الإخوان والسعودية.. القصة الكاملة (الحلقة الرابعة)

السعودية بين مكائد «الإخوان» وحراك الصحوة جهيمان امتعض من صفة عدم الوفاء لدى الجماعة

عوض القرني وسلمان العودة  وسفر الحوالي
عوض القرني وسلمان العودة وسفر الحوالي
TT

الإخوان والسعودية.. القصة الكاملة (الحلقة الرابعة)

عوض القرني وسلمان العودة  وسفر الحوالي
عوض القرني وسلمان العودة وسفر الحوالي

إن تاريخ العلاقة بين الدولة السعودية وجماعة الإخوان المسلمين مليء بنكران الجميل من قبل الجماعة، ففي عهد الملك عبد العزيز ومع كل الرعاية التي قدمت له فإن حسن البنا لم ينِ عن مهاجمة السعودية والملك نفسه؛ وذلك إما عن طريق الهجوم المباشر، من خلال ما ينشر في جريدة الإخوان المسلمين، وإما عبر التشكيك في رجالاته وقراراته، وإما عن طريق الهجوم على سياساته التي تعارض الجماعة، كما تقدم.

لم تتسن الفرصة لجماعة الإخوان المسلمين للتهجم على الملك سعود بسبب ظروفهم آنذاك واصطدامهم مع الضباط الأحرار، ولكنهم وبعد الدعم الكبير الذي حظوا به من قبل السعودية، فعاد مرشدهم عمر التلمساني في عهد الملك خالد لاتهام السعودية بتهمة باطلة تقدم ذكرها، وفعلوا الأمر عينه في عهد الملك فهد، وذلك بتأييدهم لصدام حسين في حرب الخليج الثانية واحتلال الكويت.
وفي عهد الملك عبد الله، واصلوا نفس النهج بالوقوف ضد ما كان يعرف بـ«محور الاعتدال» الذي كانت تقوده السعودية واصطفافهم مع «محور الممانعة» المعادي الذي تقوده إيران، ومن أبرز أنصار الممانعة مرشد الجماعة السابق مهدي عاكف، وهو ما استمروا فيه بعد 2011 وفترة الربيع الأصولي الذي كان يعرف بالربيع العربي.

* قصص كثيرة تستحق أن تروى في هذا الإطار، ولكن لنستمر فيما بدأناه سابقا ليتصل الحديث، ففي سياق مكائد الإخوان المسلمين لمن آواهم ونصرهم في السعودية ودول الخليج، فإنه وإن كان مستغربا أن يقوم «الإخوان» بمثل هذه المواقف ضد السعودية بعد كل ما صنعته، فإن علي عشماوي يعتبرها سلوكا إخوانيا مستقرا، فهو يقول: «فهم - أي (الإخوان) - يجيدون إيذاء كل من وقف معهم فترة من الزمن، إذا حدث واختلف معهم مرة، فقد ساعدتهم السعودية وقطر والكويت والكثير من الدول العربية، فما كان منهم إلا أن أساءوا إليهم وطعنوهم وانقلبوا عليهم... فعلوا كذلك مع الدول التي آوتهم وأحسنت وفادتهم.. وكما قلنا كان مدرسو (الإخوان) في جميع هذه البلدان يجندون الشباب ويشحنونهم ضد حكامهم وبلدانهم حتى ينقلبوا عليهم، وكلما وجدوا فرصة للانقضاض انتهزوها». ويضيف عشماوي: «لقد راقبوا جميع حكام الدول العربية التي عملوا بها وفتحت لهم أبوابها، كما جمعوا عنهم معلومات؟! وكم استعملوا تلك المعلومات ضدهم أحيانا أو للسيطرة والحصول على مزايا ومواقع في تلك الدول؟! لقد تعاونوا مع جميع الحكام ما داموا يحصلون على ما يريدون، ثم ما يلبثون أن ينقلبوا عليهم حين تختلف المصالح».

ثمة خصلة تميز جماعة الإخوان المسلمين عن غيرها من التيارات والطوائف والجماعات في التاريخ الإسلامي وفي العصور الحديثة ألا وهي صفة عدم الوفاء، لا بمعنى التصرف الفردي فحسب، بل بمعنى بناء جماعة منظمة تقوم على هذا الأساس، وبناء منظومة دينية وسياسية وتربوية تشرع ذلك وتحث عليه وتحتفي به، وكيف أن هذه الجماعة المنظمة والمنظومة قد أدت إلى تحويل هذه المكائد لوقائع وأحداث عبر الاغتيالات والتفجيرات.

الغدر في التاريخ والواقع وفي حياة البشر يختلف عن الذكاء والفطنة، ويختلف عن الوعي والقيادة ويختلف عن الحرب والقتال، إنه مفهوم يكتنز دلالات سيئة.
والعنف المنظم كالذي اعتمدته جماعة الإخوان المسلمين، هو عنف من شروطه أن يقوم على اعتماد «المكائد»؛ إما ضد شخصيات عبر الاغتيالات أو ضد مجموعات أو تيارات مخالفة عبر التفجيرات التي يقتل فيها مدنيون وآمنون.
والغدر كما أنه مصطلح يكتنز صفات سيئة فهو يقوم كذلك على الاحتيال والكذب ويمارس اعتمادا على الاختلاط بعامة الناس والتماهي معهم، بينما يكون مبنيا في الأساس على خطط خادعة لتنفيذ أجندة سرية تخدم أهدافا سياسية للجماعة عبر العنف والمكيدة.
ومن المفارقات أن نجد سلفيا متشددا وإرهابيا انتهك أقدس الحرمات في الحرم المكي الشريف 1979 وهو جهيمان العتيبي ينعى على الإخوان المسلمين تبنيهم الغدر، فهو يتحدث عن الإخوان المسلمين قائلا: «ويحاولون أن يغدروا بمن يعملون تحت سلطته، وقد قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (لا غدر في الإسلام)» وفي معرض الإلزام يسألهم: «هل رخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكوت... ومشاركة عدوهم في الأعمال أو حرضهم على نيل المراكز لديهم للغدر بهم»، وذكرهم بقول هرقل: «إن الرسل لا تغدر»، ثم قال: «أنتم تخططون للغدر وأتباع الرسول والرسول نفسه لا يغدرون... إنما المهم أن يوافقوكم على الاندماج في صفوف القوم... والسيطرة على المراكز للغدر بهم لإقامة دولتكم الإسلامية... بينما أنتم تخفيتم واندسستم بين الصفوف واندمجتم وغدرتم ولكنكم لم تقيموا دولتكم الإسلامية، وقتل منكم آلاف مؤلفة في حركات الغدر». (الرسالة السابعة: «البيان والتفصيل في وجوب معرفة الدليل» من كتاب: «رسائل جهيمان العتيبي» رفعت سيد أحمد. ص 460).

* هبوط العلاقات 1990
* التأريخ بهذا العام لقصة الهبوط في العلاقات بين السعودية وجماعة الإخوان المسلمين له ثلاثة أسباب:
1- تصريحات وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز التي أطلقها عام 2002 في حواره الشهير مع صحيفة «السياسة» الكويتية، في عددها رقم 122113 والمنشور بتاريخ 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، الذي قال فيه: «جماعة الإخوان المسلمين أصل البلاء. كل مشاكلنا وإفرازاتنا جاءت من جماعة الإخوان المسلمين، فهم الذين خلقوا هذه التيارات وأشاعوا هذه الأفكار»، مضيفا «عندما اضطهد (الإخوان) وعلقت لهم المشانق لجأوا إلى السعودية فتحملتهم، وحفظت محارمهم وجعلتهم آمنين»، مبينا أن «أحد (الإخوان) البارزين أقام 40 سنة عندنا، وتجنس بالجنسية السعودية، وعندما سئل عن مثله الأعلى قال: حسن البنا»! ويكمل الأمير نايف تعليقا على الغزو العراقي للكويت: «جاءنا عبد الرحمن خليفة و(راشد) الغنوشي و(عبد المجيد) الزنداني، فسألناهم: هل تقبلون بغزو دولة لدولة واقتلاع شعبها؟ فقالوا: نحن أتينا للاستماع وأخذ الآراء»، ويضيف «بعد وصول الوفد الإسلامي إلى العراق، فاجأنا ببيان يؤيد الغزو»! إذن، فقد وقفت جماعة الإخوان المسلمين الأم بمصر ضد السعودية مع صدام حسين وتبعتها على ذلك غالبية فروع الجماعة في البلدان العربية كالأردن وفلسطين واليمن والسودان، وقد كتب الإخواني الكويتي «إسماعيل الشطي» مقالات كثيرة في «الشرق الأوسط» حينها حول هذا الموضوع وأبان عن مرارة من موقف الجماعة الأم تجاه الغزو العراقي.

2- ما ذكره محمد حبيب، النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، في كتابه «ذكريات د. محمد حبيب عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر»، بقوله في تفسير أحداث ذلك العام من وجهة نظر جماعته: «فلولا التسلط والقهر والاستبداد، ما استطاع صدام أن يتخذ قراره بغزو الكويت في 2 أغسطس (آب) من عام 1990، ولولا الاستبداد وحكم الفرد ما رضخ الحكام العرب لطلب استدعاء القوات الأجنبية لاحتلال منطقة الخليج»، ويضيف «ووقعت السعودية ودول الخليج في الشرك المنصوب». وهذا التفسير الذي انطلق منه موقف الجماعة هو تفسير منحاز تماما ضد السعودية في واحدة من كبرى الأزمات الإقليمية التي واجهتها.

3- المواقف التي عبرت عنها رموز الإسلام السياسي في السعودية، سواء من المنتمين إلى جماعات الإخوان المسلمين أو «من في حكمهم» كتيار السرورية الذي يوافق جماعة الإخوان المسلمين في الفكرة العامة وإن اختلف عنها في بعض التفاصيل.

* السعودية وحراك الصحوة 1991 - 2001
* لا أريد الإطالة في مفهوم الصحوة الذي يعني تجمعا ما لحركات الإسلام السياسي وحركات العنف الديني وحركات الدعوة الدينية بشكل عام كحركة التبليغ، والتيارات السلفية بأنواعها، وحزب التحرير والحركات المتفرعة عنه، وغيرها العشرات من الحركات، ولكن يهمنا في هذا السياق رصد جماعات الإسلام السياسي وجماعات العنف الديني المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، وسنعرض هذه المرحلة كالتالي:
1- المعارضة وتوزيع الأدوار: (معارضة صحوية) قادها سلمان العودة وسفر الحوالي وغيرهما كثير. فبعدما كان العودة يتحدث عن موضوعات مثل «الأسماء» و«الألقاب» و«الكنى»، أصبح يلقي محاضرات عن «أسباب سقوط الدول» ويحرض رجال الأمن على الدولة كما في كاسيت «أخي رجل الأمن»، ومثله فعل الحوالي في محاضرتين شهيرتين هما: «فستذكرون ما أقول لكم» و«ففروا إلى الله». وبعد دروس «الرد على الخرافيين» التي يهاجم فيها الصوفية، أصبح يكتب عن «وعد كسنجر»، وهاجم الرجلان بضراوة سياسة الدولة في بناء «التحالف الدولي» لتحرير الكويت بتطابق كامل مع رؤية جماعة الإخوان المسلمين ومواقفها المذكورة أعلاه. كما انتقل مؤسس تيار السرورية سوري الجنسية الإخواني السابق محمد سرور بن نايف زين العابدين إلى بريطانيا وأصدر من هناك مجلته الشهيرة مجلة «السنة» وأظهر عداوة شرسة للسعودية كدولة وهاجم كبار العلماء فيها، وقد ذكر بعض الباحثين أنه ألقى محاضرة في أحد المراكز الإسلامية في إنجلترا عام (1996) ووصلت مسجلة إلى السعودية، صرح فيها أمام الملأ بتكفير الملك الراحل فهد بن عبد العزيز والدولة السعودية.

2- (معارضة إسلام سياسي متعدد)، ويشمل بعض المنتمين للإخوان المسلمين وحزب التحرير ونحوهما، ومنها ما كان يعرف بـ«لجنة لجام» وهي لجنة تضم مجموعة من الإسلامويين في جامعة الملك سعود التي كانت المحرك الفاعل وراء «خطاب المطالب» وبعده بعام «مذكرة النصيحة»، وكان خلفها أسماء مثل سعد الفقيه ومحمد المسعري وعبد العزيز القاسم وغيرهم، وصولا لإعلان ما كان يعرف بـ«لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» التي انطلق منها شق للخارج يقوده الإخواني سعد الفقيه والمنتسب إلى حزب التحرير محمد المسعري، وتحول اسمها مع الفقيه لـ«حركة الإصلاح».

3- سجن المحرضين وبداية الإرهاب: وعت الدولة حجم التهديد والتوجه المعادي لها من جماعات وتيارات الإسلام السياسي، فقبضت منتصف التسعينات على كثير من الأسماء أعلاه، ووقع تفجير مبنى الحرس الوطني بحي العليا في الرياض عام 1995، وخرج أسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة من السعودية إلى السودان التي كانت تسيطر على الحكم فيها جماعة الإخوان المسلمين وحسن الترابي، ومن هناك بدأ هجومه على السعودية يأخذ خطين متوازيين: الأول: تعزيز بناء «تنظيم القاعدة» الذي بدأه في الثمانينات. والثاني: إصدار بيانات تحت ما كان يعرف بـ«هيئة النصيحة والإصلاح» مذيلة باسم بن لادن من لندن، حيث كان يديرها «خالد الفواز»، التي بدأت تقريبا مع بداية «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» في نفس المدينة البريطانية لندن 1996، وهي بيانات موجهة للسعودية ومعادية لها. وقد كان التعاون شبه كامل بين الفقيه والفواز؛ فبحسب الموقع الرسمي لـ«لجنة مجلس الأمن المعنية بمتابعة الجزاءات بشأن تنظيم القاعدة وما يرتبط به من أفراد وكيانات» التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، فقد «كانت للفواز اتصالات بسعد راشد محمد الفقيه الذي يرأس حركة (Movement for Reform in Arabia)، وكان للفقيه والفواز مكتب مشترك في أواخر التسعينات من القرن الماضي، حيث عمل الفقيه مع الفواز وقدم له المساعدة، وهو الذي كان بمثابة صلة وصل بين أسامة بن لادن والفقيه. وقد دفع الفقيه ثمن هاتف ساتلي، سلمه الفواز إلى أسامة بن لادن الذي استخدمه لتسهيل الهجومين اللذين شنا بالقنابل على سفارتي الولايات المتحدة لدى كينيا وتنزانيا عام 1998».
وقد كان بن لادن قد أعلن عن إنشاء ما كان يعرف بـ«الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والنصارى» 1998 من أفغانستان بعدما حضر لها جيدا في السودان. ونفذ في السنة ذاتها عمليتي التفجير في السفارتين الأميركيتين لدى كينيا وتنزانيا.
4- الخروج من السجن ومرحلة الاضطراب: خرج رموز الإسلام السياسي من السجن بعد سنوات ودخلوا في مرحلة من الاضطراب في الموقف من الدولة، فبعضهم اختار الاستمرار في نفس الطريق السابق وإن بنبرة أخف، علا صوتها في مرحلة لاحقة، تلك التي كان يمثلها تيار السلفية الجهادية كناصر الفهد وعلي الخضير وأحمد الخالدي ومعهم الشيخ الطاعن في السن حمود العقلا، وسفر الحوالي، وبعضهم اختار الانحياز إلى خطاب كان في طور التشكل كان يعرف بـ«التنوير» كما يسميه طارحوه أو «العصرانية» كما يسميه خصومه كسلمان العودة.

* السعودية والإرهاب والممانعة 2001 - 2011
1- نتائج الاضطراب: كان هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) على الولايات المتحدة في هجمات غير مسبوقة حدثا عالميا، نتج عنه إعلان حرب دولية ضد الإرهاب وسقطت معه دولتان هما أفغانستان والعراق، ولكنْ سعوديا أعلنت الدولة بكل قوة وقوفها ضد هذا العمل الإرهابي وأدانته وأعلنت المشاركة في الحرب على الإرهاب الذي يتقصد السعودية كغاية له، واختارت جماعة الإخوان المسلمين سياسة إنكار الحدث لتقدم نفسها كبديل عن «القاعدة» بل وعن السعودية، وقد حرك الحدث الجدل السابق سعوديا، فاختفى زعيم القاعدة بن لادن واستمر في التخطيط لبناء تنظيمه الذي عرف بـ«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحاول المضطربون تبين مواضع أقدامهم، وأصدروا «بيان التعايش» الذي كان ردا على بيان مثقفين أميركيين، وظهر كأنه تأييد لتيار «التنوير»، فشن تيار «السلفية الجهادية» حربا ضروسا ضد البيان، وأجبروا رموز الإسلام السياسي حينها على تقديم فروض التوبة التي وقع عليها أهم تلك الرموز: سفر الحوالي وسلمان العودة وناصر العمر عند شيخ سلفي جهادي اختاروه بعد رحيل العقلا هو عبد الرحمن البراك.

2- التردد والمساومة والبحث عن الأضواء: تردد كل من العمر والحواي والعودة والعواجي، بما يمثلونه من توجهات سابقة، فحاول العمر الانحياز إلى السلفية التقليدية، وقام الحوالي والعواجي بالتراوح بين تقديم خدمات للداخلية بتسليم المطلوبين وحل القضايا العالقة آنذاك والمساومة بعد 2003 وتفجيرات الرياض «غرناطة»، وقد قدموا خطابا يشبه خطاب جناح سياسي يدافع عن جناح مسلح، واختار العودة الإعلام والشهرة بمراوغات مستمرة تليق بسياسي محترف.
وعودا للجماعة الأم بمصر، فقد كانت الدول العربية منقسمة تجاه الأحداث الجديدة في المنطقة، وكان ثمة محوران هما «محور المقاومة» و«محور الاعتدال»، وكان الأول يضم الجمهورية الإسلامية في إيران ومعها بعض القوى السياسية من جماعات الإسلام السياسي الشيعي ممثلة في «حزب الدعوة» و«المجلس الإسلامي الأعلى»، أو النسخة الشيعية لجماعة الإخوان المسلمين التي استولت على الحكومة في العراق لاحقا وسوريا وحزب الله في لبنان وحركة حماس الإخوانية في فلسطين، وكان الثاني يضم السعودية ومصر ودول الخليج والأردن، وقد انحازت جماعة الإخوان المسلمين الأم بمصر إلى محور الممانعة ضد السعودية وحلفائها.

وعلى طول هذا العقد، ظلت الجماعة تقف على الضد من مصالح السعودية ومحور الاعتدال، ففي 2006 أيدت جماعة الإخوان المسلمين «مغامرة» حزب الله اللبناني التي أدخلته في حرب مفتوحة مع إسرائيل والتي أنكرتها السعودية وجرت على لبنان الخراب، ثم وقفت مع الحزب حين اجتاح بيروت بالقوة العسكرية التي كان يزعم توجيهها لإسرائيل في 2008.
وفي 2007، أيدت الجماعة انقلاب حماس في غزة الذي شق الصف الفلسطيني، وحركة حماس - بحسب ميثاقها - هي فرع فلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين بمصر وتنظيمها الدولي، وكانت حماس قد قدمت العهود والمواثيق في مكة وبجوار الحرم، في المعاهدة التي رعتها السعودية في فبراير (شباط) 2007 بين حركتي فتح وحماس، ولكنها حين عادت لفلسطين نكثت بالعهد وقامت بانقلابها في غزة وعادت أدراجها لمحور الممانعة الإيراني المعادي للسعودية.

وفي 2009، خرج المرشد العام للجماعة مهدي عاكف متهجما على الدول العربية ومحور الاعتدال، وكان يقصد السعودية ومصر تحديدا، ومؤيدا لإيران ليقول لقناة «الجزيرة»: «كل الأنظمة العربية أصبحت صهيونية أكثر من الصهاينة»: «كان الواجب على مصر أن تشكر حزب الله بدلا من أن تحقق مع الخلية التي لم يقصد السيد حسن نصر الله من إرسالها التخريب أو الاعتداء وإنما دعم المقاومة الفلسطينية»، «ما يقوم به حسن نصر الله من مقاومة... قد قصرنا نحن في القيام به»، «لقد خان السادات شعبه»، «يجب أن نقف ضد رئيسنا قبل أن نقف ضد زيارة نتنياهو»، «يأتي نتنياهو أو يأتي عباس لا فارق، فكلهم ملة واحدة». وبعد أقل من سنة من الوصول للسلطة في مصر، كتب الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي رسالة تقطر مودة لإسرائيل وتوقفت حماس كلية عن مهاجمة إسرائيل وحاربت الجماعات التي لم تلتزم بسياستها.
وفي العام نفسه 2009 وحين واجهت السعودية اعتداء مسلحا من جماعة الحوثي التابعة لإيران على حدودها ودخلت معهم في مواجهة مفتوحة، انحازت جماعة الإخوان المسلمين ضد السعودية وانحاز مرشد الإخوان المسلمين حينها مهدي عاكف إلى جانب إيران والحوثيين، وزعم في لقاء تلفزيوني أن السعودية تمول الرئيس اليمني حينذاك علي عبد الله صالح في حربه ضد الحوثيين، ثم أصدرت الجماعة بيانا انحازت فيه إلى الحوثيين ضد السعودية بما يحمل إدانة للسعودية، وتوالى رموز الجماعة كعصام العريان على نفس الموقف.
ولعله من المهم الإشارة إلى موقف كان لافتا في حينه ومثيرا للاستغراب وهو موقف الناشط السعودي المنسوب للسرورية محمد الأحمري، حيث كتب مقاله الشهير «خدعة التحليل العقدي» الذي جادل فيه بأهمية دعم محور المقاومة وحزب الله اللبناني على وجه الخصوص إثر حرب الثلاثين يوما التي سماها حزب الله آنذاك «النصر الإلهي»، منتقدا الأحمري في مقاله الموقف الديني والعقائدي من الشيعة أو تقديم الموقف السياسي على الموقف العقدي بخلاف طروحات التيار الذي ينتسب إليه.
وقد حصل الأحمري بعد سنوات على الجنسية القطرية.

وقد ورد في مذكرة اتهام مصرية حول «التنظيم الدولي للإخوان المسلمين» صدرت في منتصف عام 2009 إشارة إلى اسم السعودي الدكتور عوض القرني كأحد الناشطين في التنظيم الدولي، وقالت عنه المذكرة ما نصه: «جناح التنظيم بالسعودية، ويضطلع بمسؤوليته الدكتور عوض محمد القرني، أستاذ الشريعة بجامعة الملك خالد، ويتخذ التنظيم من المكتبات المنتشرة بالمملكة غطاء لحركته وستارا لعقد لقاءات سرية لتلافي الرصد الأمني». كما ذكرت المذكرة من سمته «فرحان بن فريج المولد» ونسبت إليه أنه هو «الذي يتولى مسؤولية التنظيم بمنطقة مكة المكرمة ويضم بعض السعوديين والمصريين العاملين بالمملكة».

ثم أعادت لائحة اتهام صادرة عن النائب العام المصري، أعلنت في يوم الأربعاء 21 أبريل (نيسان) 2010، اتهام عوض القرني بتهمة جديدة هي تمويل التنظيم الدولي لـلإخوان، وقد نفى القرني التهمة واعتبرها مؤامرة صهيونية.
وقد أخطأت لائحة الاتهام في اسم عوض القرني وجعلته عائض القرني، وقد تبرأ عائض من هذا الاتهام واعترف بانتمائه للإخوان المسلمين أثناء دراسته الجامعية وقال: «أنا انتميت إلى فكر (الإخوان) في الكلية، يمكن في أول الكلية ثلاث سنوات أو أربع سنوات، وجلست مع الإخوان أربع سنوات».
وكان عوض القرني قد سئل قبل هذا الاتهام بسنوات عن الإخوان المسلمين والسرورية، فقال: «إن جماعة لها أكثر من سبعين عاما من الخبرة وتتوزع على القارات الخمس (يقصد الإخوان) لا يمكن مقارنتها بتيار ليست له هذه المكانة ولا الخبرة»، وذلك في لقاء معه على موقع شبكة «الأحرار»، الموقع شبه الرسمي للإخوان المسلمين السعوديين، الذي تم مسحه من الشبكة في وقت لاحق.
وقد أقر القرني بوجود تيار ديني في السعودية متأثر بجماعة الإخوان المسلمين، فقال في حوار نشرته «الشرق الأوسط»: «وجود (الإخوان) في السعودية... بين السعوديين هو تيار فكري يؤثر ويتأثر، ولا يستطيع أحد أن يقدم دليلا على أنه نشأ تنظيم خاص بالسعوديين على شاكلة التنظيمات في الدول الأخرى ومرتبطة بها تنظيميا»، وهو نفى بشدة أن يكون قادة الإخوان المسلمين قد صنعوا تنظيمات في السعودية، وقال: «كل من كتب عن (الإخوان) في السعودية من (الإخوان) أنفسهم، ومن بينهم الشيخ يوسف القرضاوي، يؤكدون فيما كتبوه أن (الإخوان) في مصر عندما جاءوا إلى السعودية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، كان لهم تنظيمهم الخاص، وأن مناع القطان كان على رأس هذا التنظيم، بل أكد بعضهم في كتاباتهم أن قيادات التنظيم عندما جاءوا إلى السعودية اتخذوا قرارا وكانوا متمسكين به، بعدم العمل التنظيمي بين السعوديين على الإطلاق» (صحيفة «الشرق الأوسط» 1 يونيو «حزيران» 2010». وهو كلام مرسل ويناقض ما ذكره الإخواني علي عشماوي، ومثله عبد الله النفيسي، الذي نقلناه بنصوصه أعلاه.

البنا أسس تنظيما للاغتيالات والجماعة دعمت انقلاب 1948 في اليمن - (الحلقة الأولى)
البنا لم يتردد في مهاجمة السعودية.. وانقلاب 1948 في اليمن شكل بداية التوتر - (الحلقة الثانية)

الإخوان السعودية.. القصة الكاملة (الحلقة الثالثة)



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.