بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

أنطونيو تابوكي وروايته الكاشفة «هذيان أيام فرناندو بيسوا ـ الأيام الثلاثة الأخيرة»

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
TT

بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته

صدرت رواية تابوكي عن الإيطالية عام 1994، وهي ترصد الأيام الثّلاثة لبيسوا في المشفى بينما يقوم الشّعراء الذين خلقهم بالتوافد إلى زيارته وتمضية بعض الوقت معه والإدلاء بالاعتراف وواجب العزاء والمعاتبة على تلك الأيام التي قضوها معا مترافقين.
يبدع تابوكي في تلخيص حياة بيسوا الشّخصية والإبداعية، ويظهر مهارة فائقة بفهمه العميق وقراءته الكبيرة لكلّ شعراء بيسوا.
لا ينبغي على أي أحد أن يترك وراءه عشرين كتابا، وإذا كان قادرا على الكتابة مثل عشرين من الأشخاص المختلفين، فهم يكونون عشرين من المختلفين. يقول بيسوا.
على كلّ يمكن قراءة رواية تابوكي بالعربية بمقدمة طويلة ملهمة شارحة وشديدة الأهمية للمترجم إسكندر حبش، منشورات دار طوى. وإن كنت تزور لشبونة وتبحث فيها عن بيسوا، سيسعفك حقا بتحويلك من سائح ساذج إلى فائح بالأسئلة وفادح بالاكتشاف. يعرّفك على جذوة التعدد، فالذات الواحدة مصابة بعسر الحياة.
ثلاثة أيام في لشبونة برفقة بيسوا وشعرائه الذين خلقهم قبل الوصول إلى موته، دفعتني إلى تأجيل الذهاب إلى قبره حتى آخر يوم لي في لشبونة.
تمدّني هذه الرّواية بالخيوط الأولى للمسير، فأتجه إلى كاتدرائية أستيريا بقبتها الباروكية الكبيرة، بدعة معمارية جاثمة بلا مبالاة. حديقتها المفتوحة للعامة كانت تجمع بيسوا مع أوفيليا كويروز، حبّه الأوحد، يتخاصمان، ويتبادلان النذور بأبدية العشق، وبعض القبلات المسروقة المباركة.
حياتي أقوى مني، سامحيني يا أوفيليا، كان علي أن أكتب، لم يكن علي سوى أن أكتب، لم أكن أستطيع القيام بأي شيء آخر، لقد انتهى كل شيء الآن.
ستكشف رسائل بيسوا إلى حبيبته الجانب الأبسط والحقيقي منه، وستقوم ابنة أخت حبيبته بنشرها بعد زمن طويل، محققة شهرة ودخلا من كبيرا من المال.
سنجد فيها بيسوا العليل، المقهور بالتفاصيل، الذي يتمنى أن يربح جائزة الألف باوند، كي تتحسن ظروف حياته. سنجد فيها بيسوا العاشق الطيب الصادق المبتلى بمرض في الفم، ما يُضطرّه إلى ألا يتوقف عن البصاق كل دقيقتين. سنجد واقعية هذه الشخصية المثيرة الغامضة عارية مجروحة وغارقة في شؤون الحياة، من إيجار البيت والخوف من خسارة العمل والاهتمام بالأم المتطلّبة. الخائف على صورته، عند حبيبته، المتصدي للنميمة الاجتماعية.
سنجد شخصية هشة من لحم ودم لا تشبه أبدا الصورة الخيالية المدهشة للكاتب العبقري.
- وداعًا أيها الحب الصغير، حاولي ما استطعت أن تحبيني حقًا، لمشاركتي آلامي، لتتمني لي صحة جيدة؛ حاولي أن تتظاهري بذلك بشكلٍ ما!
- الرسائل علامات انفصال، الرسائل نكتبها لأولئك الناس الذين لم تعد لدنيا رغبة في الحديث إليهم.
- وداعًا، سأضع رأسي في قاع دلو. هكذا يفعل الكبار - على الأقل عندما يكون لهم - أولاً عقل، ثانيا رأس، ثالثًا دلو حيث يضعون رؤوسهم!
سنتابع المسير بخريطة رواية تابوكي عن بيسوا، أمام البرلمان، وتمشي باتجاه الكالسداد دو كومبرو، حيث قطن سابقًا، في غرفة ضمن بيت سيدة مجنونة في السّتين من عمرها تعمل بتحضير الأرواح، كانت تدعى ماريا داس. كان يشاركها جلساتها الرّوحية، حين تتصل بزوجها الجنرال الميت، وتدخل معه في أحاديث لا تنتهي، عن الحروب، وأسعار الفلفل، وخلال تلك الفترة ابتكر شخصية «برناردو سواريس»، وبدأ يخط كتابه اللاطمأنينة.
وأيضا اخترع شاعرًا مبتدئًا يعمل شرطيا، يدعى «كويلهو باشيكو»، كان يتبادل مع أقرانه الشّعراء إشارات سرّية، بالأصابع ورفيف الجفون.
في مشفى المدينة، رقد بيسوا أيامه الثّلاثة الأخيرة، في الغرفة رقم 4. سيكون من اللائق أن ألقي نظره عليها، قبل البحث عن الشّعراء الذين تناسلوا منه، وزاد عددهم على السّبعين شاعرا.
في غرفة الاحتضار، سيجيء أنداده مودعين. أول الزائرين كان «ألفارو دو كامبوس».
سيتعاتبان، قليلا، ويقول ألفارو دي كامبوس: ألاحظ أنّك لم تعد تنادني بالمهندس، ولم تعد تكلّمني بصيغة الاحترام، وتكلّمني من دون تكلف!
يجيب بيسوا: لقد دخلت حياتي وأصبحت بديلا عني، ولأنّك أنت السّبب في إنهاء علاقتي بأوفيليا. وأيضا أنت من شككت بوجودي وادعيت بأنني لست سوى نسج من خيال.
يرد دي كامبوس: بخصوص الشّك بوجودك أعتذر عن ذلك، ولكن هل فعلاً ظننت أنّك كنت موجودا أكثر مني؟ أما حبيبتك فهي لم تكن تلائمك. كان زواجكما سيفشل، الآن إذا رجعت إلى رسائل الحبّ التي كتبتها لها ستجد كم هي سخيفة. الرّسائل والحالة التي كنت تكذب بها، أتمنى أن تشكرني على ذلك. لقد أنقذتك من السّخف.
أتدري أن رسائلك اليومية السّاذجة التي بعثتها إليها ستقوم ابنة أختك بنشرها بعد سنوات، وستبدو فيها كم كنت أخرقا وساذجا وطيبا. بالعامية «تلوّي القلب» يا عزيزي. سبع عشرة رسالة إلى حبيبتك، تتكلم فيها عن وجع حلقك وكيف تضطر إلى البصق كل دقيقتين، هل تتوقع من انتهازية مثل حبيبتك أن تتفهم صدقك، وأنت تبوح لها بألمك وتناديها برضيعتي، أو فرنادويك. أو حين تصرّح لها برغبتك بأن تربح جائزة الألف باوند التي تحتاجها بشدّة، أو كيف يطردك ربُّ عملك لأنّك غير مؤهل للعمل. وكيف تقضي جلّ وقتك بالانتقال من بيت إلى بيت، وتساعد أمك الطّيبة، وتكشف لها أمراضك وأرقك وأوجاعك وحسراتك، ياه يا عزيزي بيسوا كم أنقذتك من هذه البلوى، كم أنقذتك من السّخف.
يطرق بيسوا ويهمس بحكمة المحتضر، قبل موته بيومين، سيطرح على نفسه ذلك السّؤال العجيب، هل فعلا من السخف أن يكون للشاعر عائلة وأولاد؟ على الأقل سيكون موتًا لطيفًا، محاطا بالأولاد والعائلة، أفضل من مخالطة تلك الأشباح.
هذا ما تخيلته وفكرت به وأنا أستحضر رواية تابوكي عن بيسوا وأمر بجوار المشفى الذي مات فيه.
تاريخيا، الزّواج مضادّ للشّاعر، ولكنّه سيكون منقذًا للكثير من الرّوائيين.
ربّما من بين كلّ الشّعراء، لمع نجم الشّاعر الأميركي دونالد هول، فقد تزوج شاعرة أيضا جين كنيون، وشهد احتضارها وموتها، فأصدر ديوانين جعلاه يلمع كالماسة نقيّة في سوق الشّعر الكاسد «السّرير المطلي» وديوانا بعنوان «من دون».
كان غيابها الفاجع يجتاحه، فتألقت القصيدة، هكذا سيبدو الغياب محرض الشّاعر. أن يكون المرء مهجورًا أو متروكًا، يتلمس أثر الفقد بحواس الشّعر، هي المعادلة المضمونة للبقاء على قيد الشّعر.
ألفارو دي كامبوس، أحد شخصيات بيسوا كان عدميا، لكنه أيضا أحبَّ، سيقول له: لقد أحببت الحياة أيضا، وإذا كنت في أناشيدي المستقبلية والغامضة قد كتبت بسخرية، وإن كنت في قصائدي العدمية، قد دمّرت كل شيء حتى نفسي، لتعلم أنني أحببت الحياة بألم واعٍ.
يرد الشّاعر المحتضر لندّه المعترف: أغفر لك يا كامبوس إذا كنت قد أحببت لمرة واحدة، فهذا لأنك بشري، وإنسانيتك قد غفرت لك.
فيتابع كامبوس: أريد أن أعترف لك يا بيسوا، أني أحنّ وأندم، إلى الحقبة التي كنت فيها شاعرًا منحطًا، أتذكر الآن ضوء القمر والمراكب، والجمال، وكم كنت أحمقا، لأنني كنت أسخر من الحياة، لقد أضعتها ولم أعرف كيف أتمتع بها، وهربت حياتي مني.
لم أستطع فك رموز الواقع، أصبت بالإحباط فهربت للعدمية، مثلما هرب غيري إلى الدين، ويهرب العالم إلى المال، للنتيجة نفسها ولكن بتسميات مختلفة.
الآن أنا سأموت معك، ولكن كان علي أن أقول لك ذلك، لأننا لن نلتقي ثانية، وأعرف أن مزيدا من الأشباه والشّعراء الذين خلقتهم ينتظرون دورهم ليلقوا عليك نظرة الوداع.
يقول بيسوا: أسمعني يا كامبوس قصيدة تخطر على بالك في هذه اللحظات قبل أن تغادر.
كامبوس: حسنا إن كان من قصيدة فلتكن «طريق سينترا على ضوء القمر». وها أنا أتلو عليك مقطعا منها.
أأخلف أحلاما من ورائي، أم ترى هي السيارة التي تخلف الأحلام؟
أأنا قائد السيارة، أم أنا السيارة المعارة التي أقود؟
كان بيسوا يردد ما تبقى من القصيدة حين اكتشف أنّ ضيفه قد غادر وهو يبكي، وعلى الباب سيكون معلمه (ألبرتو كاييرو) ما زال قلقا من كل شيء خصوصا رؤية الأشياء على أنها أشياء، هادئا يرتل أناشيده بمعزل عن أي آيديولوجيا أو ثقافة تعكّر صفو الشّعر:
الجوهري أن نحسن الرؤية
أن نحسن الرؤية دون تفكير
أن نحْسن الرؤية عندما نرى
ولا أن نرى عندما نفكّر
وعلى عكس ما توقع، كان ألبرتو كاييرو يريد أن يعترف لتلميذه لا أن يسحب منه الاعتراف، فباشره فورا:
أنا هو مسبب الأرق لك، في كل تلك الليالي التي لم تستطع أن تنام، أنا كنت من أزورك في الليل، أجعلك متوترا، أحيل ليلك إلى جحيم من الخيالات، أملأ مكان رقادك بالذّكريات، والكلمات، وجعلتك تكتب بلا أدنى شفقة لنفسك.
أطرق بيسوا بهدوء، ثم قال: كنت أشكّ أنّه أنت، على الرّغم من كلّ الألم المدمر للأرق، لكنّك جعلت من تلك الليالي خصيبة.
لولاك يا ألبرتو لم أنتج، ولم أكتشف. كنت أحتاجك كي تكون لي بمثابة المعلم والأب.
لا يمكن أن تنجز الحياة من دون هذا المثل، فحين تصادر الحياة الواقعية منك الأب أو المعلم، عليك بابتكاره، كنت أحتاج يا ألبرتو، إلى مخثّر، ودليل. لولاك لتطايرت حياتي إلى شظايا. لم يطل المعلم المكوث، شعر بالإطراء الشّديد ودّع تلميذه بفرح، وغادر، لأنّ بالباب كان ينتظر منذ وقت طويل، ندّه الذي عاد من البرازيل على ما يبدو.
ريكاردو ريس، طبيب وشاعر كلاسيكي، همس بيسوا: ريس هو «هوراس إغريقي يكتب بالبرتغالية». أغلب قصائده تتحدث عن الحاجة إلى تقبّل القدر. ريس كان ملكي الهوى، ولذا لاذ بالفرار إلى البرازيل حينما سقطت الملكية. وهو الشّخصية التي عنون لها سارماغو روايته الخالدة «سنة موت ريكاردو ريس». كان هذا أخطر أنداد بيسوا، لأنه حاول أن يقنع العالم أن بيسوا نفسه لم يكن موجودا وأنه هو من ابتكره.
حين دخل قابله بيسوا بابتسامة لطيفة.. إذن ها أنت تعترف بأني موجود ؟
فأجاب ريكاردو بقصيدة.
دع الريح تمر لا تسألها شيئا
ليس لها من معنى
غير أنها الريح تمر.
بعده يأتي برناندو سواريس يحلم بالأرواح المتعددة، فحياة واحدة لا تكفي وشخصية واحدة لا تكفي. وبسرعة طلب منه بيسوا أن يلقي عليه قصيدة دكان التبغ.
حسنا أيها العزيز:
عندما أردت نزع القناع
التصق بوجهي
عندما نظرت في المرآة كنت قد شخت
ثملا كنت، لم أعد أعرف وضع القناع الذي لم أنزعه
طوحت به
وفي خزانة الثياب نمت
مثل كلب معتنى به
لكونه غير مؤذٍ
بعد هؤلاء، توافد العشرات من الشّعراء الأنداد الذين اخترعهم قبل أن تحين ساعته ويسلم الرّوح إلى النّهاية. يمكن استبيان بعضٍ من أشهرهم، فهناك أنطونيو مورا مؤلف كثير من النّصوص الفلسفية المكرّسة لموضوع الوثنية. رفاييل بالدايا المنجّم، شأن بيسوا نفسه، والمأخوذ بالغيبيات. مؤلف «رسالة في النكران»، حيث تكون فرضيته الأساسية أن الوجود وهمٌ، والقدر هو أكبر كذبة.
هناك أيضا البارون دي تايفه الذي عرف بمؤلفه الصّغير «تعليم الرواقي» الذي عبر فيه، شأن بيسوا أيضا، عن إحباطاته بسبب عجزه عن إنهاء أي عمل، وفي النّتيجة يفكر بالانتحار. وبعده تأتي ماريا خوزيه العاشقة الحدباء كاتبة رسالة إلى عامل، تشاهده كل يوم من نافذتها، إلا أنّ الرّسالة لم ترسل، وهكذا واحد تلو الآخر مروا للوداع وذابوا وبقي وحده ليتأمل اللحظات الأخيرة وهو يخرج آخر الأنفاس.
من المفيد معرفة أن أحد معاني كلمة بيسوا بالبرتغالية هو: «لا أحد».
لتدرك أن المكان قد فرغ، كنت أقف على بابه، أراقب وجهه المطمئن، وشاربه الدقيق، قبعته السّوداء، ومعطفه السّميك، علبة لفافات تبغه، وعصاه الطّويلة.
- والآن علي أن أتمنى لك رحلة موفقة يا فرناندو، وأقول لك كما يقول شاعري الصّغير الذي مات أيضا في مشفى وهو دون الثامنة والعشرين:
أنت اخلع عنك الحياة
واذهب بصراحة إلى الموت
الموت يا عزيزي سمكة لن تقبض عليها
إلا إذا كانت يداك جافَّتين
ومشاعرك حافية
وهنا سمعت بيسوا يردد، مشاعرك حافية، نعم مشاعرك حافية.. مشاعرك حافـ.....
وغاب كل شيء.
* كاتب من سوريا



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».