محافظ سقطرى: أوقفنا زوارق إيرانية.. ولن ننسى وقفة الخليج

أكد أن لا وجود لأي نية لتأجير الجزيرة للغير {مهما كانت المبررات}

اللواء سالم عبد الله السقطري محافظ جزيرة سقطرى («الشرق الأوسط»)
اللواء سالم عبد الله السقطري محافظ جزيرة سقطرى («الشرق الأوسط»)
TT

محافظ سقطرى: أوقفنا زوارق إيرانية.. ولن ننسى وقفة الخليج

اللواء سالم عبد الله السقطري محافظ جزيرة سقطرى («الشرق الأوسط»)
اللواء سالم عبد الله السقطري محافظ جزيرة سقطرى («الشرق الأوسط»)

لقاء اللواء سالم عبد الله السقطري محافظ جزيرة سقطرى أو جزيرة السعادة كما يسميها اليونانيون القدماء لم يكن أمرًا سهلاً، فبعد أن وصلنا للفندق الذي يقطنه في العاصمة السعودية الرياض بحسب موعد متفق عليه مسبقًا اضطر للاعتذار منا وتأجيل اللقاء بعد تلقيه اتصالاً يطلب منه لقاء أحد الوزراء اليمنيين. في اليوم التالي استقبلنا المحافظ. كان الحديث عن «سقطرى» التي لقبت بأكثر المناطق غرابة في العالم وصنفتها «نيويورك تايمز» أجمل جزيرة في العالم عام 2010، لا يقل غرابة وإدهاشًا بما تحويه من كنوز نباتية وحيوانية وسمكية وسكانية.
حاول اللواء السقطري، خريج الكلية العسكرية بعدن عام 1989، أن يأخذنا في جولة أشبه ما تكون بالحقيقية للتعرف على هذه الجزيرة الساحرة التي تحوي تنوعًا حيويًا فريدًا أهلها للانضمام لقائمة مواقع التراث العالمي (اليونيسكو) في عام 2008، ونظرًا لموقعها الاستراتيجي على طريق الملاحة الدولية في المحيط الهندي، كانت ولا تزال جزيرة سقطرى إحدى الجزر اليمنية المستهدفة للقراصنة وعصابات التهريب، ووفقًا للمحافظ تمكنت سلطات الجزيرة من القبض على مجموعة زوارق إيرانية اخترقت المياه الإقليمية اليمنية وتم التحقيق مع أصحابها واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالهم. وتأمل سقطرى بعد قرار الرئيس عبد ربه منصور هادي تحويلها إلى محافظة أن تتحول إلى مقصد رئيسي للسياح العرب والأجانب على مدار العام.
> سقطرى الجزيرة والمحافظة تعتبر كنزًا مجهولاً بالنسبة للكثيرين، وربما حتى لبعض اليمنيين، حدثنا عنها.. تقسيماتها، سكانها، طبيعتها، وموقعها؟
- سقطرى عبارة عن أرخبيل مكون من مجموعة جزر، سقطرى هي الجزيرة الأم وإلى جانبها جزيرتان أخريان هما عبد الكوري وسمحة، وهناك بعض الجزر غير المسكونة وبعض النتواءت المنتشرة، ومساحة الجزيرة 3671 كيلومترا مربعا، ناهيك عن المسطح المائي وبقية الأرخبيل، أما عدد السكان فيتجاوز 130 ألف نسمة، غالبيتهم رعاة وصيادون، وطبيعة التركيبة السكانية قروية على شكل تجمعات قبلية في القرى في معظم الجبال والوديان، وهي شبه مسكونة على شواطئها وجبالها كافة.
كذلك تنقسم إلى قسمين من ناحية مناطق شحيحة بالمياه، وأخرى غنية بالمياه العذبة، وفيها سلسلة جبلية تعرف باسم «جبال حجير» تعتبر أكبر مخزون مائي للجزيرة تنحدر منها المياه إلى الشمال والجنوب وتحوي الكثير من العيون والينابيع، إلا أن المناطق الغربية تعاني شحًا في المياه وتعتمد على مياه الأمطار والسدود، وهناك اهتمام كبير من أبناء الجزيرة بالرعي والثروة الحيوانية والثروة السمكية، وتعد الجزيرة منطقة سياحية فريدة، ففيها أكثر من 350 نوعًا من الأشجار النادرة، على رأسها شجرة دم الأخوين التي تعد فريدة من نوعها، هناك أيضًا غابات كثيفة، ومناطق ساحلية ومستوية ووديان، وتحوي أكثر من 40 موقعًا عبارة عن محميات برية وبحرية إلى جانب الكهوف والمغارات.
وضمت سقطرى لقائمة التراث العالمي (اليونيسكو) ضمن الحماية الدولية ولها اعتبارات في عمليات البناء والتنمية، وإلى جانب معايير اليونيسكو كان لدى السكان أصلاً اعتبارات متعارف عليها منذ زمن لحماية الجزيرة والحفاظ عليها، فمثلاً في أي قرية صغيرة على الجزيرة تجد لديهم شروطًا وقوانين خاصة للحفاظ على قريتهم، فلو وزعت شوكولاته على الأطفال يجب ألا تسقط أي ورقة على الأرض حتى لو كان ذلك في الجبال، لعدم تلوث البيئة، حتى في الرعي والاحتطاب هناك قوانين تنظم ذلك، ومع تمسك السكان الشديد بهذه الأعراف المتوارثة قد تجد الحكومة أحيانًا صعوبة في تنفيذ مشاريعها التنموية لشدة حبهم وحفاظهم على الأرض.
> هل تستقبل الجزيرة سياحًا من الخارج؟
بالتأكيد، سقطرى يعشقها الكثيرون خصوصًا الأوروبيين الذين يتوافدون عليها بشكل كبير لا سيما في الأشهر الأخيرة من السنة التي تعد موسمًا سياحيا لنا، وقد تصل الأعداد إلى 4 آلاف سائح خلال هذه الأشهر، ورغم صعوبة الإيواء إلا أن هناك محميات برية وبحرية يستمتعون فيها تحت إشراف الشرطة السياحية، كذلك هناك شروط لعملية الدخول والخروج من الجزيرة، فمثلاً يمنع خروج الشتلات والنباتات الزراعية بمختلف أنواعها من الجزيرة نهائيًا، كما لا يسمح بدخول الحيوانات للجزيرة أو تربيتها بخلاف الموجود فيها.
> دعنا نتحول للحديث عن لقائك بالرئيس هادي وأبرز الملفات التي وضعتها أمامه؟
في الواقع، وضعت الرئيس في صورة الوضع هناك، حيث إن الجزيرة مستقرة وهادئة، ورغم إمكانات الجزيرة الشحيحة لكن هناك جهد جماعي تبذله السلطة المحلية بالتعاون مع السكان، الأمن لم يتعزز بالأجهزة الأمنية فقط وإنما هناك مجتمع في الأصل ينبذ العنف والجريمة وهو شريك في حمايتها والإبلاغ عن أي ظاهرة تخل بالأمن والاستقرار فيها، وكما هو معروف فإن الجزيرة التي تبعد نحو 300 ميل بحري بحاجة إلى إمكانات وقدرات عالية، والموجود غير كاف بلا شك، ورغم ما يحصل في الوطن حاليًا فإن سقطرى كانت ملاذا آمنًا للجميع.
> ماذا عن الوضع المعيشي الحالي في الجزيرة؟
من دون شك تأثرت سقطرى بسبب ظروف الحرب الدائرة الآن في البلاد، وكانت تتبع إداريًا لمحافظة عدن، ثم انتقلت لحضرموت، وهو ما أدى لتأخر انتشالها من وضعها المتردي اقتصاديا وتنمويًا، لكن كان هناك مباركة وترحيب لقرار الرئيس هادي في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2013 بإعلان سقطرى محافظة، شكل ذلك بشرى سارة لأبناء الجزيرة وللرئيس فضل كبير في ذلك، لكن دخول البلاد في ظروف الحرب وتعذر تخصيص موازنة للمشاريع التنموية في سقطرى كان من أبرز التحديات، وأؤكد هنا أنه لو تم الاهتمام بالجزيرة من جميع الجوانب ستدعم الجزيرة اليمن اقتصاديا بالكامل عبر مخزونها السمكي والزراعي والثروة الحيوانية، ناهيك عن قطاع السياحة المبشر فيها.
> كيف تتم عملية الدخول والخروج للجزيرة، هل عبر المطار فقط أم هناك ميناء؟
هناك مطار دولي في سقطرى، وكذلك لدينا لسان بحري لاستقبال السفن يجري توسعته حاليًا بدعم الأشقاء في الإمارات، كما أن هناك دعما من دولة الكويت الشقيقة لميناء سقطرى وإنشاء كلية الصباح ونحن على تواصل مع الإخوة الكويتيين بشأن هذا الأمر.
> ما وضع رحلات الطيران حاليًا للجزيرة؟
ما نتطلع إليه خصوصًا مع الأوضاع التي تمر بها البلاد هو ربط جوي مباشر بين الخليج وسقطرى، وفي حال فتح خط طيران مباشر من الخليج لسقطرى هناك أفواج سياحية جاهزة لزيارة سقطرى، وهناك مكاتب أوروبية تتصل بنا يوميًا بشأن هذا الأمر، كما نطالب بإيجاد خطوط داخلية مباشرة، فهناك الآن عالقون داخل الجزيرة مرضى وحجاج، لكن يواجهون صعوبة في ذلك.
> ما المشاريع التنموية التي تحتاجها الجزيرة في الوقت الراهن؟
كما تعلمون في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 ضرب إعصاران جزيرة سقطرى وكان لهما أثر كبير على البنية التحتية حيث تضررت شبكة الطرقات، والكهرباء والمياه، وجرفت مناطق كاملة، وتأثرت مزارع النخيل وثروة حيوانية كبيرة، إلى جانب المخزون النباتي والطبيعي، وهناك نحو 800 قارب صيد تحطمت، وتوفي 18 شخصًا، كل هذه مخلفات الإعصار، وإلى الجانب التبعية الإدارية السابقة للجزيرة، كل ذلك حرم الجزيرة الكثير من الخدمات، هي بحاجة لمحطات كهرباء، وشبكة مياه، بناء خزانات لمياه الشرب، كذلك بحاجة إلى ميناء كبير يواكب حركة الملاحة نظرًا لموقعها الجغرافي والاستراتيجي باعتبارها نقطة عبور للملاحة الدولية، المطار مستواه جيد حاليًا والرئيس وعد بأن يكون مطار دولي، والإمارات مشكورة قامت بإنارته بالطاقة الشمسية، وتم تسويره.
> ماذا عن دور مركز الملك سلمان للإعمال الإنسانية والهلال الأحمر الإماراتي في الجزيرة خصوصًا بعد تعرضها لإعصار تشابالا؟
في الواقع كان لدول الخليج دور كبير في إغاثة أهالي سقطرى إبان إعصار تشابالا الذي ضرب الجزيرة ولن ننسى ذلك، وكان من أوائل المنظمات الإغاثية مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الذي أرسل طائرتين محملتين بالغذاء والدواء ومستلزمات أخرى، أما الهلال الأحمر الإماراتي فيعمل حاليًا على إنشاء وحدات سكنية في المناطق التي تضررت من الإعصار، ففي مارس (آذار) الماضي وقعنا اتفاقًا لإعمار سقطرى والمناطق المتضررة من السيول، وهناك 360 وحدة سكنية قيد التنفيذ مع مدارسها والمنشآت الصحية والصرف الصحي، إلى جانب تأهيل أكثر من 44 مسجدًا، وبناء مدارس جديدة، ودعم الصيادين بقوارب جديدة، بدورها مؤسسة خليفة بن زايد قامت ببناء مستشفى خليفة وهو الوحيد وزود مؤخرًا بأجهزة حديثة، لكن الجزيرة ما زالت بحاجة للمزيد لا سيما جزيرتي عبد الكوري وسمحة اللتين تضررتا بشكل كبير من الإعصار.
> هل اللغة الدارجة في الجزيرة هي السقطرية فقط؟
اللغة السقطرية هي السائدة والمتعارف عليها داخل سقطرى وهي اللغة الجنوبية القديمة، ومن لا يتقنها يصبح موضع انتقاد من الآخرين خصوصًا كبار السن.
> موقع جزيرة سقطرى الاستراتيجي في المحيط الهندي يجعلها عرضة للقراصنة وربما الأطماع الدولية، هل تعرضتم لتهديدات من هذا القبيل؟
عندما كنت مديرًا لأمن المحافظة شهدت ضبط الكثير من عمليات القرصنة التي كان يقوم بها مجاميع من الأفارقة الذين أحيلوا للنيابة والأجهزة القضائية لمحاكمتهم، في الفترة الحالية تقلصت هذه العمليات بشكل كبير، وأكثر هذه العمليات كانت تحدث عند جزيرتي سمحة وعبد الكوري لأنهما أقرب للقرن الأفريقي.
> هل رصدتم جنسيات أخرى ضمن عمليات مكافحة القرصنة؟
قبل نحو ثلاثة أشهر تم ضبط مجموعة من الزوارق الإيرانية في المياه الإقليمية اليمنية، التي جرفتهم الأمواج العاتية ولم يكن أمامهم مخرج سوى التوجه إلى سقطرى، طبعًا قبض عليهم وشكلنا لجنة للتحقيق معهم ونوعية الزوارق واتخذت بحقهم الكثير من الإجراءات القانونية عبر التواصل مع رئاسة الجمهورية والتحالف، دائمًا ما نحتاط لمثل هذه العمليات، خصوصًا أن إيران دولة معادية ومحاربة لنا اليوم، وتوسعها وسياستها في المنطقة تشكل خطرًا كبيرًا على المنطقة ودول الجوار بشكل عام، وتدخلها في المياه الإقليمية وتجاوزها يعتبر تهديدًا للأمن الإقليمي اليمني والعربي ولا يتم التغافل عن أي أمور مثل هذه إطلاقًا.
> هناك موضوع يتكرر دائمًا، وهو الحديث عن نية لتأجير الجزيرة، ما هو توضيحكم؟
أؤكد وبكل وضوح أن ما يثار عن تأجير لجزيرة سقطرى كله محض كذب وافتراء، ولا يوجد أي نية لتأجير الجزيرة للغير مهما كانت المبررات، نحن نرحب بجميع الأشقاء والأصدقاء للاستثمار والعمل فيها بالطرق القانونية والمشروعة عن طريق مؤسسات الدولة والهيئة العامة للاستثمار والسلطات المحلية في المحافظة، وبالفعل هناك رغبة كبيرة خصوصًا من المغتربين اليمنيين في الخليج أن يستثمروا ويوجدوا في سقطرى، والجزيرة ما زالت بكرًا وبحاجة لكادر مؤهل لإدارتها وتنظيمها وهو ما نقوم به حاليًا.
> كيف تنظرون لنجاح التحالف العربي في إيقاف المد الإيراني في اليمن؟
نشكر قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، والإمارات وبقية الدول المشاركة، وهم بلا شك أنقذوا اليمن من الأطماع الإيرانية ومشاريعها في اليمن، ونؤكد أنه طالما التحالف العربي معنا سيتحقق الاستقرار وتنعم اليمن بالخير وستتطور سقطرى على وجه الخصوص وتتحول لإحدى الوجهات السياحية العالمية.
> كيف ترسم لنا جزيرة سقطرى بعد خمس سنوات؟
لكثرة حبي لسقطرى لا أريد الانتظار خمس سنوات حتى أراها متطورة، لكن الأمل يحدونا بأن تتحول إلى مقصد أنظار العالم وتزدهر اقتصاديا وتنمويًا، ويستفيد السكان المحليون وتستفيد اليمن من خيرات هذه الجزيرة الساحرة.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.