المعارضة السورية تطلق «خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية من منصة لندن

اجتماع لوزراء خارجية «النواة الصلبة» في لندن لمباركة الوثيقة

صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)
صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)
TT

المعارضة السورية تطلق «خريطة طريق» للمرحلة الانتقالية من منصة لندن

صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)
صورة تجمع رئيس الائتلاف أنس العبدة والمنسق العام د. رياض حجاب وحسن عبد العظيم مع وزراء خارجية دول أصدقاء سوريا (صورة من موقع الائتلاف)

في محاولة لوضع حد للصراع الدائر في سوريا منذ خمس سنوات، وافق التحالف الذي يضم خصوم رئيس النظام السوري بشار الأسد على خريطة طريق انتقالية لتحديد معالم حكومة انتقالية، من المفترض تشكيلها خلال ستة شهور من الآن. وجرى الكشف عن الخطة التفصيلية ومناقشة تفاصيلها في مؤتمر عقدته الحكومة البريطانية، ووعدت بحشد جهود دولية من أجله.
وصرح رياض حجاب، المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض، بأنه يتحتم على بشار الأسد التخلي عن السلطة خلال الشهور الستة القادمة المفترض أن تبدأ فيها المرحلة الانتقالية.
وتتألف الخطة من ثلاث مراحل: أولاً مفاوضات لستة شهور بين ممثلي المعارضة والحكومة السورية وفق اتفاق جينيف 2012 أساسًا للمفاوضات. يتعهد الطرفان بفرض هدنة مؤقتة ورفع الحصار والسماح لكافة المساعدات الإنسانية، والإفراج عن المعتقلين.
ثم الفترة الانتقالية لعام ونصف، تبدأ منذ تاريخ تأسيس الحكومة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، ورحيل الأسد وغيره من كبار المسؤولين المتهمين بارتكاب «جرائم شائنة». وسوف تجري صياغة دستور جديد خلال تلك الفترة، وسيؤسَّس لنظام سياسي ديمقراطي تعددي في البلاد.
وفي المرحلة الثالثة، سيجري الاتفاق على التعديلات الدستورية وفق حوار قومي، وانتخابات تجري تحت إشراف الأمم المتحدة.
وبحسب محللين، ربما تقدم خطة لندن، على الأقل، جزءًا من الغطاء السياسي الذي تحتاجه القوى المهتمة بالشأن السوري لتعديل أوجه السياسة الحالية. وقد تكون الخطة بمثابة ستار خلفي للمسرح، لإبرام اتفاق أميركي روسي جديد لوقف إطلاق النار في بعض المناطق التي تشهد معارك شرسة.
«باستثناء الأسد وحفنة من أقرب المحيطين، لم تستثنِ الخطة أحدًا»، وفق دبلوماسي بريطاني طلب عدم ذكر اسمه، مضيفا: «الخطة لا تهدف لإقصاء أي من القوى، حيث إن هناك وعيا بحاجة سوريا لدعم الجميع كي يعيشوا شعبا واحدا مرة أخرى». لكن في حال فشلت الخطة المقترحة، كما حدث في الخطط السابقة، فقد تشهد سوريا فترة أسوأ وأعنف من الصراع المسلح.
وشدد المؤتمر على «ألا يكون هناك أي دور لمجرمي الحرب وكل من أدين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في المرحلة الانتقالية». بيد أن المؤتمر لم يتطرق إلى المطالبة بتفكيك البنية الإدارية والعسكرية والأمنية للنظام الحالي.
وفي محاولة غير مباشرة لتهدئة المخاوف الروسية من أن رحيل الأسد قد يؤدي إلى انهيار الدولة والجيش السوري، كما حدث في العراق عام 2003، أوضحت المعارضة أنها لا تسعى «للثأر»، بل «للإصلاح وفق الإجماع الشعبي لإعادة الحياة إلى طبيعتها». وبحسب تصريح متحدث من المعارضة السورية: «لن يكون هناك انتقام. في الحقيقة، نحن نسعى لتشكيل لجان لا تهدف سوى الحقيقة وتحقيق المصالحة».
وبمقتضى الخطة، سوف تراجع لجان خاصة «الوضع الحالي» لبنية الجيش والشرطة السورية، بهدف إعادة تشكيلها وتدريب منتسبيها لتخدم الشعب وحكومته التي تشكلت منه، لا لحماية السلطة التي تعتمد على الولاءات الطائفية والآيديولوجية الضيقة.
وعلى الرغم من أن الاقتراحات بخصوص الخيارات الفيدرالية لم تثر في المؤتمر، فإن المؤتمر قد أوضح أنه فضل الحفاظ على كيان الدولة السورية المركزي الكبير، عن طريق سلسلة من المقترحات بهدف تعزيز الديمقراطية.
وتأمل كل من المعارضة السورية والحكومة البريطانية في أن تعزز الخطة التي تألفت من 12 نقطة، اتفاق العالم على طريقة وضع نهاية للتراجيديا السورية. وسوف تدعم بريطانيا الخطة من خلال مجلس الأمن الدولي بجهود خاصة لإقناع روسيا بالموافقة عليها. ومن المرجح أن تحظى الخطة بموافقة غالبية الدول العربية، وتحديدا السعودية التي اجتمع وزير خارجيتها عادل الجبير مع قادة المعارضة السورية في لندن أمس. وسوف تبذل جهود دبلوماسية أيضا من أجل إشراك قوى أخرى على صلة بالصراع في سوريا، منها إيران وتركيا، بحسب مصادر بريطانية.
وأوضح وزير الخارجية البريطاني الجديد بوريس جونسون، أنه يعتزم تكثيف الجهود البريطانية لإنهاء الصراع الدائر في سوريا، وقال إنه اطلع على الخطة الانتقالية خلال لقائه مع قادة المعارضة السورية أمس.
ومن المفترض أن تضم الحكومة المؤقتة «طيفا واسعا من القوى السياسية السورية»، وفق غسان إبراهيم، المعارض المستقل. ولن تشمل الحكومة الجديدة المعارضة فحسب، بل أيضا ستشمل ممثلين عن المجتمع المدني، وقادة بعض المنظمات غير الحكومية، وعناصر من الإدارة الحالية.
وبحسب مصادر بريطانية، سوف تمهد الحكومة السورية المؤقتة المقترحة لإجراء انتخابات عامة خلال 18 شهرا من تشكيلها، من دون محاولة فرض إرادتها السياسية على الشعب الذي مزقته الحرب. فالفكرة هي أن «ندعم التفكير العقلاني في مستقبل البلاد، ومساعدة جميع عناصر الشعب على التعبير عن رأيهم ودعم خياراتهم من دون خوف».
تناول المؤتمر أيضا الخطوط العريضة لخطط إعادة إعمار البنية السورية المحطمة، وإعادة الحياة لاقتصادها. وتقدر الدراسات حاجة سوريا من الاستثمارات بنحو تريليون دولار على مدار السنوات العشر القادمة، لمساعدة سوريا على الوقوف على قدميها مجددا.
وناقش المؤتمر أيضا أمر التواجد العسكري الأجنبي في سوريا، في إشارة إلى أن تعاون روسيا، وتركيا، وإيران، وحلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة، أقوى من الغضب الذي يسببه تدخلهم المباشر وغير المباشر في حرب كلفت كثيرا من الأرواح.
اجتمع وزراء خارجية «النواة الصلبة» في مجموعة «أصدقاء سوريا» في لندن، أمس، لمباركة الوثيقة التي أقرتها «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، بحضور نحو عشرين دولة ومنظمة. ومن أبرز المشاركين في هذا الاجتماع وزراء خارجية «بريطانيا، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وإيطاليا، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي»، على أن يلقي وزير الخارجية الأميركي جون كيري كلمة عبر دائرة فيديو مغلقة.
وفي مؤتمر صحافي جمع وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ومنسق عام الهيئة العليا للتفاوض رياض حجاب، رحب جونسون برؤية المعارضة السورية للحل السياسي في سوريا، وعبر عن أمله في أن تتم دراسة خطة المعارضة السورية جديًا، مشددًا على ضرورة رحيل الأسد عن المشهد السياسي.
أما حجاب، فقال إن بريطانيا قدمت الدعم السياسي والإغاثي للسوريين، وأكد أن خطة المعارضة السورية تهدف للانتقال إلى مرحلة جديدة، وأن هيئة الحكم الانتقالي تقوم على المشاركة بين المعارضة والنظام. وتابع أن على روسيا والميليشيات القادمة من الخارج الرحيل عن سوريا. ولفت إلى أن «اتفاق وقف إطلاق النار خُرق أكثر من 8 آلاف مرة من قبل النظام وروسيا».
وكان منسق عام الهيئة العليا للتفاوض، قد شدد في الصباح، على أنه لا يمكن القبول ببقاء الأسد لا لستة أشهر، أو ليوم واحد، أو لدقيقة واحدة، خلال عملية الانتقال السياسي في سوريا.
وأكد على «أننا لا نطالب بحل المؤسسة العسكرية بسبب التجارب السابقة الفاشلة، ونقترح تشكيل مجلس عسكري مشترك خلال الانتقال السياسي في سوريا». وأشار إلى أن المعارضة السورية سترفض أي خطة أميركية روسية لا تتماشى مع رؤيتها. وأضاف أن الهيئة سترفض أي اتفاق تتوصل إليه روسيا والولايات المتحدة بشأن مصير سوريا إذا كان مختلفًا عن رؤيتها.
وكانت الهيئة العليا للمفاوضات قد أعلنت في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي عن نيتها نشر خطة الانتقال السياسي في سوريا. هذا ما أعلنته ممثلة «مجموعة الرياض» هند قبوات، التي أكدت أنه إضافة إلى تشكيل هيئة «الحكم الانتقالي»، تتضمن الوثيقة تفاصيل مدة مرحلة الانتقال السياسي، وآليات ضمان تمثيل الأقليات في مؤسسات الدولة.
يشار إلى أن «النواة الصلبة» في «أصدقاء سوريا» تضم 11 دولة غربية وعربية وإقليمية، بما فيها «الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والسعودية، وقطر، وتركيا، والإمارات، والأردن، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي»، مقابل غياب مصر التي لم تعد تحضر هذه الاجتماعات. من جهة ثانية اعتبر وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في تصريح لـ«بي بي سي» أن خطة المعارضة تشكل «خطوة إلى الأمام»، وتقدم «رؤية لسوريا: أي ما يجب أن تكون عليه سوريا عبر إشراك الجميع».
وعقد اجتماع جنيف - 1 في عام 2012 بغياب الأطراف السوريين، وصدر عنه بيان دعا إلى تشكيل هيئة انتقالية «تتمتع بكامل الصلاحيات»، في حين عقد مؤتمر وجولة مفاوضات جنيف - 2 في عام 2014، بحضور الأطراف السورية من دون أن يحقق أي نتائج.
وأطلقت في أواخر يناير (كانون الثاني) 2016 جولات جديدة من المفاوضات غير المباشرة، برعاية الأمم المتحدة في جنيف من دون أن تحقق أي نتائج أيضًا. لكن لم تتمكن من تحقيق أي تقدم؛ نتيجة للتباعد الكبير في وجهات النظر حيال المرحلة الانتقالية، ومصير الرئيس السوري بشار الأسد.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.