عبد الفتاح كيليطو وتجربة العشق بلسانين

يتجول في فضاءات مختلفة بروح قلقة تخرجنا من التكرار والجمود إلى التجدد والحيوية

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

عبد الفتاح كيليطو وتجربة العشق بلسانين

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

حينما كنت أتصفح كتاب «مسار» لعبد الفتاح كيليطو، الصادر سنة 2014، وهو عبارة عن مجموعة حوارات أجراها مع مثقفين عرب وأجانب، حول أعماله طيلة مساره الفكري، فاجأتني صديقتي بسؤال: هل يعد كيليطو كاتبا أم روائيا أم مفكرا أم فيلسوفا؟ فأجبتها: عندما كنت أحضر محاضراته منذ عشرين سنة تقريبا، في الجامعة، شعرت بأنني في عالم من الأساطير التي تمكن من عدم الخضوع والتحليق من دون قيود في عوالم المعري، والجاحظ، والحريري، وابن رشد، ودانتي، وسرفانتس، وبروست، وتودوروف، وبارت. إنه «سندباد» يتجول بنا في فضاءات مختلفة، وينظر إلينا بروح قلقة ومضطربة، تخرجنا من التكرار والجمود إلى التجدد والحيوية.
أعتقد أنني لم أجب عن سؤال صديقتي، بقدر ما جعلت الأمر أكثر غموضا وتعقيدا، خصوصا أنني أمام قارئة متتبعة لما يصدره كيليطو. فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق؟
قلت: ليس هناك مجال لتقويم أعمال كيليطو. إنه هذه التسميات كلها: فهو الناقد، والروائي، والمفكر، والفيلسوف. ويكفي أن تفتح أيا من كتبه ليأخذك إلى عالمه، حيث تكتشف ذاتك من خلال الأسئلة التي يطرحها والممكنات التي ينسجها، ليظهر لك أن لا حدود بين الواقع والخيال، وأن الخيال واقع، والواقع حكاية أي شيء يروى ولا يوجد إلا في السرد وبه.
إن تصنيف كتابات كيليطو ضمن مجال مخصوص جد صعب وغير وارد، لأن الأمر هنا، يتعلق بنمط جديد من الكتابة، يتجاوز الأشكال التقليدية، بتصور جديد عن التحول الذي وقع في الكتابة وعن الكتابة، باعتبارها استراتيجية في التعبير والتفكير، يتوخى تفكيك البنى الفكرية، والاجتماعية، السياسية، والفنية للوجود الإنساني. فلم تعد لا الفلسفة ولا الأدب يمارسان بالشكل التقليدي. أي أن الفلسفة لم تعد لها مباحث خاصة، وكذلك الأدب. ويكفي أن نقدم كلود ليفي ستروس ورولان بارت مثلا. أين يمكن تصنيفهما؟ الأمر نفسه ينطبق على كيليطو. فهو يجمع هذا الشتات، أقصد ممارسة الكتابة وإنتاج النصوص. وهذه الأخيرة أصابت شيئا ما من التراث النقدي العربي يصعب تحديده، حيث جعلت القارئ يحس برعشة غريبة، وبحرص شديد من نوع خاص في تلقيها بنوع من الدهشة. فالنص عند كيليطو: «حركة بين ممكن وواقع». وعلاقته بنصوص أخرى، هي اختبار لواحدة من إمكانياته التي لا تحصى. وحركته ناتجة عن كونه، في جوهره، متعددا ومختلفا. والمطلوب من المحلل المبدع، الكشف عن سر الحركة، أو سر الصنعة التي روعيت أثناء إنشائه، أي تحديد الدلالات والعلاقات التي لم تكن في الحسبان.
إن ما يميز كيليطو هو كونه مزدوج اللسان. ويمكن أن نتحدث في ذلك، عن تجربة عشق بلسانين، بتعبير عبد الكبير الخطيبي. هذه الازدواجية اللغوية، أو بالأحرى الثقافية، جعلته ينتقل بين متون مختلفة، ويؤلف باللغتين العربية والفرنسية. فمؤلفات «الأدب والغرابة»، و«الحكاية والتأويل»: «الغائب»، و«الأدب والارتياب» وغيرها.. كتبت جميعها باللغة العربية. بينما «المقامات»، و«لسان آدم»، و«العين والإبرة»: «حصان نيتشه»، وغيرها كتبت بالفرنسية. وعلى الرغم من هذه الازدواجية اللغوية، فإنه يستثمر الأسئلة الجوهرية التي تطرحها العلوم الإنسانية، والمعرفة الجمالية التي يقدمها الأدب والفن، بحيث تجعله مهاجرا يرتحل بين الثقافات من دون أحكام مسبقة أو مواقف آيديولوجية ضد هذه الثقافة أو تلك. مهما يكن، فإن كيليطو يكتب في اللغتين بنوع من الحرية، حيث ينتقل من عالم إلى آخر، ولا يفكر إلا في قارئه «المتعدد والمتواطئ»، من أجل تقليص المسافة بينهما، وتحويلها من علاقة عداء (القارئ عدو الكاتب)، حسب الجاحظ، إلى علاقة يغدو فيها القارئ أيضا عدو نفسه، فينسلخ ولو بصفة جزئية عن ذاته، عن عاداته وتقاليده، وعن قراءاته، وعن أفق انتظاره. ففي الوقت الذي تقرأ فيه نصوص كيليطو النقدية، تجد نفسك أمام قصص وحكايات. وفي الوقت الذي تقرأ فيه حكاياته وقصصه، تجد نفسك أمام قضايا نقدية ونظرية تتعلق بالكتابة؛ المؤلف، والسرد، واللغة، والغرابة، والنسيان، والذاكرة، والأثر، والهوية، والتراث، والترجمة وغيرها. هذا الوضع يخرجك من ذاتك، ويجعلك تكتشف ذواتا أخرى، أو بالأحرى قارات مجهولة، بحيث يغدو المتصل منفصلا، والمألوف غريبا، والماضي حاضرا، والنسيان ذاكرة.
إن جل نصوص كيليطو تقريبا، عبارة عن محكيات تتوفر على عناصر السرد، والتشويق، والنوادر، والإدهاش، وتحويل الأشخاص إلى شخصيات روائية. وهذا ما يضفي عليها نوعا من التفرد والتنوع بين خرائط النصوص الكلاسيكية والحديثة، العربية والغربية. إننا أمام مؤلف مستوعب للتراث ولحدوده، ولحاجاتنا إليه. فهناك مثل هندي يكرره كيليطو يقول: «إن آلهة المعرفة لا تبتسم لمن يهمل القدامى». وهذه المقولة تشكل الإطار المرجعي الذي يوجه كيليطو في طريقة تعامله مع التراث. إذ لا يعتبره عائقا حينما نتحكم فيه، لا أن يتحكم هو فينا. فالدراسة العلمية للقدماء، من وجهة نظره، هي التي ستمكننا من تجاوز التكرار والاجترار. فالتراث ينبغي أن يدرس بكامله كنظام. والنظام إذا عزلت منه جزءا ودرسته على انفراد، فقد هذا الجزء ارتباطه ودلالته. وحينما نأخذ جزءا من نظام معرفي سابق، ونقارنه بجزء من نظام معرفي حديث، فإننا نرتكب خطأ فاحشا. فالنصوص الكلاسيكية لا يمكن النفاذ إليها إلا بدراسة متأنية ومتواصلة، حيث يجب أن نرحب بها بكاملها، لا أن نقطع عنها أجزاء مبتورة وندرسها خارج سياقها. فلا يشكل الماضي، حسب كيليطو، خطرا عندما يكون هناك وعي بحدوده التاريخية والمعرفية. ويقدم لنا مثالا على ذلك، من خلال تأملنا للروايات التي توصف بأنها «عالمية»، حيث نلاحظ أنها، بلا استثناء، تعقد حوارا مع النصوص الكلاسيكية، وأن الروائيين الغربيين، لهم تكوين كلاسيكي مهم، يشمل أدب القرون الوسطى، والأدب اللاتيني، والأدب اليوناني. إذ إنه يقر بأن التفكير في تجربة الآخرين هو الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن الكتاب العرب لن ينجحوا إلا إذا اطلعوا على النصوص الكلاسيكية. فهو يعتقد أن لها بعض الأشياء التي تريد قولها لنا، شرط أن نقترب منها انطلاقا من أشياء أخرى، انطلاقا مما ليست هي. وتتطلب دراسة التراث أيضا، الإلمام بالأدب الحديث والمعاصر، والعكس صحيح. وهذا ما نلاحظه عند الكتاب الكبار أمثال باختين، وأمبيرتو إيكو، وتودوروف وغيرهم. أما المناهج الحديثة، فينبغي وضعها، دائما، بين مزدوجين، باعتبارها أدوات إجرائية منفعتها نسبية، وليست أدوات سحرية تحقق ما نتمناه حسب كيليطو. بهذا المعنى ليست هناك منظومة نقدية عربية صرفة، لا ماضيا ولا حاضرا، أي أن كل منظومة تتكون وتتطور وتفكر في ذاتها، من خلال حوارها المستمر ومجابهتها المتواصلة لمنظومات أخرى. على هذا الأساس يتساءل كيليطو: كيف يمكن أن نكتب تاريخ النقد الأدبي العربي، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار تاريخ النقد الغربي؟ وكيف يمكن أن نؤرخ للأدب العربي من دون التأريخ للأدبين الفرنسي والإنجليزي؟
هذه الرؤية للتراث تحمل تصورا معينا عن طبيعة التأويل عند كيليطو، حيث ينطلق كل تأويل من العلامات والعلاقات، ويرتبط بثقافة المؤوّل، أي بمراجعه وإحالاته. وهو لا يكشف أسرار النص فقط، وإنما انشغالات المؤوّل أيضا. وقد يغيب النص أحيانا، ولا تبقى إلا هواجس المؤول ووساوسه. يبدو في نظر كيليطو أن قوة التأويل تأتي من استعداد الباحث للتخلي عن نفسه، ولو بصفة جزئية، أثناء عملية التحليل. فالمؤول الحق في اعتقاده، هو الذي يقبل أن يغير مقاصده، إن قليلا أو كثيرا، وعندما ينهمك في دراسة النص، يقبل أن يملي عليه النص مقاصد جديدة. فالتأويل بحث وعثور على علامة تشكل لحظة الانطلاق، وبالتدريج يتم الربط بينها وبين أخرى، إلى أن تتسق شبكة العلامات وتنتظم تحت عنوان يرمز إليها.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.