بدء محاكمة «سفين لاو» أشهر داعية متشدد في ألمانيا اليوم

«أبو آدم» متهم بدعم منظمة إرهابية أجنبية

الداعية المتشدد سفين لاو (أبو آدم) يحرض في خطبه على الكراهية قبل اعتقاله («الشرق الأوسط»)
الداعية المتشدد سفين لاو (أبو آدم) يحرض في خطبه على الكراهية قبل اعتقاله («الشرق الأوسط»)
TT

بدء محاكمة «سفين لاو» أشهر داعية متشدد في ألمانيا اليوم

الداعية المتشدد سفين لاو (أبو آدم) يحرض في خطبه على الكراهية قبل اعتقاله («الشرق الأوسط»)
الداعية المتشدد سفين لاو (أبو آدم) يحرض في خطبه على الكراهية قبل اعتقاله («الشرق الأوسط»)

أسس الداعية المتشدد سفين لاو (35 سنة) منظمة «متطرفة» سنة 2010 في أعقاب حظر منظمته الأولى من قبل وزارة العدل بتهمة التحريض على الكراهية، لكن اعتقاله تم بعد تأسيسه «شرطة الشريعة»، التي وصفها رالف ييغر، وزير داخلية الراين الشمالي فيستفاليا، بأنها «حرب على الديمقراطية».
وتبدأ اليوم الثلاثاء في محكمة دوسلدورف، عاصمة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، محاكمة سفين لاو بتهمة دعم منظمة إرهابية أجنبية والتحريض على الكراهية. وتجري وقائع المحاكمة في محكمة دوسلدورف، المعروفة بأنها أكثر قاعة مؤمنة أمنيًا في ألمانيا، وسبق أن حوكم فيها كثير من المتهمين بالإرهاب. وأعلنت المحكمة شمول الصحافيين أيضًا بإجراءات التفتيش وحظر الحقائب والكومبيوترات والهواتف الجوالة والكاميرات. وفضلاً عن الحراسة التي ستوفرها القوات الخاصة للمبنى الخرساني المسلح، ستقف طائرة هيلكوبتر على المبنى تحسبًا لأي خرق.
وألقت الشرطة الألمانية القبض على المتشدد سفين لاو (أبو آدم) في أبريل (نيسان) 2015 بتهمة «التحضير لارتكاب جنايات خطيرة». وقالت النيابة العامة آنذاك إنه تم اعتقال لاو في منشنغلادباخ، وكان متنكرًا بهدف التخلص من رقابة الأمن، بتهمة جمع التبرعات للمتشددين، والعمل على تجنيد مقاتلين للقتال في سوريا.
وسفين لاو من المتشددين المعروفين على مستوى ألمانيا، ولد لأسرة كاثوليكية متزمتة، وله تاريخ حافل في مراهقته بتعاطي المخدرات. اعتنق الإسلام وهو في سن 15 سنة، بينما كان يقضي دورة تدريب مهنية بغية إعداده ميكانيكيا، واختار اسم «أبو آدم» له في نشاطه الإسلامي. وعمل قبل ذلك رجل إطفاء متطوعًا.
وتخضع دائرة حماية الدستور الاتحادية (مديرية الأمن العامة) سفين لاو لرقابة شديدة منذ سنوات، إلا أنها فشلت في توفير أدلة كافية تبرر اعتقاله ومحاكمته. وتذهب صحيفتا «إكسبريس» و«راينشه بوست» إلى أن اعترافات بعض أتباعه وفرت الآن ما يكفي من أدلة على دعمه تنظيم داعش. وذكرت دائرة حماية الدستور أن لاو سافر إلى سوريا للالتحاق بتنظيم داعش في العام الماضي، إلا أنه عاد بالاتفاق مع التنظيم، برغبة في تنظيم حملة التبرعات وتجنيد المتطوعين للتنظيم في ألمانيا.
وكانت «شرطة الشريعة» القشة التي قصمت ظهر سفين لاو في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ إذ شكل لاو و8 من أتباعه فرقة لبست ملابس برتقالية تشبه ملابس دوريات دائرة حفظ النظام، كتب عليها «شرطة الشريعة» في مدينة فوبرتال، ونصحت الناس بنبذ الكحول والقمار والمراقص والحانات. كما وعظت المجموعة الناس في حي فوبرتال - ألبرفيلد بضرورة اتباع «شريعة الله» لأنها البديل الأفضل. وعمم لاو على الإنترنت صورة «شرطة الشريعة»، وكان كل أفراد المجموعة يديرون ظهورهم إلى الكاميرا عداه. وصدر حينها عن دائرة المستشارة أنجيلا ميركل تصريح يدعو إلى معاقبة مجموعة «شرطة الشريعة» بشدة.
قبلها كان لاو يستفز السلطات بكثير من الصور الممنتجة التي تصوره على دبابة في حلب، أو يحمل الكلاشنيكوف، ويقول إن «القتال» محمود.. إلخ، لكن السلطات سجلت له مكالمات ورسائل إلكترونية جاء في إحداها: «هنا أو هناك، ستنفجر قنبلة»، إلا أنه برر ذلك في مقابلة مع مجلة «فوكوس» بالقول إنه كان «يمزح» فقط.
وتقول النيابة العامة إنها تمتلك صورًا تمثل سفين لاو في سوريا، عكس ما كان يدعيه عن عدم وصوله إلى سوريا. وأضافت أنها تحتفظ بتسجيلات لمكالمات هاتفية ومقابلات صحافية تشي بعلاقته بجمع التبرعات للمنظمات الإرهابية. كما تحتفظ بمعلومات عن فصيل من المقاتلين من أتباعه انضم في سوريا إلى «داعش»، كما أنه اشترى للتنظيم مجموعة سيارات استخدمت إحداها في تنفيذ عملية انتحارية في سوريا.
زار لاو مصر قبل ثلاث سنوات بنية الانتقال من هناك، بحسب رأي «دائرة حماية الدستور»، إلى سوريا للقتال إلى جانب المتشددين، وتتهمه النيابة العامة بتسفيره اثنين من المراهقين الألمان للقتال إلى جانب «داعش» في سوريا والعراق، وبشراء معدات للرؤية في الظلام بمبلغ 1440 يورو لصالح التنظيم الإرهابي.
والمعتقد، بحسب التقارير، أن النيابة العامة الألمانية تعتمد اعترافات أحد اتباع سفين لاو ضده. ويجري الحديث عن إسماعيل عيسى الذي قاتل إلى جانب «داعش» في سوريا، واعتقلته السلطات الألمانية في نهاية 2014 بعد عودته إلى ألمانيا. ويفترض أن يكون اللبناني مصدر المعلومات عن علاقات سرية للاو مع عشرات المقاتلين الألمان في صفوف «داعش» و«النصرة». واعترف عيسى أيضًا أن لاو هو من جنده للالتحاق بتنظيم «متشدد» يقاتل إلى جانب «داعش»، وأن لاو نفسه نظم عمليات تهريب المقاتلين الألمان من تركيا إلى سوريا بالتعاون مع مهرب اسمه «أبو عزيز». وأشار عيسى أيضًا إلى قضية شراء السيارات من قبل لاو لصالح التنظيم الإرهابي، خصوصًا سيارة نقل نفايات استخدمت في تنفيذ عملية انتحارية في سوريا.
من ناحيته، قال موتلو غونال، أحد محامي الدفاع عن سفين لاو، لوكالة الأنباء الألمانية إن الأدلة ضد موكله ستنهار مثل «بيت من ورق». وأضاف أن النيابة العامة ستعتذر عن التهم التي وجهتها إليه، وستضطر لتعويضه ماليًا عن الأضرار التي لحقت به طيلة فترة اعتقاله.
على صعيد ذي صلة، بدأت أمس محاكمة الألماني سامي.و. بتهمة الانتماء لتنظيم داعش، أمام محكمة مدينة شتوتغارت الألمانية. ويواجه الألماني (20 عامًا) تهمة السفر إلى سوريا مطلع عام 2015 والانضمام إلى الإرهابيين هناك. وبحسب صحيفة الدعوى، فقد تدرب المتهم على استخدام السلاح، وأُوكلت له وحدة قتالية.
وغادر المتهم سوريا، بحسب ادعائه، بسبب قلقه على الحالة الصحية لوالدته وبضغط من أبيه، وتمكن من الفرار إلى تركيا، حيث تم القبض عليه في مطار شتوتغارت عقب ترحيله. وأخلت سلطات التحقيق حاليًا سبيل المتهم الذي يحاكم بتهمة الانضمام لتنظيم إرهابي. وتم وقف المحاكمة قبل تلاوة صحيفة الدعوى بعد تقدم الدفاع بطلب لجعل جلسات المحاكمة مغلقة. وذكر شتيفان هايدنغر، من النيابة العامة في شتوتغارت، أن الشاب بدأ علاقته بالمتشددين في ألمانيا منذ سنة 2013، وأنه تدرب في سوريا طوال 20 يومًا على استخدام مختلف أنواع الأسلحة والمتفجرات. ويعاني الشاب من اضطرابات نفسية جعلت القاضي يتردد كثيرًا في حسم ما إذا كان وضعه العقلي يؤهله لإجراء المحاكمة. وحددت المحكمة 27 جلسة للنظر في القضية حتى 23 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...