مدارس غولن.. أسرار «الكيان الموازي» في 100 دولة

«الشرق الأوسط» تفتح ملفات المؤسسات التعليمية وحملة تركيا للقضاء عليها

الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)
الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)
TT

مدارس غولن.. أسرار «الكيان الموازي» في 100 دولة

الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)
الداعية فتح الله غولن مؤسس ورئيس حركة «خدمة» في منزله بولاية بنسلفانيا (رويترز)

في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي والتي فاجأت العالم، انطلقت حملة تطهير موسعة شملت مختلف مؤسسات الدولة من الجيش إلى القضاء إلى الشرطة. غير أن أكثر القطاعات التي سجلت أرقاما عالية فيمن أقيلوا من أعمالهم كان قطاع التعليم الذي تتركز فيه كتلة كبيرة من أتباع حركة «الخدمة» التابعة للداعية فتح الله غولن الذي تتهمه الحكومة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية، التي تسميها الحكومة بمنظمة فتح الله غولن أو «الكيان الموازي».
حركة «الخدمة» الغامضة تروج نفسها للغرب بوصلة «الإسلام المعتدل»، وتحاول ربط اسمها «بأمجاد تركيا بنكهة أتاتوركية» لكسب الأتراك. ولسريتها وآليتها التي تركز على التوسع من خلال سبل القوى الناعمة كالإعلام والتعليم والتركيز على «نخبة» المجتمعات، أطلق عليها باحث في الشؤون التركية «الماسونية الإسلاموية». ولا تعد الحملة على مدارس ومؤسسات غولن والمؤسسات الأخرى القريبة منه وليدة محاولة الانقلاب الفاشلة لكنها بدأت مع تفجر فضائح الفساد والرشوة وتحقيقاتها في تركيا في 17 و25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 التي طالت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان قبل انتخابه رئيسا للجمهورية في أغسطس (آب) 2014، التي وصفها بأنها محاولة من جانب الكيان الموازي (حركة الخدمة) للإطاحة بحكومته.
إلى ذلك، نتناول أبرز مستجدات الحملة الدولية التي انطلقت من تركيا للقضاء على كيان المدارس في مختلف الدول ونكشف أسرار آليتها في غرض الإجابة عن سؤال ملح: هل بدأت إمبراطورية غولن التعليمية بالتهالك؟
جماعة «الخدمة» التي أسسها فتح الله غولن في عام 1971 أخذت اسمها من كونها أسست في البداية لخدمة الطلاب بحكمها كانت تشخص أمراض الشرق الأوسط بثلاثة محاور أهمها الجهل والفقر والتشرذم أو الفرقة. وبالفعل وجهت معظم عملها في البدايات إلى بناء المدارس والمعاهد التعليمية ومساكن الطلبة وغيرها بحيث كان تركيزها تماما على الأعمال التعليمية والتربوية في هذا الإطار، ولذلك سُميت جماعة «الخدمة». لاحقًا، على مدى عشرات السنوات تحولت إلى إمبراطورية ضخمة ليس فقط على مستوى المدارس، بل على مستوى التعليم والاقتصاد والمؤسسات المالية والإعلامية وغيرها. حتى في موضوع المدارس تحولت إلى إمبراطورية ضخمة، إذ نتحدث عن آلاف المدارس داخل تركيا وآلاف المدارس في نحو أكثر من 100 دولة حول العالم.
عملت الحركة في قطاع التعليم وأنشأ رجال الأعمال المنتسبون لها نحو ألف مدرسة في أنحاء تركيا وألفي مدرسة في أكثر من 100 دولة في أنحاء العالم، لا سيما في دول أفريقيا التي كانت ظروفها في غاية الصعوبة عندما كانت الحركة تعمل هناك. كما تمددت في هذه الأنشطة، لا سيما التعليمية منها التي تقدمها مدارس الخدمة بمستوى راقٍ. واجتذبت هذه المدارس أبناء الصفوة في الدول التي تعمل بها إضافة إلى تخصيص منح دراسية للطلاب المتميزين من غير المقتدرين. ونجحت الحركة في الاندماج في المجتمعات التي تعمل بها، لا سيما الفقيرة منها من خلال حفر آبار المياه وتقديم المساعدات الغذائية والطبية والمنح الدراسية كما في الدول الأفريقية وبعض دول آسيا والقوقاز.
وطالت الحملة الأمنية في تركيا عقب الانقلاب العسكري الفاشل نحو ألف مدرسة ومؤسسة تعليمية و15 جامعة و109 مساكن طلابية، إضافة إلى 1125 جمعية خيرية ووقفًا للمساعدات الإنسانية أبرزها جمعية «هل من مغيث؟» (كيمسا يوكمو)، التي نشطت في تقديم المساعدات الإنسانية والغذائية في مناطق الكوارث والحروب والمناطق الفقيرة حول العالم و35 جمعية طبية و19 نقابة مهنية وعمالية.
وبحسب آخر حصيلة أعلنها وزير التعليم التركي عصمت يلماز ألغت السلطات التركية تصاريح عمل 27 ألفًا و242 من العاملين في قطاع التعليم بينهم 21 ألف معلم كانوا يعملون في مدارس تابعة لحركة «الخدمة» التي أسهها ويديرها الداعية فتح الله غولن، كجزء من التحقيقات التي تجريها السلطات في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، التي تتهم الحكومة غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999 بتدبيرها، فيما ينفي غولن، الذي يعيش في منفاه الاختياري في ولاية بنسلفانيا الأميركية، أية مشاركة أو صلة له في المحاولة الانقلابية.
وقال يلماز في تصريحات الأسبوع الماضي إن هؤلاء الأشخاص «لن يُسمح لهم بالعمل في معاهد القطاع العام، أو القطاع الخاص مرة أخرى». كما أعلن مجلس التعليم العالي الجمعة أنه تم إبعاد 5 آلاف و342، أكاديميا وإداريا عن العمل بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، كانوا يعملون بالجامعات التابعة لغولن والمساكن التابعة لها وبعض الجامعات.
ولا تعد الحملة على مدارس ومؤسسات غولن والمؤسسات الأخرى القريبة منه وليدة محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو الماضي، لكنها بدأت مع تفجر فضائح الفساد والرشوة وتحقيقاتها في تركيا في 17 و25 ديسمبر 2013 التي طالت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان قبل انتخابه رئيسًا للجمهورية في أغسطس 2014، التي وصفها بأنها محاولة من جانب الكيان الموازي (حركة الخدمة) للإطاحة بحكومته.
واتخذت الحكومة سلسلة من الإجراءات ضد مؤسسات غولن امتدت إلى فرض الوصاية على جميع مدارسه وجامعاته ومؤسساته الاقتصادية والإعلامية المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحركة الخدمة، كما قادت وزارة الخارجية التركية حملة دبلوماسية في الخارج في مسعى لإغلاق مدارس الحركة ومؤسساتها الأخرى خارج تركيا. ولم تلق التحركات الدبلوماسية من جانب الحكومة التركية خلال عامي 2014 و2015 صدى لدى الدول التي توجد بها مدارس ومؤسسات غولن الأخرى من مراكز ثقافية وتعليمية ومؤسسات اقتصادية.

بين الرفض والترحيب
عقب محاولة الانقلاب الفاشلة صعّدت تركيا حملتها الدبلوماسية ووجدت استجابة من بعض الدول مثل الأردن التي أغلقت مدرسة للحركة وأذربيجان والسودان، وليبيا التي أغلقت المدارس الموجودة والصومال التي تقوم فيها الحكومة التركية بأنشطة كبيرة من خلال وكالة التنسيق والتعاون الدولي بها، كما أعلنت باكستان أنها ستدرس وضع 24 مؤسسة تعليمية أنشئت منذ 21 عاما بواسطة رجال أعمال.
كما وعدت كازاخستان بالنظر في الأمر خلال زيارة رئيسها لتركيا الأسبوع قبل الماضي بعد أن حذر السفير التركي في كازاخستان نوزات أويانيك من المدارس المرتبطة بالداعية غولن قائلا إنها لا علاقة لها بأجهزة الدولة الرسمية في تركيا وردت وزارة التعليم في كازاخستان بأن هذه المدارس تخضع لقوانين الدولة. أما ألمانيا، فرفضت فرض الرقابة على مدارس غولن كما رفضت نيجيريا إغلاق هذه المدارس التي تعمل بها منذ أكثر من 20 عاما، وكان هذا هو الحال في مصر أيضا.
وبالنسبة للولايات المتحدة التي يوجد بها نحو 200 مدرسة ومركز تعليمي وثقافي للحركة فترفض إغلاقها لأنها تخضع في الأساس للقانون الأميركي الذي يتيح للأوقاف من مختلف الديانات بإنشاء المدارس.
قرغيزستان، التي تعد نقطة تمركز مهمة لحركة غولن في آسيا الوسطى فقد رفضت طلبا من الخارجية التركية بإغلاق مدارس غولن فيها قائلة إنها دولة ذات سيادة ولا تقبل إملاءات من وزير خارجية دولة أخرى.
وتواصل تركيا قدما حملتها الدبلوماسية على أمل تطويق حركة غولن خارج البلاد، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الأسبوع الماضي، إن 15 مؤسسة تابعة لـ«منظمة فتح الله غولن (الكيان الموازي)» تنشط في مجالات التعليم والثقافة والتجارة باليابان، داعيًا طوكيو إلى إيقاف عمل تلك المنظمات لما تشكله من خطر على أمن البلاد واستقرارها.

ترحيل وحظر في الخليج
من جهة أخرى، أكدت الحكومة التركية رفض السعودية فتح مدارس تابعة لتنظيم فتح الله غولن على أراضي المملكة، وأن المعلمين المنتمين للتنظيم الموازي الذين تم رصدهم في السعودية كانوا قد حاولوا التغلغل داخل مدارس تركية تابعة للحكومة ومخصصة لأبناء الجالية التركية. وأشارت إلى أن تلك المدارس حاصلة على التراخيص اللازمة من وزارتي التعليم في السعودية وتركيا.
وفي هذا الشأن، قال القنصل التركي في جدة فكرت أوزر لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة التركية رصدت العام الماضي 22 شخصًا ينتمون إلى تنظيم فتح الله غولن من منتسبي التعليم ما بين إداريين ومعلمين في ثماني مدارس تركية في السعودية تابعة لوزارة التعليم التركية. وبين أنهم انضموا إلى المدارس الثماني، دون أن يكشفوا عن توجهاتهم المناهضة للحكومة الشرعية في تركيا، بعد أن يئسوا من سماح السعودية بفتح مدارس تابعة لأعداء تركيا.
وأمام ذلك، وفقا لأوزر، عمدت الحكومة التركية إلى «إنهاء خدمات المعلمين المتورطين بأفكار هدامة من أتباع غولن»، مبينا أن المعلمين المتورطين بالانتماء للكيان الموازي تمت إعادتهم إلى تركيا في فترة سابقة من العام الماضي. وركز على أنه «فور معرفة حقيقة انتمائهم تم فصلهم وإعادتهم إلى تركيا».
وشدد أوزر على أن السعودية وتركيا حريصتان على عدم وجود أي منتسبين من التعليم في المدارس التركية في السعودية ينتمون لهذا التنظيم، وأنه في حال اكتشاف انتماء أحد منهم سيتم فصله وإعادته إلى تركيا على الفور. ولفت إلى أن دول الخليج لم تسمح بفتح هذه المدارس على أراضيها، وأن إمارة أبوظبي كانت قد سمحت بفتح مدرسة ولكن تم إغلاقها بعد أقل من سنتين وإعادة الطاقم الذين كانوا يعملون فيها إلى تركيا.
وبين القنصل التركي أن فتح الله غولن استطاع فتح 4 مدارس من مدارسه في اليمن، ولكنها توقفت مع الحرب، يوجد ثلاث منها في صنعاء وواحدة في عدن، تم مغادرة منتسبيهم إلى تركيا أثناء الحرب.

مدارس غامضة.. وتحقيق فيدرالي لم يكتمل
في عام 2011، كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرا عن ظاهرة جديدة في عالم المدارس الخاصة، عن مدارس إسلامية تنتشر في عدة ولايات أميركية، خصوصًا ولاية تكساس. كان عنوان التقرير: «مدارس خاصة لها صلة بحركة دينية في تركيا تنتشر في ولاية تكساس». وبحسب التقرير، كانت توجد أكثر من 120 مدرسة «تركية»، 33 منها في ولاية تكساس. وفي الوقت ذاته، نشرت صحيفة «فلادلفيا انكوايرار» تقريرا عن وجود 20 مدرسة في ولاية بنسلفانيا.
ورغم أن غولن كان موجودا في الولاية في ذلك الوقت لم يركز عليه التقرير. لكن، لاحظت الصحيفة أن «المدارس التركية» تستخدم مدرسين أجانب، ومن تركيا بصورة خاصة، يأتون إلى الولايات المتحدة بتأشيرة «إتش 1 بي» (عمل مؤقت).
وكان سبب نشر التقرير تحقيقات أجرتها «إف بي آي» بالتعاون مع وزارة التعليم الفيدرالية عن ممارسات فاسدة في منح هذه التأشيرة. واكتشف المحققون أن المدرسين الذين يأتون بهذه التأشيرة يتبرعون بنسبة كبيرة من رواتبهم للجهات التي تحضرهم.
لكن، لم تستمر التحقيقات لسببين: أولا: لم تعثر السلطات الأميركية على دليل بوجود «نشاط إرهابي»، ثانيا: لم تعثر على دليل بوجود «أجندة دعوية» في المقررات المدرسية.
وفي عام 2012، ازدادت شهرة غولن بعد أن ظهر في مقابلة في برنامج «60 دقيقة» (برنامج تحقيقات صحافية). وحينها، قال الداعية إن المدارس ليست دينية، ولا حتى إسلامية. ونفى وجود صلة مباشرة بينه وبين المؤسسات التي تديرها. وأشار إلى أسماء المؤسسات التي تديرها: «هارموني» (الود)، و«كوزموس» (الكون)، و«هورايزون» (الأفق). وقال إنها «أسماء غير إسلامية»، وقال إن المدارس تركز على الأحياء الفقيرة، وعلى تدريس الرياضيات والعلوم.
لكن، قال معلق خلال المقابلة، إن «السرية التي تدار بها المدارس، وعزلة صاحبها (غولن)، تشجع الذين يقولون إنه يريد السيطرة على تركيا من الولايات المتحدة، أو السيطرة على العالم، في شكل (خلافة إسلامية)»، بحسب قوله.
في الشهر الماضي، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية تقريرًا ربط المدارس مباشرة مع غولن. إلى ذلك قال جوشوا هندريك، أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوليولا (ولاية ماريلاند)، ومؤلف كتاب: «غولن: السياسات الغامضة للإسلام الاقتصادي في تركيا والعالم»، الأسبوع الماضي، إن نجاح المدارس يعود إلى الأساتذة الذين يتطوعون للعمل في أماكن بعيدة (مثل دول في أفريقيا)، مقابل رواتب منخفضة، ثم يتبرعون بجزء كبير من هذه الرواتب لصالح حركة «خدمة» التي تدير المدارس. وقال إن غولن كان حليفا للرئيس التركي إردوغان في انتخابات عام 2002 (التي كانت بداية حكم حزب العدالة والتنمية). لكن «يبدو أن زيادة قوة غولن في تركيا وفي العالم فرقت بينهما».

«الغولونيون» على قائمة التطرف في روسيا
يُطلق في روسيا على أتباع غولن «الغولونيون»، أو أتباع حركة «نورغولار»، وقد ظهر هؤلاء مطلع التسعينات عندما بدأت شركات تابعة لفتح الله غولن بالتغلغل في مشاريع اقتصادية وافتتاح مؤسسات تعليمية (إسلامية) في الجمهوريات السوفياتية السابقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
وفي إطار هذا النشاط افتتح غولن مطلع التسعينات من القرن الماضي، مدارس له في عدد كبير من «الجمهوريات القومية الروسية» مثل تتارستان، وباشكيرستان، وداغستان، وفي خاكاسيا شرق روسيا، فضلا عن مدارس في المدن الكبرى مثل موسكو، ويكاتيرينبورغ، وبطرسبورغ. كما افتتح مدارس في القرم (عندما كانت تابعة لأوكرانيا) حيث تعيش تاريخيا هناك أعداد كبيرة من التتار.
إلا أن عمل تلك المدارس والمعاهد، مثل مجمل نشاط المنظمات والجماعات التابعة لغولن لم تستمر لفترة طويلة في روسيا. وفي عام 2002 اتهمت هيئة الأمن الفيدرالي الروسي (الكي جي بي سابقًا) المجموعات التي تعمل ضمن نشاط غولن في روسيا بأنها «تقدم الدعم للعصابات المسلحة في الشيشان، وتمارس التجسس وجمع المعلومات لصالح أجهزة استخبارات خارجية، وعملت على تشكيل (لوبي) في مؤسسات السلطة المحلية»، وفق ما أعلن نيكولاي باتروشيف مدير هيئة الأمن الروسية حينها.
وقال إن تلك الجماعات مارست نشاطها في روسيا عبر شركات تجارية ومؤسسات أخرى افتتحتها في البلاد. وبعد تلك التصريحات تم ترحيل 20 مواطنا تركيا على صلة بتلك الجماعات ما بين عامي 2002 و2004، وفي عام 2007 غادر الأراضي الروسية 41 معلما تركيا بطلب من النيابة العامة في جمهورية تتارستان العضو في الاتحاد الروسي، وتم إغلاق كل المؤسسات التي أشار إليها الأمن الروسي بما في ذلك مدارس فتح الله غولن. كما صُنفت حركة «نورغولار» على أنها حركة متطرفة، وتم حظر أدبيات كثيرة من مؤلفات بديع الزمان النورسي، الذي تشكل أدبياته أساسًا لنهج وأفكار فتح الله غولن ونشاطه في العالم.

باكستان.. وكردستان العراق
في هذه الأثناء، خرجت سلسلة مدارس «باك ترك» التركية في باكستان بتصريحات لتنأى بنفسها عن عملية التخطيط المزعومة لمحاولة الانقلاب في تركيا. وجاءت التصريحات عقب مطالبة الحكومة التركية نظيرتها الباكستانية بإغلاق 13 مدرسة تديرها جمعية خيرية تركية يعتقد ارتباطها بفتح الله غولن.
وفي تصريح رسمي، قال مسؤول بسلسلة مدارس وكليات «باك ترك» الدولية الواقعة في منطقة «إتش 8» بمدينة إسلام آباد: «لقد انزعجنا بشدة من المزاعم المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي حاولت الربط بين سلسلة مدارس وكليات باك ترك الدولية في باكستان وفتح الله غولن، والتحرك السياسي المشئوم والمشجوب في تركيا الذي نسب إليه أخيرا».
أضاف المسؤول أن المدرسة تود أن توضح وبشكل جلي أن سلسة مدارس وكليات باك ترك الدولية في باكستان لا تربطها أي صلة مع أي شخص أو حركة أو تنظيم، سواء سياسي أو خيري، وليست لنا أي علاقة مالية بأي جهة كانت. وأضاف المسؤول بالمدرسة: «إدارة سلسلة المدارس تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في هذا الصدد».
وامتلأت وسائل الإعلام الباكستانية بالقصص عن الصلة المزعومة بين المؤسسة التركية التي تدير سلسة مدارس باك ترك في باكستان والداعية الإسلامي الذي يعيش في المنفى، وذلك بعدما طالب السفير التركي في إسلام آباد الحكومة الباكستانية بإغلاق جميع فروع مدارس باك ترك بسبب ارتباطها بـ«الكيان الموازي».
وفي السياق ذاته، طالب السفير التركي وبعض المسؤولين التركيين علانية، أثناء زيارتهم لباكستان، الحكومة الباكستانية بإغلاق مدارس وكليات «باك ترك». وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، قال مسؤول بإدارة المدرسة إن «السلطات الباكستانية لم تطالب إدارة المدرسة باتخاذ أي إجراء حتى الآن، لكننا قلقون من التقارير المتداولة في الإعلام التي توقعت إغلاق المدرسة بالقوة».
وفي إقليم كردستان العراق، وفي خضم الحرب الداخلية التي كانت تدور رحاها بين الحزبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) بدأت مؤسسة «فزالر» للتربية والتعليم العائد للداعية التركي فتح الله غولان عملها في الإقليم من خلال افتتاح أول مدرسة ثانوية في مدينة أربيل تحت اسم كلية عشق (ئيشق) أي «النور» بالتركية، ومن ثم اتسع عمل هذه المؤسسة فافتتحت كثيرًا من الثانويات والمدارس الخاصة بالبنات والبنين ومدارس ابتدائية ورياض الأطفال.
ورغم التوترات التي شابتها العلاقات بين إقليم كردستان وتركيا خلال تسعينات القرن الماضي، فإن عمل هذه المؤسسة التعليمية لم يتأثر بها، بالعكس، استمرت في التوسع والتطور، لكن الانقلاب الفاشل الذي شهدته واتهام حركة الخدمة بالوقوف خلفها عرض هذه المدارس في كل أنحاء العالم، بما فيه إقليم كردستان لتهديد الإغلاق.
إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان، سفين دزيي، في تصريحات صحافية إن المدارس المرتبطة بالداعية ستصبح تابعة لوزارة التربية في الإقليم. في غضون ذلك، ذكر بيان لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة إقليم كردستان، حصلت «الشرق الأوسط»، على نسخة منه، إن «أي قرار يُصدر من قبل الوزارة بصدد جامعة عشق سيُراعى فيه مصلحة الطلبة واستمرارية العملية الدراسية».
ووفقا لإحصاءات نشرتها مؤسسة «فزالر»، وحصلت «الشرق الأوسط» عليها، فإن ما يقرب من 14 ألف طالب يتلقون التعليم في 33 مركزًا تعليميًا تابعًا لها في العراق، تنتشر في مدن أربيل والسليمانية ودهوك وسوران وحلبجة وكركوك، إضافة إلى بغداد والبصرة. ويحتضن الإقليم نحو عشرين مدرسة من مدارس النور التابعة لمؤسسة «فزالر» (موزعة ما بين مدارس ابتدائية ومتوسطة وابتدائية ورياض أطفال) وجامعة عشق الموجودة في مدينتي أربيل والسليمانية، فيما يبلغ عدد طلاب هذه المدارس والجامعات في الإقليم نحو 13 ألف طالب. وأنشأت المؤسسة في عام 2008 جامعة عشق التي توفر خدمة تعليمية في 6 كليات مختلفة لنحو 2350 طالب وطالبة.
وبحسب مصادر في إدارة مؤسسة «فزالر»، فإن مدارسها ومناهجها تخضع إلى رقابة الإشراف التربوي التابع لوزارة التربية في حكومة إقليم كردستان منذ تأسيسها حالها حال المدارس الحكومية الأخرى في الإقليم.

مفارقات السياسة تمنح المدارس قبلة الحياة في مصر والشمع الأحمر بالسودان
خلال السنوات التي أعقبت الإطاحة بنظام الرئيس المصري محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان، ظلت مدارس صلاح الدين التركية في القاهرة تحت مجهر السلطات المصرية التي توترت علاقتها بشدة مع النظام التركي الذي ألقى بثقله على الساحة الدولية لدعم جماعة الإخوان، لكن مفارقات السياسة كانت كفيلة بأن تمنحها قبلة الحياة.
وبينما سعت إدارة المدرسة التركية ذات التعليم الأميركي بصبغته «إسلامية»، إلى نفي أي علاقة لها بجماعة الإخوان المسلمين «المحظورة» في مصر، جاءت حقيقة تبعيتها لحركة «الخدمة» بقيادة فتح الله غولن لتنقذها من ذلك الاتهام، ولتفتح صفحة جديدة من الثقة مع السلطات المصرية.
يقول أحمد نظاروف، مدير العلاقات العامة بالمدرسة لـ«الشرق الأوسط» في «أعقاب الانقلاب الفاشل في أنقرة، طلبت السلطات التركية من القاهرة، إغلاق المدارس، ضمن الحملة الحالية لمطاردة أي أشخاص أو مؤسسة متهمة بدعم محاولة انقلاب يوليو الماضي، غير أن الحكومة المصرية رفضت ذلك الطلب، وأكدت التزام المدرسة بالمعايير التعليمية المصرية، وعدم رصدها أي مخالفات بشأن نشاط المدرسة التعليمي أو المالي».
وتأتي المدرسة ضمن سلسلة مدارس يمولها رجال أعمال أتراك بتوجيهات من الداعية الإسلامي غولن، بهدف الجمع ما بين التعليم بالمناهج الأميركية وتدريس الدين الإسلامي وتحفيظ القرآن.
وتأسست مدارس صلاح الدين في مصر عام 2009، وخلال السنوات الماضية اكتوت المدرسة بنار السياسة، في ظل القطيعة السياسية بين القاهرة وأنقرة، عقب ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 في مصر، ودعم تركيا لجماعة الإخوان، التي تم تصنيفها جماعة «إرهابية» في مصر. لكن نظاروف، والذي يتحدث العربية بطلاقة، قال إن «مدارس صلاح الدين تتبع حركة (الخدمة)، لكنها مستقلة ماليا وإداريا، وليس لها أي صلة مباشرة مع غولن».
وتقع المدرسة في مدينة القاهرة الجديدة شرق العاصمة، وتخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم في مصر، شأنها شأن جميع المدارس الدولية ذات المصاريف المالية المرتفعة نسبيا. ويدير المدرسة حاليا التركي حمزة أكصوي، ويصل عدد الطلاب بها أكثر من ألفي طالب. وتعد المدرسة التركية الوحيدة في البلاد.
ولم يكن هذا الحال في السودان، ففي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، أغلقت الحكومة السودانية مدرستين إحداهما مدرسة (عبد الله ابن أبي السرح العالمية) بالخرطوم، وهما مملوكتان للكيان الموازي وحولت إدارتها لشركة سودانية خاصة للحفاظ على مصالح طلابهما. ومن المتوقع وصول وفد من وزارة التعليم التركية لبحث مصير المدرستين اللتين أغلقتهما حكومة الخرطوم وفقًا لقرار رئاسي جاء استجابة لطلب حكومة أنقرة.
ورغم أن المسؤولية عن هذه المدارس تقع على وزارة التربية والتعليم السودانية، فإنها لم تقدم أية تفاصيل عن كيفية التصرف في ملكيات خاصة، وهو ما يتوقع بحثه مع وفد تعليمي تركي أعلن سفير أنقرة في الخرطوم جمال الدين آيدين عن قرب وصوله.
ومن جانبه، قال وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور إن الرئيس البشير أصدر قرارًا بإغلاق جميع ممتلكات غولن في البلاد ومن بينها شركات واستثمارات، بما في ذلك بتحويل المدارس الإسلامية التركية إلى القطاع الخاص بوزارة التعليم السودانية.
ونقل عن المتحدث باسم الخارجية السودانية السفير قريب الله خضر، أن الحكومة التركية طلبت من الخرطوم إغلاق مدارس غولن، وأن وزارته أبلغت وزارة التربية والتعليم المختصة، وهما مدرستان يدرس فيهما أكثر من 800 طالب من جنسيات مختلفة معظمهم سودانيون، وأوضح أن وزارة التربية ومنعًا لتضرر الطلاب حولتهما إلى مدرستين تديرهما شركة سودانية مما يمثل قوة العلاقة بين البلدين.

 

مدرسة في لندن يديرها رجال أعمال أتراك مناهضون لحكومة إردوغان

باحث في الشؤون التركية لـ «الشرق الأوسط» : رأسمال «الكيان الموازي» بات يبلغ 150 مليار دولار
تحوم عدة نظريات وتسريبات وشبهات حول مدارس فتح الله غولن حول العالم، ولكن هناك أمورًا ثابتة عنها، إذ يقول الدكتور سعيد الحاج الباحث في الشأن التركي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه «على مدى سنوات طويلة جدا، حصلت تلك المدارس على الدعم من الحكومة التركية وتسهيلات وأراضٍ من سفاراتها في الخارج باعتبارها كانت تعد قوة ناعمة للبلاد وحتى كانت تسمى المدارس التركية باسم عام لأنها كانت تمثل البلاد». ويضيف: «شملت التسهيلات أيضًا تيسير المناهج وتسفير الطلاب برحلات لتركيا لحضور مناسبة سنوية تحت اسم (أولمبياد اللغة التركية) يشترك فيها طلاب من مختلف دول العالم يرتادون هذه المدارس يقولون الشعر والنثر باللغة التركية، فكان هناك احتفاء واحتواء رسمي لهذه المدارس».
نشرت هيئة «مواطنون ضد جماعات الضغط الخاصة (لوبي) في المدارس» التي تنشط في أميركا قائمة غير رسمية تدرج فيها المدارس التابعة لحركة غولن حول العالم. ومع أن القائمة غير رسمية، فإنها تكشف مدى توغل الكيان الموازي في السلك التعليمي بمختلف دول العالم. وعن سهولة ذلك، يقول الدكتور الحاج: «حتى في الدول الأجنبية كان هناك تسهيلات كبيرة جدا باعتبار أن هذه المؤسسات غير ربحية فمعفاة من الضريبة». ويوضح مستطردًا: «كثير من الدول كانت تمنح تلك المدارس أراضي من دون مقابل، كهبة أو منحة. إما عن طريق الدولة بشكل مباشر أو عن طريق رجال أعمال يرون في هذه المدارس مشروعًا تعليميًا وخدميًا».

مدرسة «نورث لندن غرامر سكوول».. تحقيق مفصل
وفي قائمة الهيئة غير الرسمية ثلاث مدارس في بريطانيا. اختارت «الشرق الأوسط» أن تسلط الضوء على أكبر مدرسة من الثلاث. مدرسة «نورث لندن غرامر سكوول» الواقعة شمال العاصمة البريطانية موثقة في السجلات الحكومية البريطانية جمعية خيرية تساعد «أناسًا معينين من عرق إثني معين»، بحسب الموقع الحكومي الرسمي.
وسميت المدرسة عند تأسيسها عام 2006 «ويزدوم سكوول» أي مدرسة الحكمة. وغير مجلس الامناء اسمها مع نقلها إلى الحرم الجديد عام 2014 إلى «نورث لندن غرامر سكوول».
ويوفر الموقع جميع أوراق المدرسة الرسمية من أوراق تسجيل المدرسة إلى تقرير حساباتها ونفقاتها السنوي.
وتباينت بعض بنود أوراق التسجيل مع سجل الحسابات المتوفر على الموقع الإلكتروني الحكومي. فمع أن أوراق التسجيل تؤكد أن «معظم تمويل المدرسة يؤمن من خلال دفعات أقساط الطلبة». إلا أن حساباتها للسنة المالية 2014 - 2015 تكشف أن الكم الأكبر من التمويل الذي يبلغ أكثر من 4 ملايين جنيه إسترليني مصدره «عطاءات وتبرعات خيرية» من ممول مجهول.
ولكشف تلك الملابسة، اتصلت «الشرق الأوسط» بهيئة تنظيم الجمعيات الخيرية في بريطانيا، وأكد متحدث باسم الهيئة أن «الجمعيات الخيرية في بريطانيا غير ملزمة بالإفصاح عن مصدر التبرعات التي تصلها ولكنها ملزمة بإدراجها في حساباتها السنوية». وفي سياق متصل، يشير الدكتور الحاج إلى أن تمويل المدارس ذات الانتماء لفكر «الكيان الموازي» له ثلاثة أبعاد: «البعد الأول هو أن تكاليف تشغيل المدارس ليست باهظة بسبب وجود التسهيلات المذكورة سابقا، ودعم رجال الأعمال الأتراك»، ويضيف: «البعد الثاني هو أن هذه المدارس هي مشاريع استثمارية تتقاضى رسومًا باهظة من أهالي الطلبة ولذلك تنفق على نفسها».
ويستطرد موضحًا: «أما البعد الثالث، وهو الأهم، فإن الكيان الموازي تحول لإمبراطورية ضخمة من مؤسسات مالية وإعلامية وشركات قابضة تتضمن أكثر من 9 آلاف شركة على مستوى العالم». ويردف مؤكدًا: «صحيفة الادعاء كانت قد نشرت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة أن رأسمال الجماعة بات يبلغ 150 مليار دولار، وبالتالي ليس لديهم مشكلة كبيرة بالتمويل فلديهم بنوك وشركات تصرف على المشاريع بالإضافة للإمبراطورية الإعلامية التي يملكونها».
وبخصوص مناهج مدرسة «نورث لندن غرامر سكوول» وآلية عملها للتحقق ما إن كانت توفر أفضلية للطلاب الأتراك، وتمارس نوعًا من الدعوة المباشرة، تواصلت «الشرق الأوسط» مع هيئة تقييم المدارس البريطانية (أوفستيد) التي أكدت بدورها أنها قامت بزيارة المدرسة والتحقق من مناهجها، وأن المدرسة نجحت بالحصول على تقييم «جيد». وعند سؤال «أوفستيد» عن سر تمويل المدرسة عن طريق التبرعات «السخية جدا»، وعن بند تأسيسها لدعم فئة معينة، لم يملك المتحدث باسم «أوفستيد» الإجابة، ونصح بالتواصل مع وزارة التعليم في بريطانيا. وعند تواصل «الشرق الأوسط» مع وزارة التعليم، أكدت الوزارة أن المدرسة خاصة ولا تتبع الوزارة، ولا سلطة عليها. مما أثار كثيرًا من الشكوك.
وحققت «الشرق الأوسط» في هويات مجلس إدارة المدرسة، لتكتشف أن عضوًا واحدًا على الأقل من مناهضي نظام إردوغان. وتأكد ذلك من خلال تغريداته على موقع «تويتر»، ففي إحدى التغريدات، نشر هذا العضو صورة تُشبِّه إردوغان بهتلر. وعندما تواصلت «الشرق الأوسط» مع هذا العضو الذي فضل عدم الكشف عن هويته، قام بتحويل الأسئلة لمدير المدرسة هاكان غوك. وعندما جرى التواصل مع غوك بالبريد الإلكتروني قام بالإجابة عن بعض الاستفسارات.
وأكد غوك لـ«الشرق الأوسط» أن «المدرسة مدرجة جمعية خيرية لأنها تساعد الطلبة من كل الأعراق والأديان لتوفير تعليم متكامل ومتميز لهم بالتركيز على المواد العلمية كالرياضيات والعلوم». وأضاف: «مع أن المدرسة قامت باجتذاب الطلبة الأتراك في بادئ الأمر، فإنها باتت تحتضن طلبة من جنسيات وأديان متنوعة من أكثر من 15 دولة ونقل حرم المدرسة إلى حي هندون الذي لا تسكنه غالبية تركية ساعد على ذلك».
وعن مصادر تمويل المدرسة، قال غوك إن معظمها يأتي من أقساط الطلبة، وبرر سبب ارتفاع التبرعات في السنتين الماليتين 2013 - 2014 و2014 - 2015 على أنها نفقات نقل حرم المدرسة إلى منطقة هندون. وعن محتوى المناهج واحتمالية وجود دعوة مباشرة فيها، نفى مدير المدرسة ذلك، وشدد على أن المناهج تركز على المواد العلمية. إلى ذلك، يقول الباحث الدكتور الحاج: «المناهج في تلك المدارس حسبما ذُكر في تقارير كثيرة لا تدعو لفكر معين أو لدعوة إسلامية معينة ينشرها فتح الله غولن. بالعكس تمامًا حتى كثير من هذه المدارس تعلم باللغة الإنجليزية عوضًا عن التركية. وبالتالي الأساس لهذه المدارس ليس قوة تركية ناعمة ولا حتى فائدة بشكل مباشر تصب في تضخيم عدد أبناء فكرة إسلامية معينة».
وعند سؤال مدير المدرسة إن كانت تنتمي لفكر «الكيان الموازي»، طلب وبحرارة عدم ربطها مع الداعية غولن، خصوصًا في ظل اتهامه بتسيير محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. ولكنه أرفق في الرسالة الإلكترونية التي أرسلها ردًا على أسئلة «الشرق الأوسط» وثيقة تدعم حركة غولن ومدارسه. وتقول الوثيقة: «مدرسة نورث لندن جرى افتتاحها من قبل رجال أعمال بريطانيين مؤمنين بتعاليم حركة (الخدمة)، وأهمية مساعدة الطلاب في تلقي تعليم متميز». وتضيف الوثيقة: «تعاليم حركة (الخدمة) تقوم على أسس غير ربحية وتعمل على توفير جو يشجع التعايش بين كل الأطياف والإثنيات، وهذا هو الأمر الوحيد من الكيان الموازي الذي تبنته هذه المدرسة».
وحول أسباب نأي المدرسة بنفسها من حركة غولن يقول الباحث الحاج: «في طبيعة الحال هذا له سببان: الأول طبيعة الجماعة التي تتبع التقية السياسية والسرية التامة ولا تعلن ولاءها ولا أفكارها ولا آيديولوجياتها وسرية تمامًا، ودائمًا لم يكونوا يقولون إنهم تابعون لغولن بل يقدمون أنفسهم كمدارس تركية على مستوى العالم تعطي صورة حضارية عن الدولة التركية وقوة ناعمة والحوار مع الآخر والتعايش والتقارب... إلخ الشعارات الكبيرة هذه.. فهم لا يعتبرون أنفسهم تابعين لغولن». ويضيف: «أما السبب الثاني فهو أن هذه الجماعة دخلت في مواجهة مع الحكومة التركية في 2013 وأخيرا بعد محاولة الانقلاب بات الكيان الموازي مصنفًا كتنظيم (إرهابي)، وبات مراقبًا وملاحقًا في تركيا وفي كثير من الدول باعتبار أن علاقات تركيا الدبلوماسية باتت تعمل لصالح إغلاق المدارس أو وضع اليد عليها». ويستطرد: «لذلك من الطبيعي والمتفهَّم أن القائمين على المدارس ينفون صلتهم بغولن حفاظا على أنفسهم ومشاريعهم ومدارسهم بطريقة أو بأخرى».

الكيان الموازي جماعة نخبوية غامضة
ما تبين من تحقيق «الشرق الأوسط» في تلك المدرسة التي لم يكن بمقدورها ولا بمقدور الحكومة البريطانية تحديد تمويلها ولا ولائها بشكل مباشر، يصبح من مقدورنا التأكيد على سرية آلية هذه الحركة التي توغلت عالميًا. وغموضها يقف في وجه محاولات الحكومة التركية بالقضاء عليها. ويقول الحاج: «طريقة عمل جماعة الخدمة (الكيان الموازي) هو زيادة عدد الأنصار واختيار نماذج مميزة تحديدًا تنضم لمؤيدي الكيان. أسميها (الماسونية الإسلاموية) لأنها تعتمد على اختيار النابغين الأذكياء الأغنياء وترتيب الولاء لهم، وليس الضرورة التفكير بطريقة معينة».
ويضيف: «بالتالي هذه المدارس في كثير من الدول تهتم بأبناء المسؤولين والدبلوماسيين والأغنياء. وهي باب أو مدخل لزيادة نفوذ الجماعة فضلاً عن أن أحد أهم أسباب تخوف الحكومة التركية من تلك المدارس أنها تفتح علاقات خارجية ودعمًا لـ(الكيان الموازي) من دول مختلفة».
ويكشف الباحث أن «هناك نظرية أيضًا بأن هذه المدارس تنشط في منطقة آسيا الوسطى وفي أفريقيا، المناطق التي لا تنشط فيها الاستخبارات الأميركية. وهذا الكلام فيه أساطير وفيه حقيقة. مثلا المؤسسات التابعة لغولن في الولايات المتحدة فيها مئات المدارس بمختلف الولايات موجودة على قائمة المؤسسات التي تساعد الاستخبارات الأميركية. هذا التعاون موجود وموثَّق». ويؤكد: «حتى، للمثال، عندما واجه فتح الله غولن مشكلات في الإقامة طلب منه بعض أوراق التوصية، أحضرها من مسؤولين سابقين في المخابرات الأميركية، وقالوا إن هذا داعية، ويعمل على الحوار بين الأديان وهذا بُعد آخر من تخوف الحكومة التركية من هذه المدارس، رغم أنها ليست أولوية. الأولوية للحكومة التركية القضاء على المدارس في الداخل باعتبارها التي تفرخ أنصارًا لـ(الكيان الموازي) بطريقة أو بأخرى، وتعتبر مصدر تمويل لهم. تدعم الكيان الموازي بالأنصار وتقدم لهم تمويلا لأنها تأخذ رسومًا باهظة من الطلاب».
ويستطرد أخيرًا: «في الخارج تكمن قوتها في تعبيد الطريق لعلاقات بين الكيان والحكومات الأجنبية، وترى الحكومة التركية أن تلك المدارس تعمل ضد صالح تركيا في كثير من الملفات السابقة، بما فيها التنصت على مسؤولين أتراك، فكانت الحكومة التركية تتهم الكيان الموازي بتسريب هذه المعلومات وإعطائها لجهات خارجية، وكان يقصد بها إما الولايات المتحدة أو إسرائيل».

كشف حسابات المدرسة لعام 2014 يكشف استلامها تبرعات من مصدر مجهول بقيمة 4 مليون جنيه استرليني (موقع هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية في بريطانيا)



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.