تبادل الاتهامات بخرق الهدنة.. وأنقرة توقف مؤقتًا إرسال مساعدات

«المرصد» يوثق نحو 50 انتهاكًا من قبل النظام وحلفائه ونحو 28 من المعارضة

طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)
طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

تبادل الاتهامات بخرق الهدنة.. وأنقرة توقف مؤقتًا إرسال مساعدات

طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)
طفل سوري يحمل لعبته قرب أحد المباني المدمرة في القامشلي شمال سوريا (أ.ف.ب)

يتبادل كل من النظام والمعارضة السورية الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن خرق الهدنة التي لا تزال مستمرة في سوريا، منذ مساء يوم الاثنين الماضي، بموجب اتفاق روسي أميركي. وفي حين أبلغت أنقرة واشنطن، بخروقات النظام السوري، وأنها أوقفت مؤقتًا إرسال المساعدات إلى حلب، أكدت موسكو أنها تؤيد تمديد فترة الهدنة 48 ساعة أخرى.
وادعت روسيا تسجيل 60 خرقا من قبل المعارضة، لكن الأخيرة اتهمت قوات النظام بتنفيذ ما بين 30 و40 خرقا خلال 48 ساعة، مؤكدة التزامها بالهدنة، وأن ما تقوم به هو في إطار حق الرد. ومن جانبه، أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» تسجيل ما لا يقل عن 50 خرقا من قبل النظام وحلفائه ونحو 28 من المعارضة. يأتي ذلك في وقت أكد فيه «المرصد» أنه لم يسقط أي قتيل مدني أو عسكري في المناطق الخاضعة للهدنة، على الرغم من حصول إطلاق نار متقطع في محافظة حلب. لكن المعارك استمرت في محافظة حماه بوسط سوريا الشمالي الغربي، بين قوات النظام ومسلحي فصيل «جند الأقصى» الذي تصنفه دول عدة على أنه «إرهابي».
ورأى مدير «المرصد» رامي عبد الرحمن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن اتفاق وقف الأعمال القتالية «إيجابي جدا ومطبق، إلا من بعض الخروقات القليلة التي لم تتسبب في مقتل مدنيين سوريين». وقال عبد الرحمن: «إنه خلال 48 ساعة تم توثيق نحو 28 خرقا من قبل المعارضة، وما بين 47 و52 خرقا من قبل النظام»، مشيرا إلى مقتل 6 مدنيين في مناطق خاضعة لسيطرة «داعش»، أهمها دير الزور وتدمر وريف محافظة حمص.
وبينما تراوحت تقديرات المعارضة بين 30 و40 خرقا، خلال 48 ساعة، أصدر «الائتلاف الوطني لحقوق الإنسان» تقريرا أشار فيه إلى تنفيذ النظام خلال اليوم الثاني انتهاكات في 28 منطقة، أبرزها في محافظات ريف دمشق وحلب وحماه وحمص ودرعا. وبدوره، سجّل «مركز جسور للدراسات» تنفيذ النظام نحو 11 خرقا في اليوم الأول للهدنة، تركّزت بشكل أساسي في أرياف محافظات درعا وحلب ودير الزور وحماه، ونحو 18 خرقا في اليوم الثاني، أبرزها في الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق ومحافظة حلب.
من جهتها أوقفت تركيا أخيرًا إرسال مزيد من المساعدات إلى مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، انتظارا للسماح لشاحناتها التي أرسلتها سابقا بالدخول، فيما أبلغت أميركا بخروقات النظام السوري لوقف إطلاق النار. مسؤول في وكالة الطوارئ والكوارث الطبيعية التابع لمجلس الوزراء التركي أفاد بأنه لن يجري إرسال شاحنات مساعدات أخرى عبر الحدود مع سوريا، إلى أن يتضح مصير 20 شاحنة كانت قد عبرت الحدود أول من أمس، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار.
أنقرة كانت قد أعلنت عقب إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الجمعة، أنها تهدف إلى إدخال 33 شاحنة من المساعدات تتركز بالأساس على الطحين والمواد الغذائية، التي يعاني سكان حلب نقصا شديدا فيها، بالتنسيق مع الأمم المتحدة. ويتمسك النظام السوري بأن تحصل تركيا على تصريح منها ومن الأمم المتحدة من أجل إدخال أي مساعدات.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن المعارضة السورية ملتزمة بالهدنة المعلنة، لكن النظام اخترقها مرات عدة، حتى أن هناك معلومات وتقارير تفيد بإلقائه براميل متفجرة. وأبلغ جاويش أوغلو نظيره الأميركي جون كيري بهذه الخروقات، خلال اتصال هاتفي مساء الثلاثاء. وأشار الوزير التركي إلى أنه بحث مع كيري عددا من القضايا، في مقدمتها الهدنة المعلنة في سوريا.
ولا تزال المناطق المحاصرة في سوريا تنتظر وصول قوافل المساعدات الإنسانية العالقة على الحدود بقرار من النظام الذي يمنع دخولها، وهو الأمر الذي اعتبرت المعارضة أنه يهدّد الهدنة بعد يومين من بدئها. وفي حين حذّرت الولايات المتحدة من استمرار العنف في سوريا مؤكدة أنها تحتفظ بحق إعلان الهدنة باطلة ولاغية، أعلنت روسيا على لسان المسؤول العسكري في رئاسة الأركان الروسية، فيكتور بوزنيخير، تأييدها تمديد العمل بالهدنة في كل أنحاء سوريا لمدة 48 ساعة.
أمس، نقلت وكالة الإعلام الروسية عن الجيش الروسي قوله، إن جيش النظام السوري «مستعد لتنفيذ انسحاب مرحلي متزامن مع انسحاب قوات المعارضة من طريق الكاستيلو القريب من حلب، في التاسعة من صباح غد (اليوم)». وكان جنود روس قد أقاموا نقطة مراقبة لمرور المساعدات على طريق الكاستيلو، محور الطرق الأساسية لنقل المساعدات من تركيا إلى أحياء المدينة الشرقية التي تسيطر عليها الفصائل المعارضة وتحاصرها قوات النظام.
وكانت قافلتان من المساعدات قد عبرتا الحدود التركية متجهتين إلى سوريا في المنطقة الفاصلة بين حدود البلدين، بانتظار الحصول على تصريح بالتحرك نحو حلب، وهو ما أشار إليه نائب رئيس «الهيئة العليا للتفاوض» جورج صبرا، مؤكدا أن إصرار النظام على التحكم في مسألة المساعدات يعرقل إدخالها إلى حلب، في حين استبعد مسؤول في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية احتمال أن يتم توزيع هذه المساعدة الإنسانية الأربعاء.
صبرا قال لوكالة «رويترز» في تصريح له: «ليس هناك كبير ثقة في أن هذه الهدنة يمكن أن تصمد أكثر من سابقتها.. ومن السابق لأوانه الحديث عن أي استئناف لمحادثات السلام، وإن الأمر يتوقف على تنفيذ البنود الإنسانية في قرار وافقت عليه الأمم المتحدة العام الماضي». وأكّد نائب رئيس «الائتلاف» السابق، هشام مروة، أن الطرف الأميركي حريص على إنجاح الهدنة، والمعارضة من جهتها السياسية والعسكرية تتعامل بإيجابية معها، لكن المشكلة لا تزال قائمة، وكما العادة، من قبل النظام الذي قام حتى الآن بخرقها أكثر من 30 مرة، إضافة إلى عرقلته إيصال المساعدات، وهو الأمر الذي يهدد الهدنة.
وأضاف مروة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الروسي يقول إن المعارضة تخرق الهدنة يتجاهل ما يقوم به النظام، في وقت كان ما قامت به الفصائل في سياق الدفاع عن النفس». وأوضح: «كان يفترض أنه خلال الـ48 ساعة الأولى من الهدنة أن تصل المساعدات إلى مدينة حلب المحاصرة، على أن تبدأ بالتوسع أكثر إلى مناطق أخرى، لكن منع النظام من دخولها حال حتى الآن دون ذلك. وإذا استمر الوضع على هذه الحال، يعني ذلك أن الاتفاق ليس إلا حبرا على ورق»، وذكّر مروة بأن قرار مجلس الأمن رقم 2165، ينص على السماح للأمم المتحدة بإدخال المساعدات دون إذن من أي طرف.
بدوره، اعتبر الناشط في حلب، عبد القادر علاف، أن ما يقوم به النظام بمنعه إدخال المساعدات هو «خرق لوجستي» وعدم تنفيذ بند أساسي ورئيسي في الاتفاق الذي ينص على توصيلها. وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تساءل علاف: «إذا كان النظام يمنع إدخال المساعدات عبر تركيا، فمن أين ستدخل إلى حلب، وهي طريق العبور الوحيدة إلى المدينة عبر الكاستيلو؟»، مضيفا: «ما يقوم به النظام ليس إلا تقديم حجج غير منطقية لعرقلة إيصال المساعدات».
هذا، ومنذ دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ مساء الاثنين، توقفت المعارك بشكل كامل تقريبا بين قوات النظام ومسلحي المعارضة على مختلف الجبهات، باستثناء بعض النيران المتقطعة بحسب ناشطين و«المرصد السوري لحقوق الإنسان» والأمم المتحدة. ويفترض أن تتيح الهدنة نقل المساعدات الإنسانية من دون عراقيل إلى مئات آلاف المدنيين المحاصرين في نحو 20 مدينة وبلدة، وغالبيتها من قوات النظام.
وفي هذا الإطار، قال ديفيد سوانسون، الناطق باسم مكتب الشؤون الإنسانية في مدينة غازي عنتاب الحدودية في تركيا، لوكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب»: «على أساس ما سمعناه على الأرض، من غير المرجح أن يحصل هذا الأمر اليوم (أمس)»، وأضاف أن «الهدنة التي تبدو صامدة تعطينا الأمل، وهي الفرصة الوحيدة منذ فترة طويلة لإيصال المساعدات»، معتبرا في الوقت عينه أن التحدي هو ضمان أن كل أطراف النزاع على الموجة نفسها، مطالبا بضمانات أمنية.
وذكر سوانسون أن 20 شاحنة محملة بحصص غذائية كافية لنحو 40 ألف شخص، جاهزة لعبور الحدود التركية. وتابع: «ما إن نحصل على الموافقة، يمكننا التحرك»، مشيرا إلى أن «بعض الجماعات تسعى للحصول على مكاسب سياسية من هذا.. وهذا شيء نريد استبعاده». واستطرد: «المساعدة لن تسلم فقط إلى حلب، إن الأمم المتحدة في سوريا تسعى أيضا إلى تقديم المساعدة إلى مناطق أخرى محاصرة أو يصعب الوصول إليها». وقال مسؤول ثان في الأمم المتحدة، إن تسليم المساعدات إلى حلب يستلزم المرور بعدد كبير من نقاط التفتيش التي تديرها قوات تابعة للمعارضة وأخرى للحكومة السورية، وإنه لا تزال هناك حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كانت المعونة ستمر بسلام منها.
ما يستحق الذكر أن النظام السوري كان قد أعلن أنه سيرفض تسليم أي مساعدات للمدينة لا يتم التنسيق فيها معه ومع الأمم المتحدة، وخصوصا المساعدات القادمة من تركيا، في حين طالب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، الثلاثاء «بضمانات بعدم التعرض للسائقين وللقوافل». وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يزيد كثيرا عن مليون شخص يعيشون تحت حصار في سوريا، التي أدى الصراع فيها إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليونا، فيما يعيش في مدينة حلب المحاصرة نحو 350 ألف مدني.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.