زعيم «داعش» يجري مقابلات لاختيار خليفة للعدناني

يتقدم المرشحين تركي البنعلي والسوري «أبو لقمان»

ابو محمد العدناني - تركي البنعلي
ابو محمد العدناني - تركي البنعلي
TT

زعيم «داعش» يجري مقابلات لاختيار خليفة للعدناني

ابو محمد العدناني - تركي البنعلي
ابو محمد العدناني - تركي البنعلي

يجري زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، مقابلات في مدينة الرقة لمرشحين لخلافة المتحدث الإعلامي باسم التنظيم، أبو محمد العدناني، الذي قتل في غارة جوية قبل أيام، تنازع الأميركيون والروس القيام بها.
ونشرت صحيفة الـ«صنداي تايمز» البريطانية القائمة المختصرة للمرشحين لمنصب العدناني في التنظيم، الذين يتقدمهم البحريني تركي البنعلي، والسوري علي موسى الشواخ (أبو لقمان).
ويبلغ تركي 32 عاما، ويعتبر الآن أرفع المنظرين لدى التنظيم، وتنسب إليه ورقة شرعية برر فيها اغتصاب النساء الإيزيديات اللائي استعبدهن التنظيم في العراق، وهناك تقارير تتحدث عن وصوله لأرفع مناصب المستشارين الشرعيين للتنظيم، ويذكر بعضها أنه ترقى إلى منصب «مفتي داعش».
أما أبو لقمان فيبلغ من العمر 43 عاما، وكان أول حاكم للرقة بعد احتلال «داعش» لها، ويعتقد أنه المشرف على تجارة «داعش» في النفط من الآبار التي استولى عليها التنظيم، وقد أُعلن أكثر من مرة أنه قتل في غارة لقوات تحالف مكافحة الإرهاب، لكن ما يبدو مؤكدا أنه تعرض للطعن مرة على يد مقاتل ليبي في «داعش»، احتجاجا على طريقة معاملته للمقاتلين الأجانب في التنظيم، وقد نشط أبو لقمان لصالح التنظيم في العراق من قبل، ويعد من أهم القيادات التي تقوم بتجنيد المقاتلين الأجانب للتنظيم.
ويعتبر المراقبون العدناني «المهندس الرئيسي» للهجمات التي ضربت عدة دول غربية، وقد لعب دورا قياديا في تجنيد المتطرفين في تنظيم القاعدة في العراق، وبعدها في تنظيم داعش.
وبعدما وصفه بـ«المهندس الرئيسي» للعمليات الخارجية لتنظيم داعش، والمتحدث الرئيسي باسم التنظيم، أوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، بيتر كوك، أن العدناني «نسق تحرك مقاتلي تنظيم داعش في العراق والشام، وشجع مباشرة أفرادا على شن هجمات على مدنيين وأعضاء في الجيش، ونشط في تجنيد أعضاء جدد للتنظيم».
وحين ظهر العدناني خلال شهر رمضان الماضي، الموافق 21 مايو (أيار)، كانت رسالته التوجيهية واضحة بتنفيذ هجمات ضد الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حين قال: «اجعلوا هذا الشهر شهر المصائب على الكفار، في كل مكان. والدعوة موجهة خصوصًا لأنصار الخلافة (المزعومة) في أوروبا وأميركا»، وأخذت العمليات بعدها و«الذئاب المنفردة» تنشط بكل ما لديها من إمكانات في مختلف الدول الأوروبية، دهسًا وتفجيرًا وطعنًا ومحاولات قتل فاشلة في كل اتجاه.
ويقول مسؤول آخر في وزارة الدفاع الأميركية إن العدناني هو «أحد أكبر قادة تنظيم داعش، وإنه كان أكبر بكثير من مجرد متحدث باسم التنظيم». وأوضح مسؤول أميركي أن العدناني لعب دورا كبيرا في عدد من الهجمات الكبيرة في 2015، بما في ذلك الاعتداءات التي شهدتها باريس، ومطعم في بنغلاديش، وكذلك في إسطنبول، ومطار بروكسل، وفي شبه جزيرة سيناء المصرية، والتفجير الانتحاري في أنقرة. لكن الـ«صنداي تايمز»، نقلا عن خبراء، أشارت إلى صعوبة ملء الفراغ الذي خلفه العدناني، ليس فقط لتعدد الأدوار التي كان يقوم بها، إلى جانب كونه المتحدث الإعلامي، ولكن لمكانته أيضا.
فقد كان العدناني أحد القلائل من قيادات التنظيم المؤسسين، وله تاريخ مع تنظيم القاعدة، ثم «القاعدة في العراق» بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي، وهو سوري من محافظة إدلب (جنوب غربي حلب)، ولد عام 1977، وانخرط في الجهاد منذ أوائل الـ2000 حين بايع أبو مصعب الزرقاوي، ثم انتقل إلى العراق مع بدء الغزو الأميركي في 2003، وتنقل في مواقع متشددة عدة، وصولا إلى تعيينه متحدثا باسم تنظيم داعش، وقد سجن في العراق لخمس سنوات بين عامي 2005 و2010.
غير أن الدكتور هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، أشار في اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط» إلى أن خلافة البغدادي باطلة شرعا، مضيفا: «فندت من قبل شبهاتهم عام 2014 في مناظرات شرعية، وأكدت أن خلافتهم قامت على مجموعة من المجاهيل غير المعروفين لعلماء المسلمين، أو للتيارات الأصولية على مستوى العالم، وأنهم خوارج جدد أعملوا السيف في المسلمين قتلا وتفجيرا». وقال إن منصب الخلافة «في الأصل رحمة، إلا أن خلافة البغدادي منذ ظهور الدولة كانت نقمة وعذابا على المسلمين حول العالم».
وأوضح السباعي أن البنعلي لا قيمة له في عالم الفتوى أو الحرب أو العسكرية، وربما مكانته كانت مجرد واعظ شرعي لا أكثر، وهذا حجمه الحقيقي، ولا يمكن مقارنته بالعدناني، لأن الأخير يعتبر من مؤسسي التنظيم منذ البداية، معتبرا أن أبو لقمان والي الرقة، وهو أكبر سنا، ولديه أنصار ومؤيدون، وهو أبرز منافسي العدناني، وقد لا يسمح للبنعلي بتبوء المنصب الجديد.
ونقلت الـ«صنداي تايمز»، عن خبير الإرهاب كولن كلارك في مؤسسة راند الأميركية، قوله إنه يصعب أن يقوم شخص بمهام العدناني التي اكتسبها بالخبرة الطويلة.
وأوضح خبراء مكافحة الإرهاب إلى احتمال تقسيم مهام العدناني على أكثر من شخص، ما إن يتم اختيار المتحدث الإعلامي من بين المرشحين. وبحسب مسؤولين أميركيين، ومختصين بمحاربة الإرهاب، لا يزال «داعش» يتمتع بقدر كبير من المرونة رغم الخسائر الكبيرة، ولديه خطط بديلة لاستبدال حتى كبار قادته، مثل أبو بكر البغدادي، حال تعرض للقتل. وعبر ويليام مكانتس، الباحث بمعهد بروكنغز ومؤلف كتاب نبوءة «داعش»، عن ذلك بقوله إن التنظيم يمتلك مقعدا للبدلاء. وحمل البنعلي الجنسية البحرينية سابقا، وهي التي سحبت منه لاحقا بعد اتهامه بالإرهاب، وينظر له كأعجوبة نظرا لتتلمذه في سن مبكرة على يد كبار قادة التشدد، مثل أبو محمد المقدسي الذي ينظر له كأحد أكبر منظري تنظيم القاعدة.
والأهم من كل ما سبق هو أنه متحدث وخطيب مفوه وداعية بارز قريب الشبه بالعدناني، بحسب بنزيل الذي قدم بحثا لمعهد بروكنغز عن فكر تنظيم داعش.
ويقال إن البنعلي سافر للانضمام إلى «القاعدة» في سوريا عام 2013، حيث بدأ في إنتاج أكثر رسائل التنظيم تأثيرا، التي وضعت حجر الأساس لممارسات «داعش» اللاحقة. وفي 30 أبريل (نيسان) 2014، نشر البنعلي رسالة تقول إن التنظيم ليس بحاجة إلى سيطرة كاملة على الأرض كي يعلن عن إقامة خلافة إسلامية. فبحسب بونزيل، يرى كثيرون أن مفهوم السيطرة الميدانية على الأرض شرط أساسي لإعلان دولة الخلافة، لكن بحث البنعلي ساعد على تمهيد الطريق لإعلان تلك الدولة بعد ذلك بشهور، وتحديدا في صيف عام 2014.
وجرى الإعلان عن قتل لقمان عدة مرات، مرة بعد ضربة جوية أميركية، ومرة أخرى بالزعم أنه تلقي طعنه قاتله من مسلح ليبي، اعتراضا على معاملة لقمان للأعضاء الأجانب، إلا أن نبأ موته لم يُؤكد بشكل رسمي.
ومن المؤكد أن الشخص الذي سيشغل موقع العدناني سوف يعمل بالقرب من البغدادي، القائد المبهم للتنظيم. وعادة ما يلتقي البغدادي على فترات مع أمراء المناطق التابعة لـ«داعش» بمقره في الرقة. ولضمان سلامته في أثناء تلك اللقاءات، يتولى سائق خاص نقل كل أمير، ويحتفظ بهاتفه الجوال، وأي جهاز إلكتروني آخر، ليتجنب الكشف عن مكانه، ولو بشكل غير متعمد، عن طريق المخابرات الأميركية، وفق مسؤولين أميركان.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.