جيجيك.. المفكر أمام الرقيب

نجوميته تقربه من نجوم البوب ويسميه البعض «إلفيس برسلي الفلسفة»

سلافوي جيجيك  -  يرى جيجيك أن انتخاب جورج بوش الابن عام 2001 تم بناء على قواعد يقبلها الناس حتى مع عدم قناعتهم بها أو تصديقهم نتائجها
سلافوي جيجيك - يرى جيجيك أن انتخاب جورج بوش الابن عام 2001 تم بناء على قواعد يقبلها الناس حتى مع عدم قناعتهم بها أو تصديقهم نتائجها
TT

جيجيك.. المفكر أمام الرقيب

سلافوي جيجيك  -  يرى جيجيك أن انتخاب جورج بوش الابن عام 2001 تم بناء على قواعد يقبلها الناس حتى مع عدم قناعتهم بها أو تصديقهم نتائجها
سلافوي جيجيك - يرى جيجيك أن انتخاب جورج بوش الابن عام 2001 تم بناء على قواعد يقبلها الناس حتى مع عدم قناعتهم بها أو تصديقهم نتائجها

ظهر نجم الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك Zizek في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، حين بدأت أعماله الفلسفية تتخذ مكانها في الخطاب الفلسفي الأوروبي، وتحوله إلى نجم في المحافل الأكاديمية والثقافية العامة، يعبر من خلالها عن رؤى ماركسية تمتزج فيها أفكار هيغل وجاك لاكان مع أطروحاته الغريبة والاستفزازية أحيانًا، ولكن العميقة غالبًا تجاه معظم القضايا المطروحة ليس على ساحات الحوار الفلسفي فحسب وإنما على الساحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فجيجيك مثقف مناضل، وإن على مستوى أقل حدة ربما من نعوم تشومسكي مثلاً، مع أنه يبدو أكثر لفتًا للانتباه من المفكر الأميركي ومن كثيرين بالتيشيرت وفرط الحركة وطريقة الكلام والهيئة العامة الأقرب إلى هيئة الهبيين، ولكن بنجومية تقربه من نجوم البوب وتجعله سوبر ستار، إلفيس برسلي الفلسفة كما سماه البعض، بين فلاسفة تتسم أساليبهم بالهدوء وشخصياتهم بسمة الحكمة والمظهر المقبول.
ولد جيجيك عام 1948 وتعلم في سلوفينيا اليوغوسلافية، ويشير في حديثه عن نفسه إلى شاب نشأ بتوجهات معارضة للسائد السياسي والآيديولوجي. تقدم للحصول على الماجستير في جامعة لوبليانا، عاصمة سلوفينيا والمدينة التي تعلم فيها، إلا أن رسالته رفضت، لأنها لم تكن ماركسية الرؤية والمنهج فأبعد عن الجامعة. لكن خروجه، كما يقول عنه، كان نعمة خفية حولته إلى أستاذ ومفكر تسعى له الجامعات ومنها الجامعة التي أبعدته، حيث يعمل حاليًا فيها برتبة باحث متميز في معهد علم الاجتماع، إضافة إلى تعيينه «أستاذا عالميًا متميزًا للألمانية» في جامعة نيويورك، وإلى جانب كونه مدير معهد الإنسانيات في جامعة لندن. غير أن نزعته للمعارضة في مقاربة السائد من الآيديولوجيات وإعادة النظر في المستقر من المفاهيم لا تزال تمنحه اختلافه وتجتذب إليه الجمهور، حيث ذهب وإن لم تخل سبيله من ألوان الرفض والقيود التي يعرفها ويتحدث عنها.
في مناظرة جمعته بآلان باديو في فيينا عام 2004 ونشرت تحت عنوان «الفلسفة حاليًا»، عبر جيجيك عن جملة من الآراء تجاه قضيتين من القضايا المطروحة هما الديمقراطية وحرية التعبير. ومع أن القضيتين متداخلتان في طرحه لهما فإنه يتناول كل واحدة على حدة. الديمقراطية تأتي في سياق ما يشير إليه بـ«موضوعي الحقيقي»: «لكنني أود العودة مرة أخرى إلى موضوعي الحقيقي. كما رأينا، كل المبالغات تبدو مسموحًا بها. لكن حاول فقط أن تلمس وثن الديمقراطية وانظر ماذا يحدث». وبعد أن يتساءل عن معنى الديمقراطية وكيف تعمل يعمد إلى أحد محددات ذلك المفهوم، وهو أن الديمقراطية «من الناس وإلى الناس»، ليشكك في المفهوم بالإشارة إلى أن الديمقراطية عبارة عن قواعد مقررة نطيعها «بغض النظر عن النتائج». ثم يضرب مثلاً بانتخاب جورج بوش الابن الذي تم بناء على قواعد يقبلها الناس، ولا يستطيع أو يود أحد أن يخالفها حتى مع عدم قناعته بها أو تصديقه لنتائجها: «لا يوجد ديمقراطي في أي لحظة حتى خطر بباله ألا يعترف بنتائج الانتخابات وينزل إلى الشارع - مع أن الجميع يعلم أنهم غشوا في فلوريدا». إنها «صناعة الموافقة» التي أشار إليها تشومسكي، وكانت عنوانًا وموضوعًا لأحد كتبه الشهيرة، الموافقة التي يرى جيجيك أيضًا أهمية الخروج عليها، وأن مهمة الفلسفة والفكر الجاد هي في ذلك الخروج. «تبدأ الفلسفة»، كما يقول الفيلسوف السلوفيني: «في اللحظة التي لا نقبل فيها ببساطة ما هو موجود بوصفه معطى (هكذا هي الأمور، القانون هو القانون، إلخ)، وإنما تثير السؤال حول الكيفية التي صار بها ما نواجهه كشيء فعلي ممكن». الفلسفة، بتعبير آخر، تضطلع بدور نضالي كالذي رآه باديو وغيره لها.
ومثل باديو وغيره من المفكرين اليساريين، سبق الوقوف عند بعضهم في مقالات سابقة، يروي جيجيك مواقف تذكر بأن الاعتقاد بحرية التفكير والتعبير في ثقافة ترفع شعارات الحرية يحتاج إلى إعادة نظر. من تلك المواقف ندوة نظمها حول لينين في مدينة إيسين الألمانية. يقول جيجيك إنه اكتشف أن الحديث أو الكتابة عن لينين يستثير حساسية عالية لدى كثيرين ومنهم بعض أصدقائه: «يمكنك أن تتحدث عن ماركس دون أي مشكلات... أما إن أشرت إلى لينين فتلك قصة أخرى، قصة مختلفة تمامًا». ويشير في ذلك السياق إلى كتاب ألفه عن لينين: «هل تتخيل الثمن الذي دفعت بسبب ذلك الكتاب؟ لقد فقدت ثلثي أصدقائي بسببه». إنها عكس الحكاية التي يرويها فوكو وغضب الماركسيين منه، لأنه لم يقتبس من ماركس، لكن النتيجة واحدة. ومما لا يقل أهمية عن ذلك ما حدث حين نظم جيجيك ندوة لينين في مدينة إيسين.
عندما نظمتُ ندوة في إيسين، وكما تبين لي بعد ذلك، جاءت الخدمة السرية الألمانية وسألت سكرتيري عما كنا نفعل. فكما ترى، ليس الأمر بالتسامح الظاهر. إنها مفارقة الوضع الحالي: حسب الآيديولوجيا الرسمية، كل شيء مسموح به، لا توجد رقابة، وكل شيء يسير بانتظام. ولكن يجب ألا ننخدع.
على المستويين الشخصي - الاجتماعي والرسمي، إذن، تقف التحديات المختلفة في شكل قيود ورقابة ومقاطعة. لا أحد يُمنع، لكن الثمن يُدفع والضغوط تُمارس على أي حال.
نوع آخر من القيود يتصل بالتهمة المسلطة على الرقاب وهي معاداة السامية. وكان نصيب جيجيك من تلك التهمة لا بأس به. ففي محاضرة ألقاها في المدرسة الأوروبية للدراسات العليا EGS في سويسرا عام 2009، ناقش جيجيك معاداة السامية، مستعرضًا تحولاتها طوال فترة الحضور اليهودي في التاريخ الأوروبي. وفي المناقشة ذكر عبارة يقول إنها جلبت له المتاعب، هي أن هناك صهاينة معادين للسامية، عبارة بناها على قناعته بأن عداء السامية ليس حكرًا على غير اليهود، وإنما هي حاضرة بين اليهود أنفسهم ووجدها لدى بعض الصهاينة. ويذكر في هذا السياق أنه ألقى محاضرة في إسرائيل وكان معه على المنصة المخرج الإسرائيلي الأميركي أودي ألوني Aloni الذي استفز وجوده بعض الحاضرين فقال مخاطبا جيجيك: كيف يخدعك هذا، أي ألوني؟! عندها قال له الفيلسوف السلوفيني: «إذن هو يهودي قذر!»، مشيرًا إلى الصورة النمطية في الخطاب الأوروبي المعادي للسامية. ويخلص جيجيك من هذا إلى أن ما سمعه في إسرائيل أكد اعتقاده بوجود صهيونية معادية للسامية، صهيونية ترفض اليهود الذين لا يتماهون مع إسرائيل، يهود اليهود، كما يسميهم، أي اليهود الذين يحملون الصفات العنصرية النمطية لليهودي في الثقافة الأوروبية. منتقدو جيجيك، من اليهود وغيرهم، سيجدون في هذه المجادلة تبريرًا لمعاداته هو للسامية، بادعاء أنه كمن يقول إن وجود صهاينة معادين لليهود يبرر أو يخفف من أثر وجود آخرين معادين لليهود أيضًا. وقد انبرى لجيجيك من قال ما يشبه ذلك، لكن الفيلسوف السلوفيني يمضي في مشروعه الفكري غير عابئ بما يقال، فهو لا يزال نجم المحافل التي تضج بالجماهير.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.