افتقار «الكوماندوز النسائي» للخبرة أنقذ باريس مرتين من عمليات تخريبية

الإرهاب بصيغة المؤنث في فرنسا: إيناس وسارة وآمال وأورنيلا

جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة  بوسي سان أنطوان  في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)
جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة بوسي سان أنطوان في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)
TT

افتقار «الكوماندوز النسائي» للخبرة أنقذ باريس مرتين من عمليات تخريبية

جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة  بوسي سان أنطوان  في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)
جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة بوسي سان أنطوان في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)

أسماؤهن: إيناس، وسارة، وآمال، وأورنيلا وربما هناك أخريات من المرجح أن يكشف التحقيق الذي تقوم به الأجهزة الأمنية الفرنسية عن هوياتهن. هؤلاء يشكلن «الكوماندوز النسائي الإرهابي» الذي حاول ارتكاب عمل إرهابي من نوع جديد في باريس عن طريق ركن سيارة مملوءة بقوارير الغاز قرب كاتدرائية نوتردام وهي الكنيسة الرئيسية الواقعة في قلب العاصمة الفرنسية والتي تشهد ازدحاما بشريا طيلة أيام السنة. والكوماندوز نفسه كان يخطط، وفق ما رشح عن الأجهزة الأمنية وما أفاد به المدعي العام للشؤون الإرهابية في فرنسا فرنسوا مولينس لتفجير محطة للقطارات في باريس أو في الضواحي. وتفيد معلومات متوافرة أن المكان المستهدف كان المحطة المعروفة باسم «محطة ليون» التي تنطلق منها القطارات باتجاه الجنوب والجنوب الشرقي الفرنسي وصولا إلى مرسيليا ونيس ومرورا بمدينة ليون.
المرجح أن ما قد يكون أنقذ العاصمة الفرنسية من عملية إرهابية إضافية كانت ستوقع كثيرا من الضحايا في حال حصولها، أمران: الأول أن «الكوماندوز النسائي» يتشكل، لحسن الحظ، من «هاويات». ذلك أن إيناس مدني البالغة من العمر، 19 عاما، وصديقتها أورنيلا اللتين ركنتا سيارة البيجو 607 إلى جانب الكاتدرائية لم تنجحا في إشعال قوارير الغاز، التي كان يفترض بها أن تشعل أسطوانات الغاز وتتسبب في الانفجار الكبير. ولدى تفتيش السيارة، عثر المحققون الفرنسيون على جزء من سيجارة أشعلت وعلى غطاء يظن أن الفتاتين أرادتا إشعاله أولا لتفجير الأسطوانات الخمس الممتلئة. وبما أنهما لم تنجحا في ذلك، فقد تخليتا عن مشروعهما ولاذتا بالفرار تاركتين وراءهما السيارة من غير لوحة معدنية. والحال أن الشرطة تعرفت سريعا على صاحب السيارة الذي هو والد إيناس مدني، وهو معروف لديها بسبب تشدده الديني. وكانت إيناس التي كانت تسكن في وسط فرنسا قد «اختفت» مع السيارة منذ عدة أيام.
أما الأمر الثاني الذي أنقذ العاصمة والذي يدل على أن الكوماندوز النسائي كان يفتقر للخبرة فقوامه أن الأجهزة الأمنية كانت قد أخضعت هاتف سارة الجوال لعملية تنصت الأمر الذي سمح لها بالتعرف على وجود خطة للهجوم على محطة القطارات، وتحديدا يوم الخميس الماضي. وهذه المعلومة دفعت الشرطة إلى تشديد الرقابة على المحطات كلها في باريس والضواحي وعمدت إلى استباق التنفيذ من خلال القبض على النساء الأربع.
الواقع أن سارة ليست وافدة جديدة على عالم التشدد والإرهاب. وإذا كانت إيناس قد بايعت «داعش» وسعت لتنفيذ عملية إرهابية بطلب من هذا التنظيم لفشلها في الوصول إلى «ميادين التطرف» في سوريا والعراق، فإن سارة فعلت ذلك وذهبت إلى تركيا حيث قبض عليها وأعيدت إلى فرنسا في ربيع العام الماضي. ورغم أن اسمها موجود على لائحة الأشخاص الخطرين الموضوعة أسماؤهم تحت الملف «S»، فقد أخلي سبيلها وأصبحت تباعا خطيبة الإرهابي العروسي عبد الله، قاتل ضابط الشرطة وزوجته اللذين ذبحا في شهر يونيو (حزيران) الماضي في مدينة مانيانفيل، شمال العاصمة. وبعد مقتله، ارتبطت بعلاقة مع عادل كرميش الذي ذبح كاهن كنيسة سان إتيان دو روفريه «قريبا من مدينة روان» في شهر يوليو (تموز) الماضي.
وبعد مقتل الثاني، أصبحت خطيبة محمد لمين عبروز، الذي ألقي القبض عليه الخميس الماضي. وهذا الأخير هو شقيق أحد الذين مدوا يد المساعدة للعروسي عبد الله وهو يرتع في السجن.
عندما عمدت الشرطة للقبض على إيناس مدني في شارع من مدينة بوسي سان أنطوان في منطقة أيسون الواقعة جنوبي باريس، عثر في حقيبة يدها على رسالة قرأ المدعي العام مولينس فقرات منها في مؤتمره الصحافي أول من أمس. وجاء في المبايعة المكتوبة بخط اليد أنها تقوم بهذه العملية «استجابة لدعوة أبو محمد العدناني، حيث قالت: «أنا أهاجمكم في عقر داركم لإثارة الهلع في قلوبكم». وبحسب مولينس، فإن «الكوماندوز النسائي الإرهابي» كان يتحرك بتوجيه من الخارج وتحديدا من «داعش». وبحسب ما تسرب عن الأجهزة الأمنية، فإن «مشغل» الإرهابيات هو أحد كوادر «داعش» واسمه رشيد قاسم وهو كان شغل آخرين قاموا بعمليات إرهابية في فرنسا في الأشهر الماضية وبينها عملية قتل الشرطيين وذبح الكاهن.
عند حصول عملية إرهابية في الأشهر الماضية «240 قتيلا خلال 20 شهرا ومئات الجرحى»، كانت الانتقادات تنصب من اليمين واليمن المتطرف على فشل السلطة والأجهزة الأمنية في حماية الفرنسيين. وكان كبار المسؤولين «رئيسا الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية» يؤكدون أن التدابير كافة قد اتخذت وأن البلاد تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ خريف عام 2015.
أمس، لم يخف الوزير برنار كازنوف فرحه بسبب تعطيل الخلية النسائية وتحاشي عمليات إرهابية جديدة لا بل ذهب أبعد من ذلك ليظهر أن الشرطة والدرك والمخابرات الداخلية والقضاء تقوم بواجباتها. وبحسب الأرقام التي كشف عنها كازنوف، فإن أجهزة الداخلية ألقت القبض على 293 شخصا مرتبطين بخلايا إرهابية في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي ما يعني تفكيك كثير من الخلايا وتلافي عشرات الهجمات الإرهابية. بيد أن كازنوف سارع إلى القول إن هذا الإنجاز «لا يعني قدرتنا على تحاشي كل المحاولات» خصوصا أن الساعين لمثل هذه الأعمال يستخدمون، على حد قوله، وسائل جديدة للإفلات من الرقابة واللجوء إلى الرسائل المشفرة والأدوات الإرهابية غير المستخدمة سابقا في الإشارة مثلا إلى استخدام شاحنة في عملية كورنيش مدينة نيس (85 قتيلا) أو استخدام أسطوانات الغاز في محاولة الاعتداء الأخيرة. وخلص وزير الداخلية إلى أن «درجة الصفر» من المخاطر الإرهابية غير موجودة. وسبق لرئيس الجمهورية فرنسوا هولاند ورئيس الحكومة مانويل فالس أن دعيا الفرنسيين لليقظة وتوقع حصول أعمال إرهابية جديدة.
ويرى مراقبون أن «داعش» آخذ، عن طريق البدء باستخدام الفتيات والنساء لتنفيذ عمليات إرهابية، وآخذ في تحقيق «نقلة استراتيجية» في عملياته الخارجية التي لا تتوافق مع الدور المناط بالنساء في «أرض الخلافة». وإذا كان صحيحا أن الأجهزة الأمنية نجحت في الأشهر الأخيرة في استباق محاولات سعت إليها فتيات في فرنسا كن عازمات على القيام بأفعال من النوع الإرهابي بسبب عجزهن عن السفر إلى سوريا والعراق، إلا أنها المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا على ظاهرة الكوماندوز النسائي الإرهابي وفق تسمية مولينس.
في الأسابيع الأخيرة، انشغل الفرنسيون والفرنسيات عن موضوع الإرهاب بمعركة «البوركيني» التي لم تنته بعد فصوله. لكن توقيف الكوماندوز المذكور أعاد إلى الواجهة التهديدات الإرهابية ولكنها هذه المرة بصيغة المؤنث.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».