مدارس غولن.. أسرار «الكيان الموازي» في 100 دولة

«الشرق الأوسط» تفتح ملفات المؤسسات التعليمية وحملة تركيا للقضاء عليها

الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)
الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)
TT

مدارس غولن.. أسرار «الكيان الموازي» في 100 دولة

الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)
الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)

في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي والتي فاجأت العالم، انطلقت حملة تطهير موسعة شملت مختلف مؤسسات الدولة من الجيش إلى القضاء إلى الشرطة. غير أن أكثر القطاعات التي سجلت أرقاما عالية فيمن أقيلوا من أعمالهم كان قطاع التعليم الذي تتركز فيه كتلة كبيرة من أتباع حركة «الخدمة» التابعة للداعية فتح الله غولن الذي تتهمه الحكومة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية، التي تسميها الحكومة بمنظمة فتح الله غولن أو «الكيان الموازي».
حركة «الخدمة» الغامضة تروج نفسها للغرب بوصلة «الإسلام المعتدل»، وتحاول ربط اسمها «بأمجاد تركيا بنكهة أتاتوركية» لكسب الأتراك. ولسريتها وآليتها التي تركز على التوسع من خلال سبل القوى الناعمة كالإعلام والتعليم والتركيز على «نخبة» المجتمعات، أطلق عليها باحث في الشؤون التركية «الماسونية الإسلاموية». ولا تعد الحملة على مدارس ومؤسسات غولن والمؤسسات الأخرى القريبة منه وليدة محاولة الانقلاب الفاشلة لكنها بدأت مع تفجر فضائح الفساد والرشوة وتحقيقاتها في تركيا في 17 و25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 التي طالت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان قبل انتخابه رئيسا للجمهورية في أغسطس (آب) 2014، التي وصفها بأنها محاولة من جانب الكيان الموازي (حركة الخدمة) للإطاحة بحكومته.
إلى ذلك، نتناول أبرز مستجدات الحملة الدولية التي انطلقت من تركيا للقضاء على كيان المدارس في مختلف الدول ونكشف أسرار آليتها في غرض الإجابة عن سؤال ملح: هل بدأت إمبراطورية غولن التعليمية بالتهالك؟
جماعة «الخدمة» التي أسسها فتح الله غولن في عام 1971 أخذت اسمها من كونها أسست في البداية لخدمة الطلاب بحكمها كانت تشخص أمراض الشرق الأوسط بثلاثة محاور أهمها الجهل والفقر والتشرذم أو الفرقة. وبالفعل وجهت معظم عملها في البدايات إلى بناء المدارس والمعاهد التعليمية ومساكن الطلبة وغيرها بحيث كان تركيزها تماما على الأعمال التعليمية والتربوية في هذا الإطار، ولذلك سُميت جماعة «الخدمة». لاحقًا، على مدى عشرات السنوات تحولت إلى إمبراطورية ضخمة ليس فقط على مستوى المدارس، بل على مستوى التعليم والاقتصاد والمؤسسات المالية والإعلامية وغيرها. حتى في موضوع المدارس تحولت إلى إمبراطورية ضخمة، إذ نتحدث عن آلاف المدارس داخل تركيا وآلاف المدارس في نحو أكثر من 100 دولة حول العالم.
عملت الحركة في قطاع التعليم وأنشأ رجال الأعمال المنتسبون لها نحو ألف مدرسة في أنحاء تركيا وألفي مدرسة في أكثر من 100 دولة في أنحاء العالم، لا سيما في دول أفريقيا التي كانت ظروفها في غاية الصعوبة عندما كانت الحركة تعمل هناك. كما تمددت في هذه الأنشطة، لا سيما التعليمية منها التي تقدمها مدارس الخدمة بمستوى راقٍ. واجتذبت هذه المدارس أبناء الصفوة في الدول التي تعمل بها إضافة إلى تخصيص منح دراسية للطلاب المتميزين من غير المقتدرين. ونجحت الحركة في الاندماج في المجتمعات التي تعمل بها، لا سيما الفقيرة منها من خلال حفر آبار المياه وتقديم المساعدات الغذائية والطبية والمنح الدراسية كما في الدول الأفريقية وبعض دول آسيا والقوقاز.
وطالت الحملة الأمنية في تركيا عقب الانقلاب العسكري الفاشل نحو ألف مدرسة ومؤسسة تعليمية و15 جامعة و109 مساكن طلابية، إضافة إلى 1125 جمعية خيرية ووقفًا للمساعدات الإنسانية أبرزها جمعية «هل من مغيث؟» (كيمسا يوكمو)، التي نشطت في تقديم المساعدات الإنسانية والغذائية في مناطق الكوارث والحروب والمناطق الفقيرة حول العالم و35 جمعية طبية و19 نقابة مهنية وعمالية.
وبحسب آخر حصيلة أعلنها وزير التعليم التركي عصمت يلماز ألغت السلطات التركية تصاريح عمل 27 ألفًا و242 من العاملين في قطاع التعليم بينهم 21 ألف معلم كانوا يعملون في مدارس تابعة لحركة «الخدمة» التي أسهها ويديرها الداعية فتح الله غولن، كجزء من التحقيقات التي تجريها السلطات في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، التي تتهم الحكومة غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999 بتدبيرها، فيما ينفي غولن، الذي يعيش في منفاه الاختياري في ولاية بنسلفانيا الأميركية، أية مشاركة أو صلة له في المحاولة الانقلابية.
وقال يلماز في تصريحات الأسبوع الماضي إن هؤلاء الأشخاص «لن يُسمح لهم بالعمل في معاهد القطاع العام، أو القطاع الخاص مرة أخرى». كما أعلن مجلس التعليم العالي الجمعة أنه تم إبعاد 5 آلاف و342، أكاديميا وإداريا عن العمل بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، كانوا يعملون بالجامعات التابعة لغولن والمساكن التابعة لها وبعض الجامعات.
ولا تعد الحملة على مدارس ومؤسسات غولن والمؤسسات الأخرى القريبة منه وليدة محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو الماضي، لكنها بدأت مع تفجر فضائح الفساد والرشوة وتحقيقاتها في تركيا في 17 و25 ديسمبر 2013 التي طالت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان قبل انتخابه رئيسًا للجمهورية في أغسطس 2014، التي وصفها بأنها محاولة من جانب الكيان الموازي (حركة الخدمة) للإطاحة بحكومته.
واتخذت الحكومة سلسلة من الإجراءات ضد مؤسسات غولن امتدت إلى فرض الوصاية على جميع مدارسه وجامعاته ومؤسساته الاقتصادية والإعلامية المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحركة الخدمة، كما قادت وزارة الخارجية التركية حملة دبلوماسية في الخارج في مسعى لإغلاق مدارس الحركة ومؤسساتها الأخرى خارج تركيا. ولم تلق التحركات الدبلوماسية من جانب الحكومة التركية خلال عامي 2014 و2015 صدى لدى الدول التي توجد بها مدارس ومؤسسات غولن الأخرى من مراكز ثقافية وتعليمية ومؤسسات اقتصادية.

بين الرفض والترحيب
عقب محاولة الانقلاب الفاشلة صعّدت تركيا حملتها الدبلوماسية ووجدت استجابة من بعض الدول مثل الأردن التي أغلقت مدرسة للحركة وأذربيجان والسودان، وليبيا التي أغلقت المدارس الموجودة والصومال التي تقوم فيها الحكومة التركية بأنشطة كبيرة من خلال وكالة التنسيق والتعاون الدولي بها، كما أعلنت باكستان أنها ستدرس وضع 24 مؤسسة تعليمية أنشئت منذ 21 عاما بواسطة رجال أعمال.
كما وعدت كازاخستان بالنظر في الأمر خلال زيارة رئيسها لتركيا الأسبوع قبل الماضي بعد أن حذر السفير التركي في كازاخستان نوزات أويانيك من المدارس المرتبطة بالداعية غولن قائلا إنها لا علاقة لها بأجهزة الدولة الرسمية في تركيا وردت وزارة التعليم في كازاخستان بأن هذه المدارس تخضع لقوانين الدولة. أما ألمانيا، فرفضت فرض الرقابة على مدارس غولن كما رفضت نيجيريا إغلاق هذه المدارس التي تعمل بها منذ أكثر من 20 عاما، وكان هذا هو الحال في مصر أيضا.
وبالنسبة للولايات المتحدة التي يوجد بها نحو 200 مدرسة ومركز تعليمي وثقافي للحركة فترفض إغلاقها لأنها تخضع في الأساس للقانون الأميركي الذي يتيح للأوقاف من مختلف الديانات بإنشاء المدارس.
قرغيزستان، التي تعد نقطة تمركز مهمة لحركة غولن في آسيا الوسطى فقد رفضت طلبا من الخارجية التركية بإغلاق مدارس غولن فيها قائلة إنها دولة ذات سيادة ولا تقبل إملاءات من وزير خارجية دولة أخرى.
وتواصل تركيا قدما حملتها الدبلوماسية على أمل تطويق حركة غولن خارج البلاد، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الأسبوع الماضي، إن 15 مؤسسة تابعة لـ«منظمة فتح الله غولن (الكيان الموازي)» تنشط في مجالات التعليم والثقافة والتجارة باليابان، داعيًا طوكيو إلى إيقاف عمل تلك المنظمات لما تشكله من خطر على أمن البلاد واستقرارها.

ترحيل وحظر في الخليج
من جهة أخرى، أكدت الحكومة التركية رفض السعودية فتح مدارس تابعة لتنظيم فتح الله غولن على أراضي المملكة، وأن المعلمين المنتمين للتنظيم الموازي الذين تم رصدهم في السعودية كانوا قد حاولوا التغلغل داخل مدارس تركية تابعة للحكومة ومخصصة لأبناء الجالية التركية. وأشارت إلى أن تلك المدارس حاصلة على التراخيص اللازمة من وزارتي التعليم في السعودية وتركيا.
وفي هذا الشأن، قال القنصل التركي في جدة فكرت أوزر لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة التركية رصدت العام الماضي 22 شخصًا ينتمون إلى تنظيم فتح الله غولن من منتسبي التعليم ما بين إداريين ومعلمين في ثماني مدارس تركية في السعودية تابعة لوزارة التعليم التركية. وبين أنهم انضموا إلى المدارس الثماني، دون أن يكشفوا عن توجهاتهم المناهضة للحكومة الشرعية في تركيا، بعد أن يئسوا من سماح السعودية بفتح مدارس تابعة لأعداء تركيا.
وأمام ذلك، وفقا لأوزر، عمدت الحكومة التركية إلى «إنهاء خدمات المعلمين المتورطين بأفكار هدامة من أتباع غولن»، مبينا أن المعلمين المتورطين بالانتماء للكيان الموازي تمت إعادتهم إلى تركيا في فترة سابقة من العام الماضي. وركز على أنه «فور معرفة حقيقة انتمائهم تم فصلهم وإعادتهم إلى تركيا».
وشدد أوزر على أن السعودية وتركيا حريصتان على عدم وجود أي منتسبين من التعليم في المدارس التركية في السعودية ينتمون لهذا التنظيم، وأنه في حال اكتشاف انتماء أحد منهم سيتم فصله وإعادته إلى تركيا على الفور. ولفت إلى أن دول الخليج لم تسمح بفتح هذه المدارس على أراضيها، وأن إمارة أبوظبي كانت قد سمحت بفتح مدرسة ولكن تم إغلاقها بعد أقل من سنتين وإعادة الطاقم الذين كانوا يعملون فيها إلى تركيا.
وبين القنصل التركي أن فتح الله غولن استطاع فتح 4 مدارس من مدارسه في اليمن، ولكنها توقفت مع الحرب، يوجد ثلاث منها في صنعاء وواحدة في عدن، تم مغادرة منتسبيهم إلى تركيا أثناء الحرب.

مدارس غامضة.. وتحقيق فيدرالي لم يكتمل
في عام 2011، كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرا عن ظاهرة جديدة في عالم المدارس الخاصة، عن مدارس إسلامية تنتشر في عدة ولايات أميركية، خصوصًا ولاية تكساس. كان عنوان التقرير: «مدارس خاصة لها صلة بحركة دينية في تركيا تنتشر في ولاية تكساس». وبحسب التقرير، كانت توجد أكثر من 120 مدرسة «تركية»، 33 منها في ولاية تكساس. وفي الوقت ذاته، نشرت صحيفة «فلادلفيا انكوايرار» تقريرا عن وجود 20 مدرسة في ولاية بنسلفانيا.
ورغم أن غولن كان موجودا في الولاية في ذلك الوقت لم يركز عليه التقرير. لكن، لاحظت الصحيفة أن «المدارس التركية» تستخدم مدرسين أجانب، ومن تركيا بصورة خاصة، يأتون إلى الولايات المتحدة بتأشيرة «إتش 1 بي» (عمل مؤقت).
وكان سبب نشر التقرير تحقيقات أجرتها «إف بي آي» بالتعاون مع وزارة التعليم الفيدرالية عن ممارسات فاسدة في منح هذه التأشيرة. واكتشف المحققون أن المدرسين الذين يأتون بهذه التأشيرة يتبرعون بنسبة كبيرة من رواتبهم للجهات التي تحضرهم.
لكن، لم تستمر التحقيقات لسببين: أولا: لم تعثر السلطات الأميركية على دليل بوجود «نشاط إرهابي»، ثانيا: لم تعثر على دليل بوجود «أجندة دعوية» في المقررات المدرسية.
وفي عام 2012، ازدادت شهرة غولن بعد أن ظهر في مقابلة في برنامج «60 دقيقة» (برنامج تحقيقات صحافية). وحينها، قال الداعية إن المدارس ليست دينية، ولا حتى إسلامية. ونفى وجود صلة مباشرة بينه وبين المؤسسات التي تديرها. وأشار إلى أسماء المؤسسات التي تديرها: «هارموني» (الود)، و«كوزموس» (الكون)، و«هورايزون» (الأفق). وقال إنها «أسماء غير إسلامية»، وقال إن المدارس تركز على الأحياء الفقيرة، وعلى تدريس الرياضيات والعلوم.
لكن، قال معلق خلال المقابلة، إن «السرية التي تدار بها المدارس، وعزلة صاحبها (غولن)، تشجع الذين يقولون إنه يريد السيطرة على تركيا من الولايات المتحدة، أو السيطرة على العالم، في شكل (خلافة إسلامية)»، بحسب قوله.
في الشهر الماضي، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية تقريرًا ربط المدارس مباشرة مع غولن. إلى ذلك قال جوشوا هندريك، أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوليولا (ولاية ماريلاند)، ومؤلف كتاب: «غولن: السياسات الغامضة للإسلام الاقتصادي في تركيا والعالم»، الأسبوع الماضي، إن نجاح المدارس يعود إلى الأساتذة الذين يتطوعون للعمل في أماكن بعيدة (مثل دول في أفريقيا)، مقابل رواتب منخفضة، ثم يتبرعون بجزء كبير من هذه الرواتب لصالح حركة «خدمة» التي تدير المدارس. وقال إن غولن كان حليفا للرئيس التركي إردوغان في انتخابات عام 2002 (التي كانت بداية حكم حزب العدالة والتنمية). لكن «يبدو أن زيادة قوة غولن في تركيا وفي العالم فرقت بينهما».

«الغولونيون» على قائمة التطرف في روسيا
يُطلق في روسيا على أتباع غولن «الغولونيون»، أو أتباع حركة «نورغولار»، وقد ظهر هؤلاء مطلع التسعينات عندما بدأت شركات تابعة لفتح الله غولن بالتغلغل في مشاريع اقتصادية وافتتاح مؤسسات تعليمية (إسلامية) في الجمهوريات السوفياتية السابقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
وفي إطار هذا النشاط افتتح غولن مطلع التسعينات من القرن الماضي، مدارس له في عدد كبير من «الجمهوريات القومية الروسية» مثل تتارستان، وباشكيرستان، وداغستان، وفي خاكاسيا شرق روسيا، فضلا عن مدارس في المدن الكبرى مثل موسكو، ويكاتيرينبورغ، وبطرسبورغ. كما افتتح مدارس في القرم (عندما كانت تابعة لأوكرانيا) حيث تعيش تاريخيا هناك أعداد كبيرة من التتار.
إلا أن عمل تلك المدارس والمعاهد، مثل مجمل نشاط المنظمات والجماعات التابعة لغولن لم تستمر لفترة طويلة في روسيا. وفي عام 2002 اتهمت هيئة الأمن الفيدرالي الروسي (الكي جي بي سابقًا) المجموعات التي تعمل ضمن نشاط غولن في روسيا بأنها «تقدم الدعم للعصابات المسلحة في الشيشان، وتمارس التجسس وجمع المعلومات لصالح أجهزة استخبارات خارجية، وعملت على تشكيل (لوبي) في مؤسسات السلطة المحلية»، وفق ما أعلن نيكولاي باتروشيف مدير هيئة الأمن الروسية حينها.
وقال إن تلك الجماعات مارست نشاطها في روسيا عبر شركات تجارية ومؤسسات أخرى افتتحتها في البلاد. وبعد تلك التصريحات تم ترحيل 20 مواطنا تركيا على صلة بتلك الجماعات ما بين عامي 2002 و2004، وفي عام 2007 غادر الأراضي الروسية 41 معلما تركيا بطلب من النيابة العامة في جمهورية تتارستان العضو في الاتحاد الروسي، وتم إغلاق كل المؤسسات التي أشار إليها الأمن الروسي بما في ذلك مدارس فتح الله غولن. كما صُنفت حركة «نورغولار» على أنها حركة متطرفة، وتم حظر أدبيات كثيرة من مؤلفات بديع الزمان النورسي، الذي تشكل أدبياته أساسًا لنهج وأفكار فتح الله غولن ونشاطه في العالم.

باكستان.. وكردستان العراق
في هذه الأثناء، خرجت سلسلة مدارس «باك ترك» التركية في باكستان بتصريحات لتنأى بنفسها عن عملية التخطيط المزعومة لمحاولة الانقلاب في تركيا. وجاءت التصريحات عقب مطالبة الحكومة التركية نظيرتها الباكستانية بإغلاق 13 مدرسة تديرها جمعية خيرية تركية يعتقد ارتباطها بفتح الله غولن.
وفي تصريح رسمي، قال مسؤول بسلسلة مدارس وكليات «باك ترك» الدولية الواقعة في منطقة «إتش 8» بمدينة إسلام آباد: «لقد انزعجنا بشدة من المزاعم المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي حاولت الربط بين سلسلة مدارس وكليات باك ترك الدولية في باكستان وفتح الله غولن، والتحرك السياسي المشئوم والمشجوب في تركيا الذي نسب إليه أخيرا».
أضاف المسؤول أن المدرسة تود أن توضح وبشكل جلي أن سلسة مدارس وكليات باك ترك الدولية في باكستان لا تربطها أي صلة مع أي شخص أو حركة أو تنظيم، سواء سياسي أو خيري، وليست لنا أي علاقة مالية بأي جهة كانت. وأضاف المسؤول بالمدرسة: «إدارة سلسلة المدارس تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في هذا الصدد».
وامتلأت وسائل الإعلام الباكستانية بالقصص عن الصلة المزعومة بين المؤسسة التركية التي تدير سلسة مدارس باك ترك في باكستان والداعية الإسلامي الذي يعيش في المنفى، وذلك بعدما طالب السفير التركي في إسلام آباد الحكومة الباكستانية بإغلاق جميع فروع مدارس باك ترك بسبب ارتباطها بـ«الكيان الموازي».
وفي السياق ذاته، طالب السفير التركي وبعض المسؤولين التركيين علانية، أثناء زيارتهم لباكستان، الحكومة الباكستانية بإغلاق مدارس وكليات «باك ترك». وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، قال مسؤول بإدارة المدرسة إن «السلطات الباكستانية لم تطالب إدارة المدرسة باتخاذ أي إجراء حتى الآن، لكننا قلقون من التقارير المتداولة في الإعلام التي توقعت إغلاق المدرسة بالقوة».
وفي إقليم كردستان العراق، وفي خضم الحرب الداخلية التي كانت تدور رحاها بين الحزبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) بدأت مؤسسة «فزالر» للتربية والتعليم العائد للداعية التركي فتح الله غولان عملها في الإقليم من خلال افتتاح أول مدرسة ثانوية في مدينة أربيل تحت اسم كلية عشق (ئيشق) أي «النور» بالتركية، ومن ثم اتسع عمل هذه المؤسسة فافتتحت كثيرًا من الثانويات والمدارس الخاصة بالبنات والبنين ومدارس ابتدائية ورياض الأطفال.
ورغم التوترات التي شابتها العلاقات بين إقليم كردستان وتركيا خلال تسعينات القرن الماضي، فإن عمل هذه المؤسسة التعليمية لم يتأثر بها، بالعكس، استمرت في التوسع والتطور، لكن الانقلاب الفاشل الذي شهدته واتهام حركة الخدمة بالوقوف خلفها عرض هذه المدارس في كل أنحاء العالم، بما فيه إقليم كردستان لتهديد الإغلاق.
إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان، سفين دزيي، في تصريحات صحافية إن المدارس المرتبطة بالداعية ستصبح تابعة لوزارة التربية في الإقليم. في غضون ذلك، ذكر بيان لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة إقليم كردستان، حصلت «الشرق الأوسط»، على نسخة منه، إن «أي قرار يُصدر من قبل الوزارة بصدد جامعة عشق سيُراعى فيه مصلحة الطلبة واستمرارية العملية الدراسية».
ووفقا لإحصاءات نشرتها مؤسسة «فزالر»، وحصلت «الشرق الأوسط» عليها، فإن ما يقرب من 14 ألف طالب يتلقون التعليم في 33 مركزًا تعليميًا تابعًا لها في العراق، تنتشر في مدن أربيل والسليمانية ودهوك وسوران وحلبجة وكركوك، إضافة إلى بغداد والبصرة. ويحتضن الإقليم نحو عشرين مدرسة من مدارس النور التابعة لمؤسسة «فزالر» (موزعة ما بين مدارس ابتدائية ومتوسطة وابتدائية ورياض أطفال) وجامعة عشق الموجودة في مدينتي أربيل والسليمانية، فيما يبلغ عدد طلاب هذه المدارس والجامعات في الإقليم نحو 13 ألف طالب. وأنشأت المؤسسة في عام 2008 جامعة عشق التي توفر خدمة تعليمية في 6 كليات مختلفة لنحو 2350 طالب وطالبة.
وبحسب مصادر في إدارة مؤسسة «فزالر»، فإن مدارسها ومناهجها تخضع إلى رقابة الإشراف التربوي التابع لوزارة التربية في حكومة إقليم كردستان منذ تأسيسها حالها حال المدارس الحكومية الأخرى في الإقليم.

مفارقات السياسة تمنح المدارس قبلة الحياة في مصر والشمع الأحمر بالسودان
خلال السنوات التي أعقبت الإطاحة بنظام الرئيس المصري محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان، ظلت مدارس صلاح الدين التركية في القاهرة تحت مجهر السلطات المصرية التي توترت علاقتها بشدة مع النظام التركي الذي ألقى بثقله على الساحة الدولية لدعم جماعة الإخوان، لكن مفارقات السياسة كانت كفيلة بأن تمنحها قبلة الحياة.
وبينما سعت إدارة المدرسة التركية ذات التعليم الأميركي بصبغته «إسلامية»، إلى نفي أي علاقة لها بجماعة الإخوان المسلمين «المحظورة» في مصر، جاءت حقيقة تبعيتها لحركة «الخدمة» بقيادة فتح الله غولن لتنقذها من ذلك الاتهام، ولتفتح صفحة جديدة من الثقة مع السلطات المصرية.
يقول أحمد نظاروف، مدير العلاقات العامة بالمدرسة لـ«الشرق الأوسط» في «أعقاب الانقلاب الفاشل في أنقرة، طلبت السلطات التركية من القاهرة، إغلاق المدارس، ضمن الحملة الحالية لمطاردة أي أشخاص أو مؤسسة متهمة بدعم محاولة انقلاب يوليو الماضي، غير أن الحكومة المصرية رفضت ذلك الطلب، وأكدت التزام المدرسة بالمعايير التعليمية المصرية، وعدم رصدها أي مخالفات بشأن نشاط المدرسة التعليمي أو المالي».
وتأتي المدرسة ضمن سلسلة مدارس يمولها رجال أعمال أتراك بتوجيهات من الداعية الإسلامي غولن، بهدف الجمع ما بين التعليم بالمناهج الأميركية وتدريس الدين الإسلامي وتحفيظ القرآن.
وتأسست مدارس صلاح الدين في مصر عام 2009، وخلال السنوات الماضية اكتوت المدرسة بنار السياسة، في ظل القطيعة السياسية بين القاهرة وأنقرة، عقب ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 في مصر، ودعم تركيا لجماعة الإخوان، التي تم تصنيفها جماعة «إرهابية» في مصر. لكن نظاروف، والذي يتحدث العربية بطلاقة، قال إن «مدارس صلاح الدين تتبع حركة (الخدمة)، لكنها مستقلة ماليا وإداريا، وليس لها أي صلة مباشرة مع غولن».
وتقع المدرسة في مدينة القاهرة الجديدة شرق العاصمة، وتخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم في مصر، شأنها شأن جميع المدارس الدولية ذات المصاريف المالية المرتفعة نسبيا. ويدير المدرسة حاليا التركي حمزة أكصوي، ويصل عدد الطلاب بها أكثر من ألفي طالب. وتعد المدرسة التركية الوحيدة في البلاد.
ولم يكن هذا الحال في السودان، ففي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، أغلقت الحكومة السودانية مدرستين إحداهما مدرسة (عبد الله ابن أبي السرح العالمية) بالخرطوم، وهما مملوكتان للكيان الموازي وحولت إدارتها لشركة سودانية خاصة للحفاظ على مصالح طلابهما. ومن المتوقع وصول وفد من وزارة التعليم التركية لبحث مصير المدرستين اللتين أغلقتهما حكومة الخرطوم وفقًا لقرار رئاسي جاء استجابة لطلب حكومة أنقرة.
ورغم أن المسؤولية عن هذه المدارس تقع على وزارة التربية والتعليم السودانية، فإنها لم تقدم أية تفاصيل عن كيفية التصرف في ملكيات خاصة، وهو ما يتوقع بحثه مع وفد تعليمي تركي أعلن سفير أنقرة في الخرطوم جمال الدين آيدين عن قرب وصوله.
ومن جانبه، قال وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور إن الرئيس البشير أصدر قرارًا بإغلاق جميع ممتلكات غولن في البلاد ومن بينها شركات واستثمارات، بما في ذلك بتحويل المدارس الإسلامية التركية إلى القطاع الخاص بوزارة التعليم السودانية.
ونقل عن المتحدث باسم الخارجية السودانية السفير قريب الله خضر، أن الحكومة التركية طلبت من الخرطوم إغلاق مدارس غولن، وأن وزارته أبلغت وزارة التربية والتعليم المختصة، وهما مدرستان يدرس فيهما أكثر من 800 طالب من جنسيات مختلفة معظمهم سودانيون، وأوضح أن وزارة التربية ومنعًا لتضرر الطلاب حولتهما إلى مدرستين تديرهما شركة سودانية مما يمثل قوة العلاقة بين البلدين.

 

مدرسة في لندن يديرها رجال أعمال أتراك مناهضون لحكومة إردوغان

باحث في الشؤون التركية لـ «الشرق الأوسط» : رأسمال «الكيان الموازي» بات يبلغ 150 مليار دولار
تحوم عدة نظريات وتسريبات وشبهات حول مدارس فتح الله غولن حول العالم، ولكن هناك أمورًا ثابتة عنها، إذ يقول الدكتور سعيد الحاج الباحث في الشأن التركي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه «على مدى سنوات طويلة جدا، حصلت تلك المدارس على الدعم من الحكومة التركية وتسهيلات وأراضٍ من سفاراتها في الخارج باعتبارها كانت تعد قوة ناعمة للبلاد وحتى كانت تسمى المدارس التركية باسم عام لأنها كانت تمثل البلاد». ويضيف: «شملت التسهيلات أيضًا تيسير المناهج وتسفير الطلاب برحلات لتركيا لحضور مناسبة سنوية تحت اسم (أولمبياد اللغة التركية) يشترك فيها طلاب من مختلف دول العالم يرتادون هذه المدارس يقولون الشعر والنثر باللغة التركية، فكان هناك احتفاء واحتواء رسمي لهذه المدارس».
نشرت هيئة «مواطنون ضد جماعات الضغط الخاصة (لوبي) في المدارس» التي تنشط في أميركا قائمة غير رسمية تدرج فيها المدارس التابعة لحركة غولن حول العالم. ومع أن القائمة غير رسمية، فإنها تكشف مدى توغل الكيان الموازي في السلك التعليمي بمختلف دول العالم. وعن سهولة ذلك، يقول الدكتور الحاج: «حتى في الدول الأجنبية كان هناك تسهيلات كبيرة جدا باعتبار أن هذه المؤسسات غير ربحية فمعفاة من الضريبة». ويوضح مستطردًا: «كثير من الدول كانت تمنح تلك المدارس أراضي من دون مقابل، كهبة أو منحة. إما عن طريق الدولة بشكل مباشر أو عن طريق رجال أعمال يرون في هذه المدارس مشروعًا تعليميًا وخدميًا».

مدرسة «نورث لندن غرامر سكوول».. تحقيق مفصل
وفي قائمة الهيئة غير الرسمية ثلاث مدارس في بريطانيا. اختارت «الشرق الأوسط» أن تسلط الضوء على أكبر مدرسة من الثلاث. مدرسة «نورث لندن غرامر سكوول» الواقعة شمال العاصمة البريطانية موثقة في السجلات الحكومية البريطانية جمعية خيرية تساعد «أناسًا معينين من عرق إثني معين»، بحسب الموقع الحكومي الرسمي.
وسميت المدرسة عند تأسيسها عام 2006 «ويزدوم سكوول» أي مدرسة الحكمة. وغير مجلس الامناء اسمها مع نقلها إلى الحرم الجديد عام 2014 إلى «نورث لندن غرامر سكوول».
ويوفر الموقع جميع أوراق المدرسة الرسمية من أوراق تسجيل المدرسة إلى تقرير حساباتها ونفقاتها السنوي.
وتباينت بعض بنود أوراق التسجيل مع سجل الحسابات المتوفر على الموقع الإلكتروني الحكومي. فمع أن أوراق التسجيل تؤكد أن «معظم تمويل المدرسة يؤمن من خلال دفعات أقساط الطلبة». إلا أن حساباتها للسنة المالية 2014 - 2015 تكشف أن الكم الأكبر من التمويل الذي يبلغ أكثر من 4 ملايين جنيه إسترليني مصدره «عطاءات وتبرعات خيرية» من ممول مجهول.
ولكشف تلك الملابسة، اتصلت «الشرق الأوسط» بهيئة تنظيم الجمعيات الخيرية في بريطانيا، وأكد متحدث باسم الهيئة أن «الجمعيات الخيرية في بريطانيا غير ملزمة بالإفصاح عن مصدر التبرعات التي تصلها ولكنها ملزمة بإدراجها في حساباتها السنوية». وفي سياق متصل، يشير الدكتور الحاج إلى أن تمويل المدارس ذات الانتماء لفكر «الكيان الموازي» له ثلاثة أبعاد: «البعد الأول هو أن تكاليف تشغيل المدارس ليست باهظة بسبب وجود التسهيلات المذكورة سابقا، ودعم رجال الأعمال الأتراك»، ويضيف: «البعد الثاني هو أن هذه المدارس هي مشاريع استثمارية تتقاضى رسومًا باهظة من أهالي الطلبة ولذلك تنفق على نفسها».
ويستطرد موضحًا: «أما البعد الثالث، وهو الأهم، فإن الكيان الموازي تحول لإمبراطورية ضخمة من مؤسسات مالية وإعلامية وشركات قابضة تتضمن أكثر من 9 آلاف شركة على مستوى العالم». ويردف مؤكدًا: «صحيفة الادعاء كانت قد نشرت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة أن رأسمال الجماعة بات يبلغ 150 مليار دولار، وبالتالي ليس لديهم مشكلة كبيرة بالتمويل فلديهم بنوك وشركات تصرف على المشاريع بالإضافة للإمبراطورية الإعلامية التي يملكونها».
وبخصوص مناهج مدرسة «نورث لندن غرامر سكوول» وآلية عملها للتحقق ما إن كانت توفر أفضلية للطلاب الأتراك، وتمارس نوعًا من الدعوة المباشرة، تواصلت «الشرق الأوسط» مع هيئة تقييم المدارس البريطانية (أوفستيد) التي أكدت بدورها أنها قامت بزيارة المدرسة والتحقق من مناهجها، وأن المدرسة نجحت بالحصول على تقييم «جيد». وعند سؤال «أوفستيد» عن سر تمويل المدرسة عن طريق التبرعات «السخية جدا»، وعن بند تأسيسها لدعم فئة معينة، لم يملك المتحدث باسم «أوفستيد» الإجابة، ونصح بالتواصل مع وزارة التعليم في بريطانيا. وعند تواصل «الشرق الأوسط» مع وزارة التعليم، أكدت الوزارة أن المدرسة خاصة ولا تتبع الوزارة، ولا سلطة عليها. مما أثار كثيرًا من الشكوك.
وحققت «الشرق الأوسط» في هويات مجلس إدارة المدرسة، لتكتشف أن عضوًا واحدًا على الأقل من مناهضي نظام إردوغان. وتأكد ذلك من خلال تغريداته على موقع «تويتر»، ففي إحدى التغريدات، نشر هذا العضو صورة تُشبِّه إردوغان بهتلر. وعندما تواصلت «الشرق الأوسط» مع هذا العضو الذي فضل عدم الكشف عن هويته، قام بتحويل الأسئلة لمدير المدرسة هاكان غوك. وعندما جرى التواصل مع غوك بالبريد الإلكتروني قام بالإجابة عن بعض الاستفسارات.
وأكد غوك لـ«الشرق الأوسط» أن «المدرسة مدرجة جمعية خيرية لأنها تساعد الطلبة من كل الأعراق والأديان لتوفير تعليم متكامل ومتميز لهم بالتركيز على المواد العلمية كالرياضيات والعلوم». وأضاف: «مع أن المدرسة قامت باجتذاب الطلبة الأتراك في بادئ الأمر، فإنها باتت تحتضن طلبة من جنسيات وأديان متنوعة من أكثر من 15 دولة ونقل حرم المدرسة إلى حي هندون الذي لا تسكنه غالبية تركية ساعد على ذلك».
وعن مصادر تمويل المدرسة، قال غوك إن معظمها يأتي من أقساط الطلبة، وبرر سبب ارتفاع التبرعات في السنتين الماليتين 2013 - 2014 و2014 - 2015 على أنها نفقات نقل حرم المدرسة إلى منطقة هندون. وعن محتوى المناهج واحتمالية وجود دعوة مباشرة فيها، نفى مدير المدرسة ذلك، وشدد على أن المناهج تركز على المواد العلمية. إلى ذلك، يقول الباحث الدكتور الحاج: «المناهج في تلك المدارس حسبما ذُكر في تقارير كثيرة لا تدعو لفكر معين أو لدعوة إسلامية معينة ينشرها فتح الله غولن. بالعكس تمامًا حتى كثير من هذه المدارس تعلم باللغة الإنجليزية عوضًا عن التركية. وبالتالي الأساس لهذه المدارس ليس قوة تركية ناعمة ولا حتى فائدة بشكل مباشر تصب في تضخيم عدد أبناء فكرة إسلامية معينة».
وعند سؤال مدير المدرسة إن كانت تنتمي لفكر «الكيان الموازي»، طلب وبحرارة عدم ربطها مع الداعية غولن، خصوصًا في ظل اتهامه بتسيير محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. ولكنه أرفق في الرسالة الإلكترونية التي أرسلها ردًا على أسئلة «الشرق الأوسط» وثيقة تدعم حركة غولن ومدارسه. وتقول الوثيقة: «مدرسة نورث لندن جرى افتتاحها من قبل رجال أعمال بريطانيين مؤمنين بتعاليم حركة (الخدمة)، وأهمية مساعدة الطلاب في تلقي تعليم متميز». وتضيف الوثيقة: «تعاليم حركة (الخدمة) تقوم على أسس غير ربحية وتعمل على توفير جو يشجع التعايش بين كل الأطياف والإثنيات، وهذا هو الأمر الوحيد من الكيان الموازي الذي تبنته هذه المدرسة».
وحول أسباب نأي المدرسة بنفسها من حركة غولن يقول الباحث الحاج: «في طبيعة الحال هذا له سببان: الأول طبيعة الجماعة التي تتبع التقية السياسية والسرية التامة ولا تعلن ولاءها ولا أفكارها ولا آيديولوجياتها وسرية تمامًا، ودائمًا لم يكونوا يقولون إنهم تابعون لغولن بل يقدمون أنفسهم كمدارس تركية على مستوى العالم تعطي صورة حضارية عن الدولة التركية وقوة ناعمة والحوار مع الآخر والتعايش والتقارب... إلخ الشعارات الكبيرة هذه.. فهم لا يعتبرون أنفسهم تابعين لغولن». ويضيف: «أما السبب الثاني فهو أن هذه الجماعة دخلت في مواجهة مع الحكومة التركية في 2013 وأخيرا بعد محاولة الانقلاب بات الكيان الموازي مصنفًا كتنظيم (إرهابي)، وبات مراقبًا وملاحقًا في تركيا وفي كثير من الدول باعتبار أن علاقات تركيا الدبلوماسية باتت تعمل لصالح إغلاق المدارس أو وضع اليد عليها». ويستطرد: «لذلك من الطبيعي والمتفهَّم أن القائمين على المدارس ينفون صلتهم بغولن حفاظا على أنفسهم ومشاريعهم ومدارسهم بطريقة أو بأخرى».

الكيان الموازي جماعة نخبوية غامضة
ما تبين من تحقيق «الشرق الأوسط» في تلك المدرسة التي لم يكن بمقدورها ولا بمقدور الحكومة البريطانية تحديد تمويلها ولا ولائها بشكل مباشر، يصبح من مقدورنا التأكيد على سرية آلية هذه الحركة التي توغلت عالميًا. وغموضها يقف في وجه محاولات الحكومة التركية بالقضاء عليها. ويقول الحاج: «طريقة عمل جماعة الخدمة (الكيان الموازي) هو زيادة عدد الأنصار واختيار نماذج مميزة تحديدًا تنضم لمؤيدي الكيان. أسميها (الماسونية الإسلاموية) لأنها تعتمد على اختيار النابغين الأذكياء الأغنياء وترتيب الولاء لهم، وليس الضرورة التفكير بطريقة معينة».
ويضيف: «بالتالي هذه المدارس في كثير من الدول تهتم بأبناء المسؤولين والدبلوماسيين والأغنياء. وهي باب أو مدخل لزيادة نفوذ الجماعة فضلاً عن أن أحد أهم أسباب تخوف الحكومة التركية من تلك المدارس أنها تفتح علاقات خارجية ودعمًا لـ(الكيان الموازي) من دول مختلفة».
ويكشف الباحث أن «هناك نظرية أيضًا بأن هذه المدارس تنشط في منطقة آسيا الوسطى وفي أفريقيا، المناطق التي لا تنشط فيها الاستخبارات الأميركية. وهذا الكلام فيه أساطير وفيه حقيقة. مثلا المؤسسات التابعة لغولن في الولايات المتحدة فيها مئات المدارس بمختلف الولايات موجودة على قائمة المؤسسات التي تساعد الاستخبارات الأميركية. هذا التعاون موجود وموثَّق». ويؤكد: «حتى، للمثال، عندما واجه فتح الله غولن مشكلات في الإقامة طلب منه بعض أوراق التوصية، أحضرها من مسؤولين سابقين في المخابرات الأميركية، وقالوا إن هذا داعية، ويعمل على الحوار بين الأديان وهذا بُعد آخر من تخوف الحكومة التركية من هذه المدارس، رغم أنها ليست أولوية. الأولوية للحكومة التركية القضاء على المدارس في الداخل باعتبارها التي تفرخ أنصارًا لـ(الكيان الموازي) بطريقة أو بأخرى، وتعتبر مصدر تمويل لهم. تدعم الكيان الموازي بالأنصار وتقدم لهم تمويلا لأنها تأخذ رسومًا باهظة من الطلاب».
ويستطرد أخيرًا: «في الخارج تكمن قوتها في تعبيد الطريق لعلاقات بين الكيان والحكومات الأجنبية، وترى الحكومة التركية أن تلك المدارس تعمل ضد صالح تركيا في كثير من الملفات السابقة، بما فيها التنصت على مسؤولين أتراك، فكانت الحكومة التركية تتهم الكيان الموازي بتسريب هذه المعلومات وإعطائها لجهات خارجية، وكان يقصد بها إما الولايات المتحدة أو إسرائيل».

كشف حسابات المدرسة لعام 2014 يكشف استلامها تبرعات من مصدر مجهول بقيمة 4 مليون جنيه استرليني (موقع هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية في بريطانيا)



مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.


تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
TT

تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)

عاش المجتمع التركي تجربة قاسية وهو يشهد هجومين بالأسلحة على مدرستين في يومين متتاليين أحدثا صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل؛ لغرابتهما، وهو ما لم يعرفه الأتراك من قبل إلا في أفلام هوليوود.

تعد حوادث إطلاق النار في المدارس التي تعد جرحاً غائراً في العالم، وبخاصة في أميركا، التي باتت فيها هذه الحوادث أمراً مألوفاً، من قبيل الغرائب المفزعة في تركيا التي لم تشهد مثل هذه الحوادث على مدى تاريخها.

اهتزت تركيا بهجومين متتاليين وقع أولهما في 14 أبريل (نيسان)، حيث دخل طالب سابق في مدرسة «أحمد كويونجو» الثانوية الفنية في منطقة «سيفريك» في ولاية شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا)، المدرسة بمسدس وأطلق النار عشوائياً، مما تسبب في إصابة 16 طالباً، قبل أن ينتحر.

الهجوم الثاني، الذي وقع في 15 أبريل الماضي، كان الأكثر غرابة وإيلاماً لأنه حصد أرواحاً بريئة من المعلمين والتلاميذ في مدرسة إعدادية، كما أن منفذه لم يتجاوز الـ14 من عمره، لكنه تأثر بما شاهد عبر منصات التواصل الاجتماعي من حوادث مشابهة في أميركا.

الحادثة، التي نفذها «عيسى أراس مرسينلي» الطالب في الصف الثامن بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش، مستخدماً 5 أسلحة تعود إلى والده مفتش الشرطة، وأفرغ خلالها 7 مخازن ذخيرة في صفين دراسيين، خلَّفت 9 قتلى من زملائه، تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً، ومعلمة رياضيات تبلغ من العمر 55 عاماً، حاولت حماية مجموعة من تلاميذها بجسدها، فاخترقه الرصاص.

تفاصيل صادمة

خلَّف الحادثة حزناً عميقاً وغضباً عارماً في الشارع تم التعبير عنه عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، كما أثارت خوفاً لدى المعلمين على حياتهم وهم يمارسون عملهم، وسط انتقادات حادة من المواطنين وأحزاب المعارضة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، لغياب التدابير الأمنية في المدارس، ومطالبات بإقالة وزير التعليم، يوسف تكين.

مسعفون ينقلون جثامين القتلى في حادثة إطلاق النار بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش (إعلام تركي)

منفِّذ الهجوم «عيسى أراس مرسينلي»، شارك على حسابه في «واتساب»، صورة للأميركي إليوت رودجر، الذي نفَّذ هجوماً في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2014، وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، فقتل 6 أشخاص، قبل أن يُنهي حياته، ونشر قبيل هجومه مقطعاً مصوراً قال فيه إن ما سيقدم عليه هو بمنزلة «عقاب» للنساء اللواتي رفضنه.

وكتب مرسينلي اسمه على «واتساب» قبل الحادثة: «عيسى أراس مرسينلي قاتل المدرسة»، لكنه لم ينتحر كما فعل الأميركي رودجر ربما لأنه كان ينوي مواصلة إطلاق النار قبل أن يتصدى له والد تلميذين في المدرسة يعمل طاهياً وتصادف وجوده في منزله مقابل المدرسة عند وقوع إطلاق النار، فهرع لإنقاذ نجليه، وفي الطريق أمسك بالمهاجم واشتبك معه وأصابه بسكين في ساقه اليمني من الخلف ليلقى حتفه بسبب النزيف، كما بيَّن الطب الشرعي.

مفتش الشرطة، والد مرسينلي، اعتُقل في يوم الحادثة وأدلى باعترافات صادمة، أكد فيها أن ابنه كان يعاني مشكلات نفسية، وأنه رفض مؤخراً زيارة الطبيب النفسي، وأنه لاحظ قبل شهر من ارتكابه جريمته اهتمامه المتزايد بالأسلحة، ومن أجل تحويل انتباهه عنها قام بتدريبه على إطلاق النار على أهداف ثابتة قبل وقوع الهجوم بيومين فقط. لكن الأب لم يكن يتصور أن لدى ابنه القدرة على استخدام السلاح بهذا الشكل، الذي نفّذ به جريمته.

وقال الأب إن ابنه كان «منشغلاً باستمرار بأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكان يلعب ألعاباً تفاعلية، وكان يرفض أن يُري أحداً أي شيء، وكان يتحدث الإنجليزية، وإنه هو نفسه لم يكن يفهم ما يُقال لعدم معرفته بالإنجليزية، ولهذا السبب لم تتمكن الأسرة من رصد أي سلوك معادٍ لديه».

عائلات طلاب مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش جنوب تركيا عقب تعرضها لهجوم مسلح على يد أحد الطلاب (رويترز)

وأعلنت ولاية كهرمان ماراش، وقف ضابط شرطة عن العمل، كان مسؤولاً عن ميدان الرماية، حيث درَّب فيه والد منفذ هجوم المدرسة ابنه على إطلاق النار، بعد انتشار مقاطع فيديو له وهو يطلق النار ويصوّب على أهداف بمساعدة والده.

وأكدت التحقيقات أن الحادثتين فرديتين ومنفصلتين، وأنه لا يوجد أي رابط بين منفذيهما.

غضب واسع وانتقادات

وقررت وزارة التعليم إغلاق مدرسة «آيسر تشاليك» حتى نهاية العام الدراسي الحالي، وتوزيع طلابها على مدارس أخرى قريبة بناءً على طلب أولياء الأمور بسبب الحالة النفسية لأطفالهم، على أن يُتخّذ القرار النهائي بشأنها لاحقاً.

تظاهر آلاف المعلمين بإسطنبول مطالبين بوقف العنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي يوسف تكين (حساب اتحاد نقابات المعلمين في «إكس»)

وأثار الهجومان المتتاليان غضباً واسعاً في أوساط المعلمين، وخرج الآلاف منهم في احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد بدعم من نقابات العاملين بالتعليم واتحاد النقابات، وتجمع نحو 4 آلاف معلم في ميدان «تان دوغان» في العاصمة أنقرة في اليوم التالي لهجوم مدرسة كهرمان ماراش، محاولين السير إلى مبنى وزارة التعليم لكن الشرطة قامت بتطويق التجمع ومنعت المسيرة.

ودعا اتحاد نقابات العاملين بالتعليم إلى إضراب لمدّة يومين في عموم تركيا، وسط مطالب بوقف العنف في المدارس والشوارع، وإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

ضعف الأمان التعليمي

كشفت الهجمات المسلّحة على المدرستين عن جوانب الضعف الأمني ​​في المؤسسات التعليمية، وأعادت إلى الأذهان مطالبة المعارضة، خلال اجتماع لجنة التخطيط والميزانية بالبرلمان في سبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة ميزانية وزارة التعليم البالغة 1.9 تريليون ليرة تركية، بمقدار 225 مليار ليرة إضافية لتلبية احتياجات المدارس من عمال النظافة والأمن والصحة العامة.

ورفض نواب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحليفه حزب «الحركة القومية»، ما قالوا إنها مزاعم نقص الأمن في المدارس، قائلين إنه «مشهد من تركيا القديمة، وإنه تم تخصيص حراس أمن لـ132 مدرسة عالية الخطورة»، ورفضوا اقتراح المعارضة.

ولفت نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، سعاد أوزتشاغداش، إلى أن هجومَي مدرستَي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، جاءا بعد سلسلة حوادث عنف واعتداءات مسلحة فردية في المدارس، لافتاً إلى 16 حادثة على الأقل منذ بداية العام الحالي.

ورأى نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، مراد أمير، أن الفقر والبطالة والمشكلات الأسرية والنفسية والعنف، وتراجع جودة التعليم، وعجز الحكومة عن أداء دورها على النحو الأمثل، كلها عوامل تُؤجّج العنف في المدارس.

في المقابل، تعهَّد الرئيس رجب طيب إردوغان بعدم ترك الحادثتين تمرّان من دون عقاب المقصرين أياً كانت مواقعهم، قائلاً إن «من واجبنا الأخلاقي والضميري ألا يُستغلّ هجوم كهذا الذي أشعل نار الغضب في قلوب أمتنا بأسرها، في جدل سياسي أو لتحقيق مكاسب إعلامية».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل (حساب الحزب في «إكس»)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، إنه «في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بات من الواضح أن العنف في المدارس لم يعد يُفسّر بحوادث معزولة، يجب أن يكون أمن المدارس من أهم أولويات تركيا الآن».

تحركات عاجلة

وأثارت الحادثتان عديداً من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم، ودور المدارس والعائلات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والدراما فيها، إضافةً إلى مسألة حمل السلاح المرخص وفوضى الأسلحة غير المرخصة.

وتحركت تركيا على الفور باتجاه تشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم، وسن قانون خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على البرامج التلفزيونية التي تتضمن محتوى يُحرّض أو يشجّع على العنف.

وزير العدل التركي أكين غورليك (من حسابه في «إكس»)

وقال وزير العدل، أكين غورليك، إنه بعد هجومين شانلي أورفا وكهرمان ماراش، سنتخذ إجراءات لتشديد العقوبات على الأطفال الذين ينجرّون إلى الجريمة، وسنُسنّ قانوناً خاصاً بوسائل التواصل الاجتماعي، وسنتناول البرامج والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التلفزيونية التي تشجع على هذا السلوك.

وأضاف غورليك أنهم بدأوا العمل على وضع لائحة قانونية لا تشمل فقط مرتكب الجريمة، بل أيضاً البيئة التي رعته وأهملت مسؤولياتها الرقابية، و«إذا لزم الأمر، سنُحمّل الأسر أيضاً مسؤولية إهمالها واجباتها الرقابية والمسؤولية تجاه بعض الجرائم التي يرتكبها الأطفال، لا سيما جرائم العنف والقتل».

كان توقيف والدة منفّذ هجوم مدرسة كهرمان ماراش بتهمة الإهمال والتقصير في القيام بما يلزم تجاه تلقي نجلها العلاج النفسي اللازم واستكماله، أولى الخطوات في هذا الصدد.

نشرت السلطات التركية عناصر من الشرطة لتأمين المدارس عقب هجومي شانلي أورفا وكهرمان ماراش (رويترز)

وفرضت وزارة التعليم التركية عقب الهجومين إجراءات أمنية جديدة عبر نموذج أمني تشارك فيه وزارة الداخلية من خلال نشر عناصر من الشرطة في محيط المدارس في جميع أنحاء البلاد وتعميم البوابات الإلكترونية، وتطبيق إلزامية الحضور إلى المدرسة بالزي المدرسي فقط، وعدم السماح بدخول مبنى المدرسة لأي شخص غير المعلمين والطلاب والموظفين خلال ساعات الدوام.

وحسب النموذج الجديد، سيتمكن أولياء الأمور من دخول المدرسة فقط عبر نظام المواعيد، مع إبراز الهوية، وسيسمح لهم بتسليم أغراض الطلاب إلى نقطة الأمن بدلاً من إدخالها إلى الصفوف، كما سيتسلمون أبناءهم بعد انتهاء اليوم الدراسي من منطقة انتظار مخصصة، مع عدم السماح لهم بالبقاء فيها بعد الاستلام، مع تشديد عمليات التفتيش على الطلاب عند الدخول إلى المدرسة في بداية اليوم الدراسي، وفرض عقوبات تأديبية فورية على المخالفين، والتواصل مع أولياء الأمور عبر الرسائل الفورية في حال تأخر الطالب عن دخول المدرسة أو خروجه مبكراً.

كما يتضمن النظام الجديد آليات للإبلاغ عن حوادث التنمر في المدارس عبر خط ساخن، وتفعيل استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والرصد.

قيود على «التواصل الاجتماعي»

باتت وسائل التواصل الاجتماعي هدفاً لمزيد من القيود، ونفَّذت السلطات حملة اتخذت فيها إجراءات قانونية ضد 130 صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي، ممن نشروا منشورات تتعلق بالهجومين، وتم توقيف 411 شخصاً، وحظر الوصول إلى 1104 حسابات، وتم تحديد الحسابات التي أثارت قلقاً عاماً باستهدافها المدارس والتهديد بشن هجمات؛ وفي هذا السياق، تم احتجاز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة.

وتم تقديم طلبات لإزالة المحتوى وحظر الوصول إلى 66 رابطاً على تطبيق «تلغرام»، تبين أنها نشرت منشورات استفزازية، وتم إغلاق مجموعة على التطبيق ذاته تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تبادل صور متعلقة بالهجمات.

البرلمان التركي أقر قانوناً فرض قيوداً على استخدام الأطفال قبل سن 15 عاماً منصات التواصل الاجتماعي (حساب البرلمان في «إكس»)

وأقر البرلمان التركي قانوناً يحظر ​استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ‌لمن هم دون سن 15 عاماً، ويفرض قواعد ​جديدة على المنصات الرقمية، ​بما في ذلك شركات ⁠برمجيات الألعاب، مع تعديل ​تشريعات قائمة مثل قانون ​الخدمات الاجتماعية وقوانين أخرى.

ويلزم القانون المنصات التي تضم أعداداً ​كبيرة من المستخدمين ​بتعيين ⁠ممثل لها في تركيا، و​تصنيف الألعاب وفق الفئات العمرية للمستخدمين.

وقالت وزيرة الأسرة، ماهينور غوكطاش، إنه يجري العمل على تطبيق نظام للتحقق من العمر لدخول منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن الحكومة لا تهدف إلى حظر هذه المنصات وإنما الرقابة على محتوياتها.

ودعت غوكطاش المنصات وشركات تطوير الألعاب إلى التعاون لإنتاج محتوى نظيف وحماية الأطفال من التنمر ومن المواد التي تحض على العنف.

وللحد من احتمالات وصول الأسلحة إلى المدارس واستخدامها في ارتكاب جرائم مماثلة، قال غورليك إن وزارة العدل تدرس إدخال تعديلات على قانون المسؤولية الجنائية لحاملي رخص حيازة الأسلحة النارية في الحالات التي تُرتكب فيها جرائم نتيجة سوء تخزينها في المنزل وتركها في متناول الأطفال (كما حدث في جريمة مدرسة كهرمان ماراش)، وتصنيف جرائم القتل التي تُرتكب في المدارس والأماكن المشابهة على أنها جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالبرامج التلفزيونية التي تروّج للعنف وتشجع على استخدام الأسلحة، فإننا نتخذ الخطوات اللازمة ونخطط لإصدار لوائح تنظم المسؤولية الجنائية بشكل خاص.

وتفاعلاً مع الخطوة، قامت شركات الانتاج بمراجعة مشاهد العنف واستخدام السلاح في عدد من المسلسلات التلفزيونية، في مقدمتها «أشرف رؤيا» و«تحت الأرض»، وقامت بعض الشركات المعلنة بسحب دعمها للمسلسلات التي تُظهر المافيا ويُحتمل أن تحرض على العنف.

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو (من حساب الحزب في «إكس»)

وانتقد رئيس حزب «الجيد» القومي المعارض الحكومة، قائلاً: «أتمنى ألا يرسل أي أب أو أم طفلهما إلى المدرسة خائفاً، وألا تُذكر أي مدينة مرة أخرى بالمآسي التي عانى منها أطفالها».

وأضاف أن الإجراءات الأمنية المتخَذة في المدارس، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، وتركيب البوابات عند مداخل المدارس، غير فعّالة في منع مثل هذه الحوادث، لافتاً إلى أن «الأطفال لا يذهبون إلى المدارس وهم خائفون وقلقون فقط من هذه الهجمات، بل إنهم عالقون في دوامة من عدم اليقين، ومحاطون بالغموض، ويُنتقص من قيمتهم أمام أعيننا».

جرائم الأطفال وفوضى السلاح

سلَّط الهجومان الداميان في مدرستي شانلي أوفا وكهرمان ماراش الضوء على العنف بين الأطفال والقصَّر وانتشار السلاح المرخَّص وغير المرخَّص على نطاق واسع، يصل إلى حد الفوضى.

وتشير تقارير وإحصاءات رسمية إلى زيادة مقلقة في جرائم القتل والإصابة بين القصَّر في تركيا، حيث ارتفعت قضايا القتل التي تورَّط فيها أطفال بنسبة 131 في المائة بين عامي 2015 و2024.

كانت جريمة اغتيال الصحافي التركي من أصل أرميني، هرانت دينك، في وضح النهار عام 2007 أمام مقر صحيفة «آغوس»، التي تصدر بالتركية والأرمينية، في وسط إسطنبول، والتي كان يرأس تحريرها، واحدة من الحوادث التي دقت، بشدة، ناقوس الخطر، حول جرائم الأطفال والقصَّر.

الجريمة نفَّذها صبي يُدعى «أوجون ساماست» (17 عاماً)، تم تدريبه على السلاح في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا، وإرساله من قبل مجموعة من القوميين المتشددين لقتل دينك، بسبب موقفه في الدفاع عن الأقلية الأرمنية، ومحاولة تحقيق مصالحة بين الدولة التركية والأرمن الذين يشعرون بالمرارة بسبب ما يزعمون أنها «إبادة جماعية» بحق الأرمن ارتكبها الأتراك في عهد الدولة العثمانية عام 1915 إبان الحرب العالمية الأولى، وراح ضحيتها نحو 1.5 مليون أرميني، فيما تؤكد تركيا أن الحوادث التي وقعت في شرق الأناضول في ذلك الوقت أوقعت ضحايا من الجانبين.

اغتيال الصحافي التركي - الأرميني 2007 في إسطنبول على يد صبي قاصر دق ناقوس الخطر حول جرائم الأطفال وفوضى السلاح في تركيا (أرشيفية - صحيفة «آغوس»)

وأثار اغتيال دينك ردود فعل غاضبة واسعة النطاق داخل تركيا، وسرعان ما تحولت القضية إلى فضيحة بعد ما تبين أن سلطات الأمن التركية كانت على علم بوجود تخطيط لاغتياله لكنها لم تتحرك لمنعه، أو اتخاذ إجراءات لحمايته.

وتشير تقارير وإحصاءات حديثة إلى حالة قلق وطني متزايد في تركيا بشأن ظاهرة «التسلح الفردي»، وإلى وجود نحو 40 مليون قطعة سلاح في البلاد، الغالبية العظمى منها (نحو 90 في المائة) غير مرخصة.

ووفقاً لتقرير أصدره «وقف أوموت» للدراسات الاجتماعية، يوجد نحو 2.5 إلى 4 ملايين سلاح مرخص فقط، مقابل عشرات الملايين من الأسلحة غير القانونية، وأن هناك تقريباً 9 أسلحة غير مرخصة مقابل كل سلاح مرخص واحد.

ورصد التقرير ارتفاع معدلات العنف، ووقوع 3 آلاف و422 حادثة عنف مسلح في عام 2025، استُخدمت الأسلحة النارية، بما فيها بنادق الكلاشينكوف والبنادق الآلية، في 85 في المائة من هذه الحوادث، واستُخدمت جميع أنواع الأدوات الحادة، من السكاكين إلى الفؤوس، في 15 في المائة منها.

وتوزعت الهجمات المسلحة على مناطق مختلفة من تركيا، وسُجّل أعلى تركيز للحوادث في منطقة مرمرة، بنسبة 29.23 في المائة، تلتها منطقة البحر الأسود بنسبة 14.71 في المائة، ثم منطقة جنوب شرقي الأناضول (التي شهدت حادثتي المدرستين) بنسبة 14.44 في المائة.

وبلغت النسبة في منطقة بحر إيجة 12.54 في المائة، ووسط الأناضول 12.30 في المائة، ومنطقة البحر المتوسط 11 في المائة، وشرق الأناضول بنسبة 5.78 في المائة.

كما أظهرت تقارير أخرى أن 15 شخصاً على الأقل يُقتلون يومياً في تركيا بحوادث إطلاق نار. وتحذر جهات حقوقية من سهولة الحصول على الأسلحة عبر الإنترنت بأسعار زهيدة، مما جعلها في متناول الأطفال والقصَّر أحياناً.

وأسفرت عمليات نفَّذتها السلطات الأمنية التركية خلال عام 2025 عن ضبط أكثر من 110 آلاف سلاح غير مرخص، واتخاذ إجراءات قانونية ضد نحو 119 ألف شخص، وتم تعديل القوانين لرفع عقوبة حيازة سلاح غير مرخص لتصبح الحبس من سنتين إلى 4 سنوات، بدلاً من سنة إلى 3 سنوات، سابقاً، لتعزيز الردع.

دوافع وحلول

وصف خبراء أتراك مختصون في علم النفس والاجتماع، استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حادثتي مدرستي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، بـ«الحريق الاجتماعي» الذي تجاوز مجرد الحوادث المعزولة، وذهبوا إلى تحديد عدد من الدوافع والأسباب التي تقف وراء مثل هذه الحوادث، مؤكدين أن هذه الهجمات لا تنجم عن عامل واحد، بل عن مزيج من الأزمات المتراكمة على مدى سنوات، والاستياء، وضياع الانتماء، والإذلال، والميول الانتحارية، والأوهام العنيفة، وتقليد الجناة السابقين، وسهولة الوصول إلى الأسلحة، وهو ما يتطابق أيضاً مع دراسات عميقة أُجريت في هذا الصدد.

معلمة بمدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش التي شهدت هجوماً خلّف قتلى وجرحي تدعو وهي تبكي أمام المدرسة بينما نثر المعلمون وأولياء الأمور زهور القرنفل الأحمر على الدرج (أ.ف.ب)

واتفق الخبراء والأكاديميون على أن العنف المدرسي لا يمكن منعه إلا من خلال نهج متعدد الجوانب لا يقوم على التدابير الأمنية فحسب، وأن الوعي المبكر، والتواصل الأسري الفعال، والبيئة المدرسية الشاملة، والخطاب الإعلامي الواعي، وتوفير نظام للفهم والدعم العاطفي للأطفال من أهم ركائز هذا الأمر.

وعدَّت رئيسة الجمعية التركية لطب نفس الأطفال والمراهقين، الدكتورة نسليهان إينال، حادثتي المدرستين بمنزلة جرس إنذار على انهيار متزامن لنظام تعليمي، وبنية أسرية، وسياسات اجتماعية تركز حصراً على «الالتحاق بالجامعة»، متجاهلةً مواهب الأطفال واحتياجاتهم النفسية.

ورأت أنه لا يمكن تفسير انخراط الأطفال في الجريمة بنوبة جنون عابرة أو بالعوامل الوراثية فقط، وأن أهمَّ عاملٍ كامنٍ وراء الميل إلى الجريمة هو العوامل البيئية والإهمال، لافتةً إلى دور العامل الاقتصادي، وارتفاع معدلات الاكتئاب والميل إلى العنف والجريمة لدى الأطفال والمراهقين مع ازدياد الفقر.

ولفتت إلى ظاهرة التنمر، التي بلغت في تركيا 40 في المائة، متجاوزةً المعدل العالمي، محذرةً من أن تستر كثير من المدارس عليها يهيئ بيئة خصبة لردود فعل انتقامية عنيفة.

وأيَّدت الأكاديمية المتخصصة في علم نفس الأطفال والمراهقين، إليف كارا أوغلو، ما ذهبت إليه إينال بشأن الفقر بوصفه عاملاً في زيادة العنف، لافتةً إلى أن الهجومين وقعا في بيئة فقيرة في ولايتي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، وأن ما حدث لم يكن مفاجئاً لها لأنه يعد تطوراً لحوادث العنف التي بدأت على نطاق فردي، حتى ولو لم يُستخدم فيها السلاح.

والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

وأشار الدكتور عاكف تاشدمير إلى أن العامل الحاسم في تحول الغضب إلى جريمة هو سهولة وصول المراهقين إلى الأسلحة، وبخاصة أسلحة الآباء، منبهاً إلى تأثير العنف الأسري والبيئة، وأن العائلات الاستبدادية بشكل كبير، أو غير المبالية تماماً تسهم في نشأة سلوكيات عدوانية لدى الأطفال.

وذهب إلى أن زيادة الاستقطاب الاجتماعي ولغة الغضب في المجتمع تؤثر بشكل مباشر على المراهقين والشباب، وتجعلهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات عنيفة.

وأكدت الأكاديمية نورسال إنجي أن التعرض المستمر لمحتوى عنيف، سواء في الدراما أو الألعاب، يؤدي إلى فقد الحساسية الاجتماعية، وتعزيز رؤية الجاني بطلاً أو وسيلة لتحقيق الشهرة لدى المراهقين بدلاً من كونه مجرماً، محذرةً من أن العزلة في غرف مغلقة مع ألعاب تنافسية عنيفة يُضعف قدرة المراهق على إدارة مشاعره وقدرته على اتخاذ قرارات سليمة في الواقع.

وأوضحت أنه يمكن التعرف مبكراً على الميل إلى العنف لدى الأطفال والمراهقين، حيث تعد بعض التغيرات السلوكية مثل نوبات الغضب المفاجئة، وتحدي القواعد والسلوك التهديدي، والانسحاب من المحيط الاجتماعي، مؤشرات على هذا الميل.

ونصحت بأن يتم اعتماد، بدلاً من العقاب، العمل على تحويل أخطاء المراهقين إلى فرص تعليمية وتدريبهم على مهارات السيطرة على الغضب والتعاطف قبل وصولهم إلى مرحلة الانفجار.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended