وزير خارجية فرنسا: روسيا لا تستطيع الاستمرار في اعتماد «لغة مزدوجة»

مصادر دبلوماسية لـ «الشرق الأوسط»: ثمة «علامات استفهام» بشأن ما يدور بين كيري ولافروف

وزير الخارجية الفرنسي جان مارك (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان مارك (إ.ب.أ)
TT

وزير خارجية فرنسا: روسيا لا تستطيع الاستمرار في اعتماد «لغة مزدوجة»

وزير الخارجية الفرنسي جان مارك (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان مارك (إ.ب.أ)

تنطلق غدا الاثنين النسخة الرابعة والعشرون لمؤتمر السفراء الفرنسيين في العالم، التي تعد فرصة لمجموعة من اللقاءات والنقاشات الخاصة بتوجهات الدبلوماسية الفرنسية. وكما في السنوات الأربع الماضية، سيشكل خطاب فرنسوا هولاند، رئيس الجمهورية الفرنسي، قبيل ظهر الثلاثاء القادم مراجعة لسياسة فرنسا الخارجية إزاء القضايا الساخنة عبر العالم، وعلى رأسها الحرب في سوريا والإرهاب والهجرات الكثيفة باتجاه أوروبا وحالة الاتحاد. إلا أنه يشكل في الوقت عينه ما يمكن تسميته «خريطة طريق» لمهام السفراء الفرنسيين وللأولويات السياسية والاقتصادية التي سيتركز عليها عملهم للأشهر المقبلة.
لهذا العام، عمدت وزارة الخارجية، التي يديرها الوزير جان مارك إيرولت، إلى اقتراح ثلاثية قوامها «الأمن، المناطق (الفرنسية)، وأوروبا» ستدور حولها الفعاليات المفتوحة. لكن الأهم منها ما سيجري في لقاءات مغلقة بين السفراء الفرنسيين وإداراتهم المركزية للنظر في فعالية العمل الدبلوماسي وما يتعين التركيز عليه أو إعادة النظر فيه. وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن المؤتمر «سيكون فرصة للتعمق في سياساتنا وللنظر فيما هو ناجح وفاعل وفيما هو أقل نجاحا».
ومن أبرز المناقشات التي ستجري على هامش المؤتمر وبعيدا عن أعين الصحافة، تلك التي ستحدث في اجتماع السفراء الفرنسيين في منطقة الشرق الأوسط صباح الاثنين في مقر وزارة الخارجية، والتي سيكون على رأسها الملف السوري الذي شهد في الأسابيع الأخيرة تطورات رئيسية، ليس أقلها التدخل التركي المباشر في الحرب والمواجهة التي كادت أن تحصل في أجواء الحسكة بين الطيران الحربي السوري والأميركي، والجدل الذي ثار بين موسكو وطهران حول انطلاق القاذفات الروسية من مطار إيراني، وأخيرا اجتماع جنيف المطوّل يوم الجمعة الماضي بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف.
يستشف من الاتصالات التي أجرتها «الشرق الأوسط» مع دبلوماسيين فرنسيين أن باريس المتمسكة بثلاثية وقف الأعمال العدائية وإيصال المساعدات الإنسانية لكل المناطق المحاصرة وصولا إلى عملية الانتقال السياسي، لا تزال تطرح كثيرا من «علامات الاستفهام» لما يدور بين واشنطن وموسكو وحول أهداف كل طرف. وهي تشدد على أن واشنطن «لا تزال عند مقاربتها السابقة، أي التركيز بالدرجة الأولى على محاربة (داعش) وإنزال الهزيمة به قبل نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما، وبالتالي، تأجيل النظر في الحل السياسي وتحديدًا مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى مرحلة لاحقة. وهو ما يعني عمليا أن واشنطن قابلة ببقائه، على الأقل في المرحلة الانتقالية». ولكن في المقابل، لا ترى واشنطن في الحرب السورية، بعكس النظرة الروسية «تحديا استراتيجيا رئيسيا». وأخيرًا فإن باريس «لا تتوقع» أن تشهد السياسة الأميركية إزاء هذا الملف «تحولاً رئيسيًا في الأشهر المقبلة»، وخصوصا أن الخط الحالي الذي يجسده الوزير كيري «يضع كل بيضه في السلة الروسية» ويراهن على موسكو للوصول إلى «مخرج» معقول.
من هذه الزاوية، ترى باريس أن الطرف الروسي في طريقه لفرض رؤيته على الجانب الأميركي، والدليل على ذلك أن الوزير كيري، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره لافروف «لم يأت بتاتا على ذكر مصير الأسد». بيد أن باريس تعتبر أن الثنائية الأميركية - الروسية «لا تمسك بكل مفاصل الملف السوري» بل إن للأطراف الإقليمية دورًا ميدانيًا وسياسيًا على السواء، الأمر الذي برز في حصار مدينة حلب ونجاح المعارضة الإسلامية والفصائل المقاتلة في فكه جزئيا بفضل الدعم العسكري القوي الذي تلقته من أطراف إقليمية.
بالنظر لهذا المعطى، تعتبر باريس أن دخول تركيا القوي على الخط «أحدث تحولات» ميدانية وسياسية. لكن لا تزال أهداف التدخل التركي المباشر في سوريا، تكتيكيا واستراتيجيا، موضع «تساؤلات» في العاصمة الفرنسية. وأول من أمس، اتصل الوزير إيرولت بنظيره مولود جاويش أوغلو للتشاور. وقال الوزير إيرولت، في حديث لصحيفة «لو موند» المستقلة، نشر أمس، إن بلاده تعتبر أنه «لأمر جيد أن تنخرط تركيا بوضوح في مكافحة (داعش) الذي يهاجمها بعنف» كما أنه لأمر «شرعي» أن تضمن أمن حدودها.
ولمزيد من الطمأنة، أعاد الوزير الفرنسي التأكيد على إدانة باريس للاعتداءات التي يرتكبها حزب العمال الكردستاني في تركيا. بيد أن باريس - وهي في ذلك قريبة في موقفها من موقف واشنطن - لا تريد إعطاء تركيا «شيكا على بياض» في الموضوع الكردي في سوريا. ومعلوم أن أنقرة تعتبر «داعش» وميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية - وبالتالي وليدتها ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» - تنظيمين إرهابيين. ومن هنا جاء التحذير «الغامض» الذي وجهه إيرولت لأنقرة بقوله إنه «يجب (على تركيا) الحذر من الغرق في العنف، ومن نزوع محتمل للرغبة في التعرض لجزء من المسألة الكردية في سوريا». ويعني كلام إيرولت أن على أنقرة ألا تستخدم «حجة» محاربة «داعش» لتصفية حساباتها مع الأكراد في سوريا. وجدير بالذكر أن باريس تقدم الدعم العسكري لأكراد سوريا، إن كان عن طريق تقديم السلاح والعتاد، أو تواجد مجموعة من المستشارين - والأرجح من قوات الكوماندوس الفرنسية - إلى جانب ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عصبها الأساسي.
وترى باريس أن الميليشيات الكردية تحارب «داعش» في سوريا بـ«فعالية»، وبالتالي يتعين، وفق الرؤية الفرنسية، الحفاظ على هذه الورقة الرابحة على أن تؤجل مسألة مصير أكراد سوريا إلى مرحلة ما بعد الحرب.
على صعيد آخر، حثّ الوزير إيرولت روسيا على «توضيح» موقفها من استخدام النظام السوري السلاح الكيماوي - كذلك «داعش» - وفق التقرير الدولي الصادر أخيرا. وأفاد إيرولت أن بلاده تعمل مع أطراف أخرى لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي تحت «الفصل السابع» يمكن أن ينص على فرض عقوبات على النظام السوري، كما أنها تعمل كذلك على نقل الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن. وفي الحالتين، سيكون موقف موسكو حاسما باعتبار أنها قادرة على استخدام حق النقض «الفيتو» لإجهاض قرار جديد ومنع نقل الملف للمحكمة الجنائية في لاهاي. ولذا، تعتبر باريس أن موسكو، وهي التي كانت صاحبة المبادرة عام 2013 لنزع السلاح الكيماوي للنظام السوري عقب استخدامه في ضرب الغوطتين الشرقية والغربية في صيف العام المذكور، مسؤولة عن تصرف النظام السوري وعن ضمان عدم لجوئه إلى هذا النوع من السلاح المحرم دوليا.
ويريد وزير الخارجية الفرنسي من موسكو أكثر من ذلك، وتحديدا «اغتنام الفرصة للعودة إلى المسار السياسي والخروج من فخ (المعالجة) العسكرية الذي وقعت فيه» في سوريا، باعتبار أن موسكو «شريك وليست خصما» في سوريا، حيث «تلعب دورا حاسما»، وبالتالي، يتعين، وفق إيرولت، العمل معها ومع المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا والأميركيين، للوصول إلى «حل سياسي». ورسالة فرنسا لموسكو هي: «أدينوا النظام وتوقفوا عن عمليات القصف، إذ لا تستطيع روسيا أن تستخدم لغة مزدوجة: فمن جهة، تريد الحل السياسي ولكنها، من جهة أخرى، لا تتحرك إلا عسكريا كأنها ترى أن الانتصار عسكريا أمر ممكن. النظام (السوري) لا يستطيع كسب الحرب، وثمة مصلحة في العودة إلى طاولة المفاوضات». واختتم إيرولت قائلا إن الملف السوري سيكون موضع محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في زيارته المقبلة لفرنسا خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.