ضغوط إيرانية لمنع شيعة لبنان من الحج.. وإسقاط الفريضة الخامسة

المجلس الشيعي ومكتب فضل الله يتجاهلانها.. وقيادات سنية وشيعية تستنكر «التسييس»

لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

ضغوط إيرانية لمنع شيعة لبنان من الحج.. وإسقاط الفريضة الخامسة

لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)

انضم ما يسمى «حزب الله» اللبناني إلى إيران في مقاطعة موسم الحج، كما أكدت مصادر لبنانية متطابقة، تحدث أحدها عن «تكليف شرعي» للمحازبين يقضي بعدم المشاركة في موسم الحج «تحت طائلة الفصل»، في حين حذر حساب على توتير يحمل اسم «منشق عن حزب الله» من أن الحزب يرسل عناصر ما يسمى «السرايا اللبنانية» إلى المملكة العربية السعودية تحت ستار الحج للتخريب وإثارة البلبلة.
لكن قرار المنع من الحج لم يسر على الهيئات الشيعية الأخرى، كالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الممثل الرسمي لشيعة لبنان الذي أوفد بعثة رسمية للحج على غرار الأعوام السابقة، كما مقلدي المرجع الشيعي الراحل الشيخ محمد حسين فضل الله الذين أرسلوا بعثة ترأسها نجله السيد علي فضل الله، في إشارة واضحة لرفض الضغوط الإيرانية التي مورست على شيعة لبنان لمقاطعة الحج أسوة بالموقف الإيراني، كما قال مصدر شيعي رفض ذكر اسمه. وأكد المصدر أن إيران مارست ضغوطا شديدة على هؤلاء، لكن ترؤس فضل الله بنفسه بعثة الحج يمثل رسالة واضحة، على الرغم من رفضه وأنصاره التعرض مباشرة للحزب وقراره.
وقالت مصادر لبنانية مطلعة على وضع الحزب، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحزب عمم على محازبيه «عدم السفر إلى المملكة» كما أطلق حملة بين مناصريه تدعو لمقاطعة موسم الحج هذا العام تحت شعار: «المملكة العربية السعودية تستعمل أموال الحج لقتال الحوثيين في اليمن». وقالت محطة تلفزيون «الجديد» إنّ «حزب الله» قد شدد على محازبيه عدم الذهاب لأداء فريضة الحج هذا العام، محذرًا أنّ هذا التعميم هو تكليف شرعي وكل من يخالفه سوف يفصل.
ولم يعلن ما يسمى «حزب الله» رسميًا عن منع عناصره من الحج، لكونه لم يصدر بيانًا ولم يتحدث أحد من قيادييه بالأمر عبر وسائل الإعلام، واقتصر على ما تحدثت عنه قناة «الجديد». وقال مصدر شيعي مطلع على شؤون الحزب ومعارض له، إن الحزب في الشؤون الدينية: «عادة ما يتجنب الإشكاليات الدينية مع مناصريه، فلا يعلن عن أي قرار ديني مشابه على الملأ»، مضيفًا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الحزب في هذه الحالة «يمكن أن يصدر قرارًا بمنع سفر مناصريه، عوضًا عن منعهم من أداء فريضة الحج». وقال إن قرار منعهم من الحج «سيعرضه للمساءلة وسط مناصريه وجمهوره، لأنه لا يستطيع إسقاط فريضة دينية واجبة، مهما كانت الذرائع، ولا يستطيع إصدار قرارات منع بأحكام واجبة، وهو ما يدفعه لعدم الإعلان عنها». وقال المصدر نفسه: «حتى لو كان أصدر تعميمًا داخليًا، فإنه لا يعلن عنه تجنبًا للإحراج الكبير»، واضعًا القرار الذي تم تسريبه «في إطاره السياسي بما يتخطى القرار الديني».
وفي المقابل، أخرجت الشخصيات الشيعية، الدينية والسياسية المعارضة لما يسمى «حزب الله» اللبناني، قضية منع مناصريه من أداء فريضة الحج هذا العام، من إطارها الديني، مؤكدة أن التزام الحزب عقائديًا بإيران، وبولاية الفقيه، دفعها لذلك. وقال رجل الدين الشيعي البارز، السيد محمد حسن الأمين، إن «التزام الحزب سياسيا بإيران، يعني الالتزام حكمًا بولاية الفقيه فيما يخص المواقف الدينية»، لافتًا إلى أن ما يسمى «حزب الله» المعروف بولائه لولاية الفقيه: «من الطبيعي أن يمتنع عن أداء هذه الفريضة، وهي التي بادرت إلى الامتناع عن الحج لهذا العام لأسباب سياسية وتتعلق بالخلافات القائمة مع المملكة العربية السعودية».
وقال الأمين المعارض للحزب: «هذا أمر بديهي بالنسبة لمن يعرف العلاقة التي تربط الحزب والقيادة الدينية في إيران»، مشددًا على أن هذا الاعتبار «هو المفصل الأساسي لكون الحزب يعلن ويصرح ويقول دائما إنه مرتبط بقيادة الولي الفقيه، أي ما يلزم الحزب هو هذا الارتباط الوثيق». ورأى الأمين أن دوافع إيران للامتناع عن الحج «تكمن في الوجهة السياسية، وبكل أسف هناك مظهر من مظاهر الخلاف والصراع بين الدولتين ويؤدي أحيانا إلى نتائج منها منع الحج». وإذ أشار إلى أن «الطرف المعني بالأمر قد يملك بعض المبررات الدينية»، أكد أنها «لا تلزم كل الناس وكل الشيعة، بل تلزم من هو مرتبط بولاية الفقيه سواء أكان إيرانيا أم لبنانيا». كما أكد أن القرار الإيراني «يلزم الشعب الإيراني لأن القيادة الموجودة في إيران هي قيادة الدولة وليس تيار ولاية الفقيه».
وعبّر رئيس مركز «أمم» للدراسات، لقمان سليم، عن أسفه لأن «هناك من يمعن في تحويل فريضة الحج إلى سجال له خلفياته السياسية والمذهبية». ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «لا يحتاج إلى بذل مجهود كبير لنتذكر السجل العدلي للإيرانيين وجماعتهم في مواسم حج ماضية، عندما استغلّوا هذا الركن الإسلامي، وحولوه في ثمانينات القرن الماضي إلى مظاهرات تحت شعار (البراءة من المشركين(، محاولين بذلك استغلال موسم العبادة لغايات سياسية». وقال سليم وهو ناشط سياسي شيعي مناهض لما يسمّى «حزب الله»: «ليس جديدًا على الإيرانيين وحلفائهم، أن يحولوا موسم الحج والعبادة إلى موسم نقاش وسجال». وسأل: «هل يستطيع (حزب الله) أن يقرر بنفسه إسقاط ركن من أركان الإسلام الخمسة؟، هذه كبيرة جدًا عليه»، معتبرًا أن «الأمر يأتي من إيران ومن الولي الفقيه والحرس الثوري»، مضيفا: «كما استخدم الإيرانيون الحج سابقًا لإثارة الشغب تحت شعائر دينية معينة، ها هم يحاولون الآن التلاعب بهذا الركن والتشويش عليه تحت عنوان: (السعودية ليست أهلاً لإدارة هذا الركن)، ويكفي أن نطلّ على الماضي لنستشرف منه ما يخططه الإيرانيون للمستقبل». وأبدى سليم أسفه لأن «السلوك الإيراني يعمّق يومًا بعد يوم خطوط التماس المذهبية من باكستان إلى الضاحية الجنوبية»، معتبرًا أن «إسقاط (حزب الله) هذه الفريضة، ليست إلا الصدى للخطاب الإيراني الذي يتردد في بيروت، كما في بغداد التي استفاقت اليوم (أمس) على جداريات تحمل كلام خامنئي التحريضي ضدّ المملكة العربية السعودية». وقال: «لنكن واضحين إن (حزب الله) ليس إلا ذراعًا تتحرك بأمر من العقل الإيراني».
وفي الإطار نفسه، أجمعت شخصيات دينية سنية على رفض قرار ما يسمى «حزب الله» منع محازبيه من أداء فريضة الحج هذا العام تحت طائلة الفصل، واضعة إياه في خانة «تسييس» «ركن الإسلام الخامس» استجابة لمرجعية الحزب الدينية والسياسية المتمثلة بـ«ولاية الفقيه». وفيما دعت إلى عدم الالتزام به أكّدت أنه ليس هناك من أسباب موجبة تدعو إلى الامتناع عن القيام بهذه الفريضة.
ورأى مفتي الشمال، الشيخ مالك الشعار، أن قرار الحزب سياسي بامتياز ولا علاقة له بالشريعة كما أنه «لا يجوز أن يطاع». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد خافيا على أحد أن الحزب ارتضى لنفسه طريقا التزم بها أطلق عليها تسمية (ولاية الفقيه)، والفقيه هو ولي المبايعين أو التابعين له وهذا منطق لا أساس له في شريعة الإسلام، حيث لا وجود لـ(الولي الفقيه)، وعندما يلزم الحزب أتباعه بعدم أداء فريضة الحج فهذا جزء من مفهومه لولاية الفقيه». وأضاف: «هناك قاعدة شرعية هي أنّ القاضي ولي من لا ولي له يعني القاضي ولي القاصر التي فقدت أباها وجدّها أما أن يكون الفقيه ولي لأتباعه فهو منطق غريب وجديد في الإسلام». واعتبر أنه ليس هناك أي أسباب في أيامنا هذه من شأنها أن تكون مانعا لأداء فريضة الحج، خصوصا إذا كانت الحجة الأولى التي يطلق عليها «حجة الإسلام»، موضحا: «قد يكون لبعض الأشخاص ظروف شخصية تمنعهم من القيام بها إنما الوضع السياسي لا يشكل مانعا لها». وهنّأ الشعار كل الحجيج قائلا: «أبارك لكل من شدّ الرحال لتأدية الفريضة مثنيا على دور المملكة العربية السعودية والقائمين عليها في رعاية بيت الله الحرام والحرمين الشريفين، «وأدعو أن يجزيهم الله كل خير على ما يقومون به».
من جهته، يقول مفتي البقاع، الشيخ خليل الميس، لـ«الشرق الأوسط»: «يحق للحاكم أن يتخذ قرارا بمنع أداء فريضة الحج لأسباب فقهية متعلقة بظروف طارئة لكن قرار (حزب الله) وإن كان من شأنه التخفيف من الاحتقان الحاصل نتيجة الحادثة الأليمة التي وقعت العام الماضي، هو قرار سياسي أرادوا من خلاله تسييس هذه الفريضة الإسلامية». وأضاف: «وبما أنّهم أسقطوها عن أنفسهم أي عن عناصرهم فقط فيمكن القول إنه رب ضارة نافعة وعلّ هذا القرار يمنع الفتنة في الوقت الحالي».
كذلك، يعتبر مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، أن ما يسمى «حزب الله» يقوم بمعركة سياسية تحت غطاء الدين. وقال، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب التي يشنها (حزب الله) بتوجيهات إيرانية لا دين لها، الدين لا يأمر بقتل المدنيين والاعتداء على الحرمات، وبالتالي قتل الأبرياء والمدنيين تحت شعار الدين فيه تزوير للواقع»». وأضاف: «يبدو واضحا أن الحزب ينفذ تعليمات إيران التي تريد أن ترفع شعارات مناقضة للشريعة الإسلامية بعدما سبق لها أن اتخذت قرارا بمقاطعة الحج إثر خلافها مع المملكة العربية السعودية»، مضيفا: «من هنا يعطي الحزب أوامره لعناصره للالتزام سياسيا بإيران المعروفة بعدائها للسعودية، في وقت الحج هو ركن أساسي من أركان الإسلام أمر به المولى عزّ وجلّ ولا يمكن لأحد أن يمنعه».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.