بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

أنطونيو تابوكي وروايته الكاشفة «هذيان أيام فرناندو بيسوا ـ الأيام الثلاثة الأخيرة»

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
TT

بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته

صدرت رواية تابوكي عن الإيطالية عام 1994، وهي ترصد الأيام الثّلاثة لبيسوا في المشفى بينما يقوم الشّعراء الذين خلقهم بالتوافد إلى زيارته وتمضية بعض الوقت معه والإدلاء بالاعتراف وواجب العزاء والمعاتبة على تلك الأيام التي قضوها معا مترافقين.
يبدع تابوكي في تلخيص حياة بيسوا الشّخصية والإبداعية، ويظهر مهارة فائقة بفهمه العميق وقراءته الكبيرة لكلّ شعراء بيسوا.
لا ينبغي على أي أحد أن يترك وراءه عشرين كتابا، وإذا كان قادرا على الكتابة مثل عشرين من الأشخاص المختلفين، فهم يكونون عشرين من المختلفين. يقول بيسوا.
على كلّ يمكن قراءة رواية تابوكي بالعربية بمقدمة طويلة ملهمة شارحة وشديدة الأهمية للمترجم إسكندر حبش، منشورات دار طوى. وإن كنت تزور لشبونة وتبحث فيها عن بيسوا، سيسعفك حقا بتحويلك من سائح ساذج إلى فائح بالأسئلة وفادح بالاكتشاف. يعرّفك على جذوة التعدد، فالذات الواحدة مصابة بعسر الحياة.
ثلاثة أيام في لشبونة برفقة بيسوا وشعرائه الذين خلقهم قبل الوصول إلى موته، دفعتني إلى تأجيل الذهاب إلى قبره حتى آخر يوم لي في لشبونة.
تمدّني هذه الرّواية بالخيوط الأولى للمسير، فأتجه إلى كاتدرائية أستيريا بقبتها الباروكية الكبيرة، بدعة معمارية جاثمة بلا مبالاة. حديقتها المفتوحة للعامة كانت تجمع بيسوا مع أوفيليا كويروز، حبّه الأوحد، يتخاصمان، ويتبادلان النذور بأبدية العشق، وبعض القبلات المسروقة المباركة.
حياتي أقوى مني، سامحيني يا أوفيليا، كان علي أن أكتب، لم يكن علي سوى أن أكتب، لم أكن أستطيع القيام بأي شيء آخر، لقد انتهى كل شيء الآن.
ستكشف رسائل بيسوا إلى حبيبته الجانب الأبسط والحقيقي منه، وستقوم ابنة أخت حبيبته بنشرها بعد زمن طويل، محققة شهرة ودخلا من كبيرا من المال.
سنجد فيها بيسوا العليل، المقهور بالتفاصيل، الذي يتمنى أن يربح جائزة الألف باوند، كي تتحسن ظروف حياته. سنجد فيها بيسوا العاشق الطيب الصادق المبتلى بمرض في الفم، ما يُضطرّه إلى ألا يتوقف عن البصاق كل دقيقتين. سنجد واقعية هذه الشخصية المثيرة الغامضة عارية مجروحة وغارقة في شؤون الحياة، من إيجار البيت والخوف من خسارة العمل والاهتمام بالأم المتطلّبة. الخائف على صورته، عند حبيبته، المتصدي للنميمة الاجتماعية.
سنجد شخصية هشة من لحم ودم لا تشبه أبدا الصورة الخيالية المدهشة للكاتب العبقري.
- وداعًا أيها الحب الصغير، حاولي ما استطعت أن تحبيني حقًا، لمشاركتي آلامي، لتتمني لي صحة جيدة؛ حاولي أن تتظاهري بذلك بشكلٍ ما!
- الرسائل علامات انفصال، الرسائل نكتبها لأولئك الناس الذين لم تعد لدنيا رغبة في الحديث إليهم.
- وداعًا، سأضع رأسي في قاع دلو. هكذا يفعل الكبار - على الأقل عندما يكون لهم - أولاً عقل، ثانيا رأس، ثالثًا دلو حيث يضعون رؤوسهم!
سنتابع المسير بخريطة رواية تابوكي عن بيسوا، أمام البرلمان، وتمشي باتجاه الكالسداد دو كومبرو، حيث قطن سابقًا، في غرفة ضمن بيت سيدة مجنونة في السّتين من عمرها تعمل بتحضير الأرواح، كانت تدعى ماريا داس. كان يشاركها جلساتها الرّوحية، حين تتصل بزوجها الجنرال الميت، وتدخل معه في أحاديث لا تنتهي، عن الحروب، وأسعار الفلفل، وخلال تلك الفترة ابتكر شخصية «برناردو سواريس»، وبدأ يخط كتابه اللاطمأنينة.
وأيضا اخترع شاعرًا مبتدئًا يعمل شرطيا، يدعى «كويلهو باشيكو»، كان يتبادل مع أقرانه الشّعراء إشارات سرّية، بالأصابع ورفيف الجفون.
في مشفى المدينة، رقد بيسوا أيامه الثّلاثة الأخيرة، في الغرفة رقم 4. سيكون من اللائق أن ألقي نظره عليها، قبل البحث عن الشّعراء الذين تناسلوا منه، وزاد عددهم على السّبعين شاعرا.
في غرفة الاحتضار، سيجيء أنداده مودعين. أول الزائرين كان «ألفارو دو كامبوس».
سيتعاتبان، قليلا، ويقول ألفارو دي كامبوس: ألاحظ أنّك لم تعد تنادني بالمهندس، ولم تعد تكلّمني بصيغة الاحترام، وتكلّمني من دون تكلف!
يجيب بيسوا: لقد دخلت حياتي وأصبحت بديلا عني، ولأنّك أنت السّبب في إنهاء علاقتي بأوفيليا. وأيضا أنت من شككت بوجودي وادعيت بأنني لست سوى نسج من خيال.
يرد دي كامبوس: بخصوص الشّك بوجودك أعتذر عن ذلك، ولكن هل فعلاً ظننت أنّك كنت موجودا أكثر مني؟ أما حبيبتك فهي لم تكن تلائمك. كان زواجكما سيفشل، الآن إذا رجعت إلى رسائل الحبّ التي كتبتها لها ستجد كم هي سخيفة. الرّسائل والحالة التي كنت تكذب بها، أتمنى أن تشكرني على ذلك. لقد أنقذتك من السّخف.
أتدري أن رسائلك اليومية السّاذجة التي بعثتها إليها ستقوم ابنة أختك بنشرها بعد سنوات، وستبدو فيها كم كنت أخرقا وساذجا وطيبا. بالعامية «تلوّي القلب» يا عزيزي. سبع عشرة رسالة إلى حبيبتك، تتكلم فيها عن وجع حلقك وكيف تضطر إلى البصق كل دقيقتين، هل تتوقع من انتهازية مثل حبيبتك أن تتفهم صدقك، وأنت تبوح لها بألمك وتناديها برضيعتي، أو فرنادويك. أو حين تصرّح لها برغبتك بأن تربح جائزة الألف باوند التي تحتاجها بشدّة، أو كيف يطردك ربُّ عملك لأنّك غير مؤهل للعمل. وكيف تقضي جلّ وقتك بالانتقال من بيت إلى بيت، وتساعد أمك الطّيبة، وتكشف لها أمراضك وأرقك وأوجاعك وحسراتك، ياه يا عزيزي بيسوا كم أنقذتك من هذه البلوى، كم أنقذتك من السّخف.
يطرق بيسوا ويهمس بحكمة المحتضر، قبل موته بيومين، سيطرح على نفسه ذلك السّؤال العجيب، هل فعلا من السخف أن يكون للشاعر عائلة وأولاد؟ على الأقل سيكون موتًا لطيفًا، محاطا بالأولاد والعائلة، أفضل من مخالطة تلك الأشباح.
هذا ما تخيلته وفكرت به وأنا أستحضر رواية تابوكي عن بيسوا وأمر بجوار المشفى الذي مات فيه.
تاريخيا، الزّواج مضادّ للشّاعر، ولكنّه سيكون منقذًا للكثير من الرّوائيين.
ربّما من بين كلّ الشّعراء، لمع نجم الشّاعر الأميركي دونالد هول، فقد تزوج شاعرة أيضا جين كنيون، وشهد احتضارها وموتها، فأصدر ديوانين جعلاه يلمع كالماسة نقيّة في سوق الشّعر الكاسد «السّرير المطلي» وديوانا بعنوان «من دون».
كان غيابها الفاجع يجتاحه، فتألقت القصيدة، هكذا سيبدو الغياب محرض الشّاعر. أن يكون المرء مهجورًا أو متروكًا، يتلمس أثر الفقد بحواس الشّعر، هي المعادلة المضمونة للبقاء على قيد الشّعر.
ألفارو دي كامبوس، أحد شخصيات بيسوا كان عدميا، لكنه أيضا أحبَّ، سيقول له: لقد أحببت الحياة أيضا، وإذا كنت في أناشيدي المستقبلية والغامضة قد كتبت بسخرية، وإن كنت في قصائدي العدمية، قد دمّرت كل شيء حتى نفسي، لتعلم أنني أحببت الحياة بألم واعٍ.
يرد الشّاعر المحتضر لندّه المعترف: أغفر لك يا كامبوس إذا كنت قد أحببت لمرة واحدة، فهذا لأنك بشري، وإنسانيتك قد غفرت لك.
فيتابع كامبوس: أريد أن أعترف لك يا بيسوا، أني أحنّ وأندم، إلى الحقبة التي كنت فيها شاعرًا منحطًا، أتذكر الآن ضوء القمر والمراكب، والجمال، وكم كنت أحمقا، لأنني كنت أسخر من الحياة، لقد أضعتها ولم أعرف كيف أتمتع بها، وهربت حياتي مني.
لم أستطع فك رموز الواقع، أصبت بالإحباط فهربت للعدمية، مثلما هرب غيري إلى الدين، ويهرب العالم إلى المال، للنتيجة نفسها ولكن بتسميات مختلفة.
الآن أنا سأموت معك، ولكن كان علي أن أقول لك ذلك، لأننا لن نلتقي ثانية، وأعرف أن مزيدا من الأشباه والشّعراء الذين خلقتهم ينتظرون دورهم ليلقوا عليك نظرة الوداع.
يقول بيسوا: أسمعني يا كامبوس قصيدة تخطر على بالك في هذه اللحظات قبل أن تغادر.
كامبوس: حسنا إن كان من قصيدة فلتكن «طريق سينترا على ضوء القمر». وها أنا أتلو عليك مقطعا منها.
أأخلف أحلاما من ورائي، أم ترى هي السيارة التي تخلف الأحلام؟
أأنا قائد السيارة، أم أنا السيارة المعارة التي أقود؟
كان بيسوا يردد ما تبقى من القصيدة حين اكتشف أنّ ضيفه قد غادر وهو يبكي، وعلى الباب سيكون معلمه (ألبرتو كاييرو) ما زال قلقا من كل شيء خصوصا رؤية الأشياء على أنها أشياء، هادئا يرتل أناشيده بمعزل عن أي آيديولوجيا أو ثقافة تعكّر صفو الشّعر:
الجوهري أن نحسن الرؤية
أن نحسن الرؤية دون تفكير
أن نحْسن الرؤية عندما نرى
ولا أن نرى عندما نفكّر
وعلى عكس ما توقع، كان ألبرتو كاييرو يريد أن يعترف لتلميذه لا أن يسحب منه الاعتراف، فباشره فورا:
أنا هو مسبب الأرق لك، في كل تلك الليالي التي لم تستطع أن تنام، أنا كنت من أزورك في الليل، أجعلك متوترا، أحيل ليلك إلى جحيم من الخيالات، أملأ مكان رقادك بالذّكريات، والكلمات، وجعلتك تكتب بلا أدنى شفقة لنفسك.
أطرق بيسوا بهدوء، ثم قال: كنت أشكّ أنّه أنت، على الرّغم من كلّ الألم المدمر للأرق، لكنّك جعلت من تلك الليالي خصيبة.
لولاك يا ألبرتو لم أنتج، ولم أكتشف. كنت أحتاجك كي تكون لي بمثابة المعلم والأب.
لا يمكن أن تنجز الحياة من دون هذا المثل، فحين تصادر الحياة الواقعية منك الأب أو المعلم، عليك بابتكاره، كنت أحتاج يا ألبرتو، إلى مخثّر، ودليل. لولاك لتطايرت حياتي إلى شظايا. لم يطل المعلم المكوث، شعر بالإطراء الشّديد ودّع تلميذه بفرح، وغادر، لأنّ بالباب كان ينتظر منذ وقت طويل، ندّه الذي عاد من البرازيل على ما يبدو.
ريكاردو ريس، طبيب وشاعر كلاسيكي، همس بيسوا: ريس هو «هوراس إغريقي يكتب بالبرتغالية». أغلب قصائده تتحدث عن الحاجة إلى تقبّل القدر. ريس كان ملكي الهوى، ولذا لاذ بالفرار إلى البرازيل حينما سقطت الملكية. وهو الشّخصية التي عنون لها سارماغو روايته الخالدة «سنة موت ريكاردو ريس». كان هذا أخطر أنداد بيسوا، لأنه حاول أن يقنع العالم أن بيسوا نفسه لم يكن موجودا وأنه هو من ابتكره.
حين دخل قابله بيسوا بابتسامة لطيفة.. إذن ها أنت تعترف بأني موجود ؟
فأجاب ريكاردو بقصيدة.
دع الريح تمر لا تسألها شيئا
ليس لها من معنى
غير أنها الريح تمر.
بعده يأتي برناندو سواريس يحلم بالأرواح المتعددة، فحياة واحدة لا تكفي وشخصية واحدة لا تكفي. وبسرعة طلب منه بيسوا أن يلقي عليه قصيدة دكان التبغ.
حسنا أيها العزيز:
عندما أردت نزع القناع
التصق بوجهي
عندما نظرت في المرآة كنت قد شخت
ثملا كنت، لم أعد أعرف وضع القناع الذي لم أنزعه
طوحت به
وفي خزانة الثياب نمت
مثل كلب معتنى به
لكونه غير مؤذٍ
بعد هؤلاء، توافد العشرات من الشّعراء الأنداد الذين اخترعهم قبل أن تحين ساعته ويسلم الرّوح إلى النّهاية. يمكن استبيان بعضٍ من أشهرهم، فهناك أنطونيو مورا مؤلف كثير من النّصوص الفلسفية المكرّسة لموضوع الوثنية. رفاييل بالدايا المنجّم، شأن بيسوا نفسه، والمأخوذ بالغيبيات. مؤلف «رسالة في النكران»، حيث تكون فرضيته الأساسية أن الوجود وهمٌ، والقدر هو أكبر كذبة.
هناك أيضا البارون دي تايفه الذي عرف بمؤلفه الصّغير «تعليم الرواقي» الذي عبر فيه، شأن بيسوا أيضا، عن إحباطاته بسبب عجزه عن إنهاء أي عمل، وفي النّتيجة يفكر بالانتحار. وبعده تأتي ماريا خوزيه العاشقة الحدباء كاتبة رسالة إلى عامل، تشاهده كل يوم من نافذتها، إلا أنّ الرّسالة لم ترسل، وهكذا واحد تلو الآخر مروا للوداع وذابوا وبقي وحده ليتأمل اللحظات الأخيرة وهو يخرج آخر الأنفاس.
من المفيد معرفة أن أحد معاني كلمة بيسوا بالبرتغالية هو: «لا أحد».
لتدرك أن المكان قد فرغ، كنت أقف على بابه، أراقب وجهه المطمئن، وشاربه الدقيق، قبعته السّوداء، ومعطفه السّميك، علبة لفافات تبغه، وعصاه الطّويلة.
- والآن علي أن أتمنى لك رحلة موفقة يا فرناندو، وأقول لك كما يقول شاعري الصّغير الذي مات أيضا في مشفى وهو دون الثامنة والعشرين:
أنت اخلع عنك الحياة
واذهب بصراحة إلى الموت
الموت يا عزيزي سمكة لن تقبض عليها
إلا إذا كانت يداك جافَّتين
ومشاعرك حافية
وهنا سمعت بيسوا يردد، مشاعرك حافية، نعم مشاعرك حافية.. مشاعرك حافـ.....
وغاب كل شيء.
* كاتب من سوريا



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».