30 مليار دولار سعر تذكرة دخول اليابان لأفريقيا

لترسيخ وجودها ومنافسة الصين في القارة التي ظلت بعيدة عنها

رئيس الوزراء آبي الذي يكثر من زياراته إلى أفريقيا بعكس أسلافه من رؤساء الحكومة اليابانية (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء آبي الذي يكثر من زياراته إلى أفريقيا بعكس أسلافه من رؤساء الحكومة اليابانية (إ.ب.أ)
TT

30 مليار دولار سعر تذكرة دخول اليابان لأفريقيا

رئيس الوزراء آبي الذي يكثر من زياراته إلى أفريقيا بعكس أسلافه من رؤساء الحكومة اليابانية (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء آبي الذي يكثر من زياراته إلى أفريقيا بعكس أسلافه من رؤساء الحكومة اليابانية (إ.ب.أ)

تريد اليابان، التي ظلت اهتماماتها كشريك اقتصادي بعيدة عن القارة الأفريقية لزمن طويل، ترسيخ موقعها في السوق الأفريقية والتمايز بعرضها عن منافسها وجارها الصيني.
قيمة المبادلات التجارية بين اليابان وأفريقيا بلغت 24 مليار دولار في عام 2015، أي أقل بكثير من مبادلات القارة مع العملاق الصيني التي بلغت 179 مليارًا.
لهذا فقد أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبيه عن تخصيص بلاده لثلاثين بليون دولار أميركي لدعم مشاريع التنمية في قارة أفريقيا خلال الأعوام المقبلة، وذلك في افتتاح الدورة السادسة من مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية تيكاد في العاصمة الكينية نايروبي.
رئيس الوزراء آبيه الذي يكثر من زياراته إلى أفريقيا والمنطقة العربية ووسط آسيا، بعكس أسلافه من رؤساء الحكومة اليابانية، اصطدم باستثمارات صينية بعشرات مليارات الدولارات سبقت المحاولات اليابانية في كل تلك المناطق، وهو ما جعل الكثير من المعلقين الاقتصاديين اليابانيين يقولون أن الوقت ربما قد فات بالنسبة لدخول اليابان لتلك المناطق والأسواق استثماريًا وتجاريًا. من هنا جاءت فكرة التركيز على ما يمكن لليابان أن تقدمه.
ومبلغ الـ30 مليار دولار الذي وعدت به طوكيو يتضمن مبالغ جديدة بقيمة 21 مليار دولار، إضافة إلى 9 مليارات تأتي من وعد سابق باستثمارات أعلن قبل ثلاث سنوات أثناء الدورة الخامسة لـ«تيكاد»، كما أوضح المتحدث باسم الحكومة اليابانية ياسوهيسا كاوامورا.
المؤتمر الذي انطلق عام 1993 يعقد للمرة الأولى في القارة السوداء بعد أن أقيمت دوراته السابقة كل خمس سنوات في العاصمة اليابانية طوكيو ومدينة يوكوهاما. وتسعى الحكومة اليابانية لإكساب المؤتمر الحالي زخمًا خاصًا من خلال نقله جغرافيًا إلى الوجهة المستهدفة بالتنمية، وأيضًا من خلال تقليص المسافة الفاصلة بين دوراته، حيث يأتي مؤتمر نايروبي بعد مرور ثلاث سنوات فقط على عقد الدورة الخامسة في يوكوهاما عام 2013، والتي شهدت بدورها تخصيص 32 بليون دولار للتنمية الأفريقية.
وبالإضافة لرؤساء 32 دولة أفريقية حضروا الافتتاح، نجح المؤتمر الحالي في جذب أكثر من عشرة آلاف مشارك أي ما يزيد على ضعفي عدد أعضاء الوفود المشاركة في المؤتمر السابق. كما أضيفت الدولة المستضيفة كينيا إلى لائحة الجهات المنظمة للمؤتمر إلى جانب الحكومة اليابانية وبرمامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الدولي والاتحاد الأفريقي. ووفقًا لأستاذ الشؤون الأفريقية في جامعة واسيدا اليابانية، ساداهارو كاتاوكا، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من مقر المؤتمر في نيروبي، فإن إشراك دولة أفريقية كجهة منظمة يهدف للابتعاد عن ثنائية الدولة الغنية المانحة مقابل الدول الفقيرة المتلقية للمساعدات، وإعطاء صبغة محلية أفريقية للمؤتمر. ويتضح ذلك أكثر من خلال النقاط الواردة في خطاب رئيس الوزراء الياباني في الافتتاح، والذي تحدث عن ضرورة بناء صورة إيجابية للاقتصاد الأفريقي ككل، وأن تطمح الشركات الأفريقية لابتكار منتجاتها الخاصة والعمل على رفع جودة تلك المنتجات وتحسين صورتها بشكل جذري في الأسواق العالمية وليس ضمن القارة فقط، مؤكدًا أن نقل التقنيات اليابانية إلى أفريقيا سيلعب دورًا أساسيًا في هذا الإطار.
والحديث عن موضوع الابتكار والنوعية في خطاب آبيه لم يأت مصادفة، بل هو نتيجة استخلصتها الحكومة اليابانية في سياق استراتيجيتها للتنافس مع الوجود الصيني في بلدان العالم الثالث على العموم وفي أفريقيا خصوصًا. إذ استخلصت الحكومة أن التنافس على صعيد الكم مع الصين لن يكون ممكنًا، وأن النوعية اليابانية هي الكلمة المفتاحية التي يمكن أن تقود التعاون الياباني مع مناطق كانت مهملة على خارطة الأعمال اليابانية.
من ناحية أخرى، يلحظ أن دخول الصين إلى العالم الثالث يأتي بشكل شبه حصري من قبل الشركات الحكومية الصينية التي تتولى تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
في مقابل ذلك أعلنت اليابان تأسيس المنتدى الحكومي الأهلي المشترك لأفريقيا واليابان، والذي سيجمع ممثلين عن القطاعات الحكومية وأيضًا عن الشركات اليابانية مع مثيلاتها الأفريقية، وبالفعل فقد رافق آبيه ممثلون عن أكثر من 80 شركة يابانية إلى نيروبي.
وفي القطاع الصناعي ستسعى طوكيو إلى إدخال مفهوم كايزين للإدارة الصناعية، والذي أصبح معروفًا على مستوى عالمي، ويعتمد أساسًا على نمط الإدارة التي تتميز به شركة تويوتا خصوصًا وغيرها من الشركات اليابانية ويتمحور حول أساليب عملية مبتكرة لتحسين أداء خطوط الإنتاج بشكل مستمر. كما تعهدت الجهات الحكومية اليابانية بالتعاون مع القطاع الخاص من جهة تحسين الخدمات التأمينية التي تعتبر أمرًا لا غنى عنه لدخول الاستثمارات اليابانية إلى أفريقيا، وذلك من خلال دعم جهود تقييم وإدارة الأخطار في القارة، وذلك مجال ما زال ضعيفًا سواء في شركات التأمين اليابانية أم في مراكز الأبحاث التي ما زالت خبراتها محصورة في المجال الأوروبي والأميركي، وفي الدول الآسيوية القريبة من اليابان.
ودعت مديرة برنامج الأمم المتحدة للتنمية هيلين كلارك الحاضرة في نيروبي، المشاركين في «تيكاد» إلى عدم إغفال «الجانب الإنساني» في تنمية أفريقيا.
كما شددت في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية على أهمية «نموذج النمو الشامل الذي لا يقتصر على دعم نمو الطبقة الوسطى والمدن» بل يحرص أيضا على عدم تعميق هوة التفاوت الاجتماعي أو توسيع النزوح من الأرياف.
وأعلن الرئيس الكيني أوهورو كنياتا في مؤتمر صحافي عقده في نيروبي الجمعة مع رئيس الوزراء الياباني تمهيدًا للقمة «أن التنمية ليست شيئًا يقدم فجأة لأفريقيا، بل يتوجب على الأفارقة أنفسهم أن يحصلوا على الحرية والازدهار اللذين يستحقانهما».
وقال كنياتا في المؤتمر الصحافي الجمعة «إن معظم الدول التي تتخلص من آفة الفقر تفعل ذلك بفضل التصنيع، وأفريقيا لم تكن حتى الآن على مستوى إمكاناتها»، فيما وصف آبي التصنيع على أنه «مفتاح التنمية الاقتصادية».
وعلى هامش المؤتمر أعلن البنك الدولي والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا استثمارات بقيمة 24 مليار دولار (21 مليار يورو) على مدى ثلاث إلى خمس سنوات في أفريقيا؛ بغية المساعدة على تحسين الخدمات الصحية في القارة.
ويذكر أن الحكومة اليابانية تنظم مؤتمرًا مشابهًا لتيكاد ومخصص للمنطقة العربية ولكن على المستوى الوزاري، وهو يعقد كل عامين تحت اسم المنتدى الاقتصادي العربي الياباني. وقد عقد للمرة الأولى في دولة عربية هذا العام، حيث استضافته المملكة المغربية في مايو (أيار) الماضي، بعد أن عقدت الدورات الماضية في العاصمة اليابانية طوكيو.



النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
TT

النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)

لم يعد الحديث عن «نظام عالمي جديد» مجرد كلام تنظيري، فالفعل الملموس وردود الفعل تنبئ بأن «الصفائح التكتونية» في المشهد السياسي تتحرك بسرعة وبمنحى «زلزالي». وكان الجو العام في منتدى دافوس الاقتصادي أخيراً مثالاً حياً على ذلك، فقد خرج القلق من أروقة الاجتماعات إلى الواجهة، متأثراً على نحو مباشر بالخطاب السياسي الأميركي وتجسيده على الأرض.

لقد قرر الرئيس دونالد ترمب منذ بداية ولايته الثانية اعتماد مقاربة «استثمار القوة» لتحقيق مصالح بلاده في كل زوايا الأرض، وتعظيم الاستفادة من عوامل التفوق على الخصوم والحلفاء والأصدقاء من غير تردد. ومن هنا رأينا تجدد المطالبة بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وتهديد الحلفاء بسلاح الرسوم الجمركية، والانسحاب من منظمات ومعاهدات واتفاقات دولية لأن مبادئها وأساليبها لا تتفق والأهداف الاستراتيجية التي تعمل واشنطن على تحقيقها، وسوى ذلك من مواقف وأفعال تبدو للوهلة الأولى صادمة لكنها تغدو «منطقية» متى وضعناها في إطار النظام العالمي الجديد.

في مثال على ردود الفعل التي يولّدها الفعل الملموس، سارع الاتحاد الأوروبي والهند إلى تجاوز عقبات جعلت المفاوضات تطول أكثر من 20 عاماً لعقد صفقة تجارية ضخمة بين اثنين من أكبر أسواق العالم ضماناً لبعض الاستقرار بعد تعرض الجانبين لنيران الرسوم الأميركية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا في نيودلهي (أ.ب)

وألقت تصريحات القيادتين الهندية والأوروبية الضوء على المشهد الجيوسياسي الأوسع المحيط بالاتفاق الذي يُفترض إنجاز صياغته النهائية في الأشهر القليلة المقبلة. فقد قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «إنها حكاية عملاقين، ثاني ورابع أكبر اقتصادين في العالم. عملاقان اختارا الشراكة بصيغة ربح حقيقية. إنها رسالة قوية مفادها أن التعاون هو الردّ الأفضل على التحديات العالمية».

ووصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاق بأنه «أكبر اتفاق للتجارة الحرة في التاريخ». وأضاف: «يشهد النظام العالمي اليوم حالة اضطراب عميقة. في سياق كهذا، ستساهم الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي في تعزيز الاستقرار داخل النظام الدولي».

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوقيع أعقب اتفاقاً تجارياً بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور بدوله الأربع: البرازيل، والأرجنتين، وباراغواي وأوروغواي.

لكن هل كل هذا هو «تعزيز» أم محاولة لوقف تداعي البنيان؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حرب أوكرانيا في ظل الواقع الجديد

في الشهر الأول من 2026، وفي ظل استمرار الهجوم الروسي على أوكرانيا واستعجال ترمب التوصل إلى تسوية سلمية، اجتمع قادة أكثر من عشرين دولة أوروبية إلى جانب كندا في باريس لتحديد الضمانات الأمنية المطلوبة والكافية لكييف. ورغم إشادة القادة الأوروبيين بقمة «تحالف الراغبين» ووصفها بأنها اختراق مهم، فإن نتائجها المعلنة جاءت تكراراً مألوفاً لالتزامات سبق الإعلان عنها ولم تتحقق إلا جزئياً.

يريد «الراغبون» إنشاء قوة متعددة الجنسيات تقودها أوروبا، تُنشر في أوكرانيا متى تمّ التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وقد بدأت أعمال التخطيط لهذه القوة، التي ستضم أجنحة برية وبحرية وجوية، بين الجيوش ووزارات الدفاع الأوروبية، مع إنشاء مقر قيادة لها قرب باريس. وتتمثل مهمة هذه القوة في شقّين: «دعم إعادة بناء القوات المسلحة الأوكرانية، وتعزيز الردع».

ويجري الأوروبيون مناقشات لما سيكون مطلوباً لردع روسيا وإقناع الأوكرانيين المنهكين من الحرب بأن وقف إطلاق النار سيكون دائماً وسيقود إلى حل يوفر الاستقرار. غير أن الضمانات المقترَحة لأوكرانيا تعتمد على عاملين لا تملك أوروبا السيطرة عليهما: استمرار الدعم الأميركي، وموافقة روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

العامل الأول هو في يد دونالد ترمب الذي لم يخفِ رغبته في طي صفحة الحرب الروسية - الأوكرانية ولا إعجابه بفلاديمير بوتين، داعياً فولوديمير زيلينسكي إلى التحلي بالواقعية وتقديم التنازلات المطلوبة التي تعني في المقام الأول ضم مناطق في شرق أوكرانيا إلى روسيا.

أما العامل الثاني فهو في يد بوتين الذي يُستبعد أن يقبل بوجود عسكري دولي في أوكرانيا إلا إذا أُرغم على ذلك ميدانياً - والتطورات لا توحي بذلك - أو اقتنع بأن الوجود العسكري الدولي سيكون أيضاً «ضمانة» لروسيا أقل خطراً من إعادة بناء الجيش الأوكراني وتسليحه، خصوصاً أن الدول الأوروبية التي ستشارك في التشكيل العسكري لن تجازف بالانجرار إلى مواجهة مع موسكو.

السيادة الهشّة

ينبع التركيز على واقع ما يجري في أوكرانيا من كونها أكبر مثال على إعادة رسم لوحة النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد مؤتمر يالطا في فبراير (شباط) 1945، حين رسم فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وجوزيف ستالين مستقبل أوروبا بعد مرحلة أدولف هتلر، بهدف إعادة صوغ مفهوم السيادة وربما تجديد روح اتفاقات وستفاليا والاعتراف بحق الشعوب الأوروبية في تقرير المصير.

أركان مؤتمر يالطا 1945 من اليمين: جوزيف ستالين وفرانكلين د. روزفلت ونستون تشرشل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولعل هذه المدينة الصغيرة التي أسسها الإغريق (اسمها مشتق من كلمة يالوس اليونانية وتعني الشاطئ أو الساحل) والتي يبلغ عدد سكانها نحو 75 ألفاً، تجسّد نهاية نظام ما بعد الحرب الثانية. فهي تقع في جنوب شبه جزيرة القرم على البحر الأسود، ولطالما كانت مقصد النخب الروسية الثرية قبل أن يعلنها فلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية، وجهة سياحية للبروليتاريا، أي الطبقة العمالية الكادحة... وفي عهد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، انتقلت منطقة القرم من جغرافيا الجمهورية الروسية إلى جغرافيا الجمهورية الأوكرانية، إنما ضمن العائلة السوفياتية الواحدة.

في فبراير 2014 قرر فلاديمير بوتين استعادة القرم بعد سقوط حليفه الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش على وقع احتجاجات شعبية وفراره من كييف، لتندلع بعد شهرين الحرب في شرق أوكرانيا بين الانفصاليين الروس في حوض الدونباس والقوات الأوكرانية.

كان ذلك محطة مهمة في مسار اهتزاز النظام العالمي، وتسارعت بعدها التطورات وصولاً إلى الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير 2022.

النافر في هذه البيئة السياسية العالمية أن العولمة التي استبشر بها البشر تحوّلت من اقتصادية إلى سياسية، بل إلى جيوسياسية. وهو ما بدأ يطيح مفهوم السيادة القائم على الهويات والحدود، فالعولمة الاقتصادية تجاوزت عوائق الحدود بالمعنى الإيجابي عموماً، بينما العولمة الجيوسياسية تقوّض الهويات والسيادات، كما سمعنا ونسمع ونرى ما يدور حول غرينلاند وبنما وفنزويلا وأوكرانيا وتايوان وبالطبع غزة.

والخطير في هذه البيئة السياسية، أن العالم يديره خبراء تكتيكيون لا خبراء استراتيجيون. لذا نرى سعياً محموماً إلى الربح والسيطرة على المقدرات والموارد الاقتصادية وكسب الحروب التجارية.

من أين سيأتي القادة الرؤيويون الذين يُخرجون القطار العالمي من مسار فخ الكسب الفوري ويعيدونه إلى سكة السلام والاستقرار؟


غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
TT

غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت رسالة اطلعت عليها «رويترز»، الجمعة، أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أبلغ الدول الأعضاء بأن المنظمة تواجه خطر «انهيار مالي وشيك»، عازياً ذلك إلى رسوم غير مدفوعة وقاعدة في الميزانية تُلزم الهيئة العالمية بإعادة الأموال غير المنفقة.

وكتب غوتيريش في رسالة إلى السفراء مؤرخة في 28 يناير (كانون الثاني): «تتفاقم الأزمة، ما يهدد تنفيذ البرامج ويعرّضنا لخطر الانهيار المالي. وستتدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب».

وتواجه الأمم المتحدة أزمة سيولة حادة، حيث خفضت الولايات المتحدة، أكبر مساهم في المنظمة، تمويلها الطوعي لوكالات الأمم المتحدة، ورفضت سداد المدفوعات الإلزامية لميزانيات الأمم المتحدة العادية وميزانيات حفظ السلام.

وفي الرسالة، قال غوتيريش: «تم الإعلان رسمياً عن قرارات عدم الوفاء بالاشتراكات المقررة التي تموّل جزءاً كبيراً من الميزانية العادية المعتمدة».

لم يتضح على الفور أي دولة أو دول كان يشير إليها، ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من متحدث باسم الأمم المتحدة.

وقال: «إما أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها بالدفع كاملاً وفي الوقت المحدد، أو أن تُجري الدول الأعضاء إصلاحاً جذرياً لقواعدنا المالية لتجنب انهيار مالي وشيك»، محذراً من احتمال نفاد السيولة بحلول شهر يوليو (تموز).


«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
TT

«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)

كشف بنك «سيتي» في مذكرة أنه يتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل إجراءات محدودة ضد إيران في المدى القريب تجنباً لتصعيد الرد، وأن ​تلك الإجراءات هدفها دفع طهران إلى إبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي.

وذكر البنك في المذكرة أمس الخميس أن الإجراءات صغيرة النطاق ستشمل على الأرجح ضربات عسكرية أميركية محدودة ومصادرة ناقلات نفط، وهو ما من شأنه أن يبقي علاوة المخاطر في أسواق النفط مرتفعة، خصوصاً بسبب المخاوف من أن تغلق إيران مضيق هرمز، الممر البحري ‌الحيوي. وارتفعت أسعار ‌النفط ثلاثة في المائة إلى أعلى مستوى ‌لها ⁠في ​خمسة أشهر، أمس ‌الخميس، بسبب تزايد القلق من احتمال اضطراب الإمدادات العالمية إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، أحد أكبر منتجي النفط الخام في منظمة أوبك.

وقالت مصادر متعددة إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس خيارات للتعامل مع إيران تشمل ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لتشجيع المتظاهرين على الخروج إلى ⁠الشوارع، على الرغم من قول مسؤولين إسرائيليين وعرب إن القصف الجوي وحده ‌لن يطيح بحكام البلاد.

وأشار البنك إلى أن التصور ‍الأساسي للإجراءات المحدودة، الذي ‍يرجح حدوثها بنسبة 70 في المائة، «يعكس حساسية الولايات المتحدة ‍تجاه ارتفاع أسعار الطاقة» بسبب اعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية، «وتفضيل الرئيس ترمب تجنب الحرب واحتمال أن تؤدي الضغوط الداخلية المستمرة داخل إيران إلى تغييرات قد تؤدي إلى التوصل إلى اتفاق».

ويستبعد ​«سيتي» رداً كبيراً من إيران «لأنها لا تريد الحرب أيضاً، في ظل اقتصاد متعثر واضطرابات ⁠داخلية». ويتوقع البنك بنسبة 30 في المائة حدوث صراع متصاعد ولكن محدود وعدم استقرار سياسي داخل إيران مما قد يتسبب في اضطرابات متقطعة في إنتاج النفط وصادراته، ويرى احتمالاً 10 في المائة بحدوث خسائر كبيرة في الإمدادات الإقليمية بسبب الاضطرابات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي تصوره الأساسي، يتوقع «سيتي» إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع التوتر في وقت ما في عام 2026، مما سيقلل من علاوة المخاطر الجيوسياسية المتعلقة بإيران، التي تبلغ حالياً سبعة إلى عشرة دولارات للبرميل مع اقتراب ‌سعر برنت من 70 دولاراً. وسجلت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية أمس الخميس 70.71 دولار للبرميل.