية، محصورة بالإسلاميين وبعض القوائم القليلة لبعض الأحزاب اليسارية والوطنية، أما الأحزاب الوسطية فإنها تخوض الانتخابات بغطاء عشائري واضح بعيدة عن أي برامج».
وعن مشاركة جمعية جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات، قال الرنتاوي إنها «مخالفة للقانون، ولو كانت هناك معايير صارمة لتم إغلاقها على غرار تحويل 30 جمعية خيرية للقضاء بسبب تدخلها في الانتخابات، خصوصًا أن جمعية الجماعة تخضع لقانون الجمعيات الخيرية وليس لقانون الأحزاب السياسية». وختم كلامه بالقول إن نتيجة الانتخابات «ستكون فرز قرابة 30 نائبًا حزبيًا، والبقية المائة سيكون انتخابهم بنفس الطريقة الفردية السابقة من دون برامج وولاؤهم مضمون للحكومة».
* عمل مؤسسي وبرامجي
على صعيد آخر، أعرب موسى المعايطة، وزير الشؤون السياسية والبرلمانية، عن أمله بأن تؤسس الانتخابات المقبلة لـ«عمل مؤسسي وبرامجي، من خلال تشكيل القوائم والتحالفات والائتلافات التي أعلنت خوضها الانتخابات، سواءً كان ذلك على مستوى الدائرة الانتخابية الواحدة أو الدوائر الانتخابية الـ23 على مستوى المملكة». واعتبر أن مشاركة مختلف القوى السياسية والحزبية والشعبية والمُجتمعية في الانتخابات من خلال تشكيل الكُتل والائتلافات «خطوة مُتقدمة لترسيخ الديمقراطية الأردنية وسط إقليم مُلتهب، ورسالة للعالم بأن المملكة هي واحة أمن واستقرار ومحبة، وأنموذج عملي في تعزيز مشاركة المواطن في صناعة القرار».
وأردف أن الحكومة «تتطلّع إلى مشاركة كبيرة لفرز تركيبة نيابية تمثل مختلف الأطياف والقوى السياسية والحزبية والمُجتمعية»، مؤكدًا أنه «كلّما كانت المُشاركة أوسع كانت تشكيلة مجلس النواب أقرب إلى التمثيل الحقيقي للمجتمع، وبالتالي، فإن المواطن سيكون شريكًا في صناعة القرار وانتخاب ممثليه». وأشار المعايطة إلى أن «عدم مُشاركة بعض الناخبين في هذه الانتخابات تعني أنهم يسمحون لغيرهم بأن يُقرروا نيابة عنهم شكل ولون مجلس النواب المقبل».
وبيّن أن «صناعة التغيير في مجلس النواب الجديد تتطلّب مُشاركة الجميع في الإدلاء بأصواتهم، وليس من خلال المُقاطعة التي لا تخدم المصلحة الوطنية ولا السياسية، في مرحلة يسير فيها الأردن بثقة نحو تعزيز مسيرة (الإصلاح)، باعتباره مطلبًا وطنيًا أجمع عليه المواطنون». وللعلم، أبدت جميع الأحزاب والفعاليات الشعبية والنقابية رغبتها بالمشاركة في العملية الانتخابية سواء من الترشح أو الاقتراع.
* 1289 مرشحًا ومرشحة
بلغ العدد النهائي لمقدّمي طلبات الترشح للانتخابات النيابية 1289 مرشحًا ومرشحة، توزّعوا على 230 قائمة انتخابية. وبلغ عدد السيدات المتقدمات بطلبات الترشح 257 سيدة، منهن 4 سيدات مسيحيات وسيدتان من الشيشان/ الشركس، كما تقدمت قائمتان نسائيتان للترشح في كل من الدائرة الأولى في الزرقاء تحت اسم «قائمة النشميات»، والدائرة الخامسة في عمّان تحت اسم «قائمة سيدات الأردن».
ويخوض حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن غير المرخصة، المعركة تحت قوائم «التحالف الوطني للإصلاح» البالغ عددها 19 قائمة تضم 111 مرشحًا منهم 72 من كوادر الحزب. في حين تخوض أحزاب إسلامية تابعة لجمعية جماعة الإخوان المسلمين التي انشقت عن الجماعة الأم على 7 قوائم، دون تحديد عدد المرشحين الذين يتمتعون بدعم عشائري.
ولقد أظهرت نتائج دراسة مسحية أن جميع الأحزاب أكدت نيتها المشاركة في العملية الانتخابية، ووصل عدد الأحزاب المشاركة في الترشح إلى 39 حزبًا بنسبة 78 في المائة من إجمالي الأحزاب، بينما اكتفى 11 حزبًا بالتصريح برغبتهم بالمشاركة من خلال الانتخاب فقط. كذلك بيّنت الدراسة أن المرشحين من ذوي الانتماءات الحزبية شكلوا ما نسبته 18 في المائة من إجمالي عدد المرشحين، بما مجموعه 234 مرشحًا ومرشحة، وكانت نسبة الذكور منهم 81.7 في المائة، مقارنة بنسبة الإناث 18.3 في المائة. وتوزع المرشحون من ذوي الانتماءات الحزبية على 99 قائمة انتخابية في مختلف الدوائر الانتخابية.
كذلك بينت الدراسة، أن أكثر الأحزاب ترشيحًا في الانتخابات النيابية لعام 2016 هو حزب جبهة العمل الإسلامي، إذ ترشح عنه 72 مرشحًا، أي ما يعادل 5.6 في المائة من إجمالي المرشحين على مستوى المملكة، نسبة السيدات منهم 19 في المائة منهم. وتلاه حزب التيار الوطني بـ23 مرشحًا، نسبة السيدات منهم 17 في المائة. ثم يأتي حزب المؤتمر الوطني (زمزم) بـ20 مرشحًا، نسبة السيدات 10 في المائة. بينما ترشح من حزب الاتحاد الوطني 16 مرشحًا ومثله حزب الوسط الإسلامي. أما بالنسبة للأحزاب اليسارية والقومية فقد رشحت ما مجموعه 12 مرشحًا، من بينهم سيدتان فقط توزعوا على 8 قوائم انتخابية في 6 دوائر انتخابية.
ومن اللافت حسب الدراسة أن القوائم التي ضمت مرشحين يساريين، كانت عبارة عن قوائم مختلطة بين اليسار والوسط والتحالفات العشائرية، كما أظهرت المعطيات ميل أحزاب اليمين والوسط إلى بناء تحالفاتها بصورة متباينة في مختلف الدوائر التي ترشحت فيها، أي أنه لم يلحظ أي سلوك معياري لتحالف الأحزاب اليمينية والوسطية ذاتها في مختلف الدوائر التي تترشح فيها.
* أكثر من 4 ملايين ناخب
هذا على صعيد المرشحين، أما بالنسبة للناخبين، فإنه يربو على 4 ملايين ناخب، منهم مليون ونصف المليون في العاصمة عمّان ومليون ناخب في الزرقاء، ومن المنتظر أن ينعكس تراجع الإقبال في عمّان والزرقاء على تدني نسبة الاقتراع الإجمالية. والحقيقة أن أشكال الدعاية للانتخابات تظهر تأثر المرشحين بقانون الصوت الواحد، في ظل طغيان لافتات دعائية منتشرة في الشوارع تحمل صورًا شخصية لمرشحين بعينهم، دون بقية المنضوين في قوائمهم. حسب مراقبين، فهذا النوع من الدعاية يكشف عن تخوّفات كانت تتحدث عن فكرة «الحشوة» في القوائم، بحيث تستحوذ صور القائمين على القوائم على النسبة الأكبر، على حساب باقي أعضائها، أي «الحشوة»، أو ما جيء بهم لإكمال العدد. وما تحتويه هذه اللافتات من صبغة شخصية، مؤشر جدي على أنها دعوة للناخب لاختيار شخصية واحدة من القائمة، شخصية يبدو أنها لم تكن ستترشح عن طريق قائمة، لو سمح القانون لها بذلك. أما باقي أعضاء القوائم، وليس كلها حتمًا، فهم هناك لتجميل صورة قانون الانتخاب الذي لا يرضى بمرشحين إلا عبر قوائم، بحسب تقدير بعض المراقبين.
وبالنسبة للشعارات، بدا جليًا أن الدعاية الحالية للانتخابات بلافتاتها، لم تحمل شعارات جديدة، تغري الناخب بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، فمفردات مثل «التغيير» و«قوت المواطن» و«البطالة» و«محاربة الفقر» باتت سمة مألوفة في شعارات المرشحين والقوائم، كما كانت مع حملة مجلس النواب السابق. ولذا يتساءل المراقبون عن الجديد في هذه الشعارات، وما جاء به المرشحون، خصوصًا أن الشارع ملّ مثل هذا النمط الدعائي وفقد الثقة بها.
من جهة ثانية، بدأت تطفو قضية المال السياسي على سطح المشهد الانتخابي، خصوصًا بعد تحويل عدد من القضايا المرتبطة بها إلى القضاء، وفق الهيئة المستقلة للانتخاب، فضلاً عما تشهده بعض الدوائر الانتخابية من ظهور هذا المال بين ناخبين ومرشحين، بحسب شهود عيان، مما يدعو للتصدي له ووقفه قبل استفحاله. وبينما عالجت «الهيئة المستقلة» هذه القضية عبر تعليمات تنفيذية خاصة بالاقتراع والفرز - وخصوصًا للناخب الأمي، الذي يعد أحد مفاتيح شراء وبيع الأصوات - يتحرك المال السياسي بسرعة في العملية الانتخابية.
* المال.. والرشوة
ويتخذ هذا «المال السياسي» أشكالاً متعددة، من بينها الرشوة التي يقدمها مرشحون للناخبين لقاء ضمان أصواتهم، سواء كان الصوت لصالح مرشح معين أو توظيفه ضد مرشح آخر، إما بحجب الصوت أو منحه مرشحًا آخر لتشتيت الأصوات، والحؤول دون نجاح أحد المرشحين. لكن «المال السياسي» ليس بدعة أردنية في حال، بل حالة عالمية، يمارسها إغراء أو تدجين وتطويع الناخبين عبر المال والاسترضاء بالامتيازات. وفي هذا الصدد، قال الناخب علي بلال، إنه «تجاهل دعوات وجهها إليه مرشحون وأفراد من طواقمهم، ليقف في صفهم»، ورفض ذلك، مؤكدًا أنه «سينتخب من يريده هو لا من يفرض عليه». وأشار إلى أنه «على علم بأن هناك أشخاصًا، يجري توظيفهم من قبل مرشحين، للترويج لهم واستغلال الظروف المعيشية الصعبة لمواطنين لشراء أصواتهم».
أما الناخب أيمن الصمادي، فذكر أن «أشكال المال السياسي بدأت تظهر قبل فترة من خلال التبرعات والمساعدات العينية»، مشيرًا إلى أن «ظاهرة شراء الأصوات، أفقدت مجلس النواب السابق هيبته وجعلته عرضة للنقد، وساهم ذلك في تدني مستوى أداء المجلس». وأوضح أنه تنتشر في منطقته «شعارات انتخابية باهتة، تتناول التأمين الصحي والتعليم وتخفيض أسعار النفط والكهرباء ومحاربة الفاسدين، وما إلى ذلك مما سمع به المواطن من شعارات دون أن يرى أي تطبيق لها على أرض الواقع».
وفي هذا السياق نشير إلى أن دائرة الإفتاء العام في المملكة حرمت شراء الأصوات في الانتخابات، من خلال فتوى نشرتها على موقعها الإلكتروني. ونصت الفتوى على أنه «يحرم على المرشح أن يدفع المال للناس مقابل انتخابه وحشد الأصوات لصالحه، سواء أكان نقدًا، أو هدايا، ومن يفعل ذلك، فكيف يؤتمن على مصالح وطنه ومقدراته». وتابعت أنه «من غير اللائق بالمواطن الأردني أن يتعامل مع قضية الانتخابات بهذا الأسلوب، ومن غير اللائق على النائب كذلك أن يحشد الأصوات لصالحه بهذه الطريقة، ومما يذمّ به المجتمع أن تكون المجالس النيابية قائمة على شراء الضمائر، وماذا يُتوقع ممن يرى المال كل شيء فيبيع صوته، أو يشتري صوت غيره؟ وماذا يُتوقع منه إذا صار صاحب قرار؟».
* قانون الانتخاب الجديد
- يرتكز قانون الانتخاب الجديد على نظام «القائمة النسبية المفتوحة».
- ينهي هذا القانون مبدأ الصوت الواحد، وسيؤدي إلى أن تكون ثمة حكومات برلمانية في المستقبل.
- نظام القائمة النسبية المفتوحة للدول التي تتمتع بوجود أحزاب قوية: «أن يشكل كل حزب قائمة تحتوي على مرشحيه في الانتخابات، حيث يتم وفق النظام الانتخابي اختيار مرشح أو أكثر من القائمة الحزبية، بينما يتم تحديد نسب تمثيل هذه الأحزاب في البرلمان بناء على نسب الأصوات التي حصل عليها كل حزب».
وأما فيما يتعلق باختيار ممثلي الحزب وفق هذا القانون، فإنه يتم بحسب ترتيب الأصوات التي حصلوا عليها.
- بما أن الحياة الحزبية في الأردن ليست قوية، فاعتمد القانون الجديد على أن يشكل مجموعة من الأفراد قائمة محددة بناء على تيار يجمعهم أو فكر سياسي أو اجتماعي أو حزب.
- يرى كثيرون أن في نظام القائمة النسبية المفتوحة مساحة كافية لفوز الفقراء والأقليات، وتمثيلهم بصورة عادلة في البرلمان.
- أصبحت كل محافظة تمثل دائرة واحدة، باستثناء العاصمة عمّان التي خصصت لها 5 دوائر، وإربد 4 دوائر، والزرقاء دائرتان، ليكون المجموع الكلي 23 دائرة.
- يمتلك كل ناخب عددًا من الأصوات يساوي عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية، ولن يكون هناك عدد يقل عن 3 مقاعد للدائرة الواحدة.
- يقوم الناخب بالإدلاء بصوته لقائمة واحدة فقط من القوائم المرشحة أولاً، ثم يصوت لكل واحد من المرشحين ضمن هذه القائمة أو لعدد منها.
- عدد النواب وفق القانون 130 نائبًا أي أقل بـ20 نائبًا من السابق، مع الإبقاء على 15 مقعدًا مخصصًا للنساء «الكوتا» و9 مقاعد للمسيحيين و3 مقاعد للشركس والشيشان.
- يبلغ عدد المقاعد المخصصة للنساء ضمن «الكوتا» 15 مقعدًا، بواقع مقعد واحد لكل محافظة، على ألا يلغي ذلك حقهن في الحصول على مقعد في حال فوزهن بالتنافس.
- المقاعد المخصصة للشركس والشيشان والمسيحيين، فإنهم يترشحون فقط ضمن قوائم في الدوائر الانتخابية التي خصصت لهم فيها مقاعد.
- تعامل كل دائرة من دوائر البادية الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية) معاملة المحافظة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.