خروج الدفعة الثانية من مدنيي داريا ومقاتليها.. وإدلب تستقبلهم استقبال الأبطال

«الائتلاف السوري» والمجلس المحلي للمدينة: الأمم المتحدة شريكة في عملية التهجير

سوريون في إدلب بعد خروجهم من داريا (رويتر)
سوريون في إدلب بعد خروجهم من داريا (رويتر)
TT

خروج الدفعة الثانية من مدنيي داريا ومقاتليها.. وإدلب تستقبلهم استقبال الأبطال

سوريون في إدلب بعد خروجهم من داريا (رويتر)
سوريون في إدلب بعد خروجهم من داريا (رويتر)

وصلت، صباح أمس السبت، الدفعة الأولى من مقاتلي الفصائل السورية المعارضة وعائلاتهم، ممن أجلوا من مدينة داريا المحاصرة المتاخة للعاصمة السورية دمشق، إلى مدينة إدلب بشمال غرب سوريا، وذلك تطبيقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه الخميس، وقضى بإخلاء المنطقة بالكامل من سكانها، بعد حصار القصف والقتل والتجويع الذي فرضه النظام السوري وحلفاؤه على مدى أربع سنوات.
وبينما انطلقت ظهر أمس الدفعة الثانية من المسلحين والمدنيين من داريا ضمن حافلات وسيارات إسعاف بإشراف من الأمم المتحدة والهلال الأحمر، اتفق «الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة» والمجلس المحلي لداريا، على التأكيد بأن الأمم المتحدة «شريكة في عملية التهجير التي حصلت برعايتها وتحت أنظارها». وأوضح ضياء الحسيني، الناشط الإعلامي في محافظة ريف دمشق - التي تتبعها داريا -، أن الدفعة الثانية من المدنيين والمسلحين انطلقت ظهر أمس من مدينة داريا نحو الشمال السوري، مشيرًا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «المدنيين الذين يُرحّلون إلى إدلب، هم عوائل الثوار الذين آثروا المغادرة مع أبنائهم». ولفت الحسيني إلى أن «نحو 3000 مدني ممن فضلوا البقاء في ريف دمشق نقلوا إلى بلدات صحنايا والكسوة وقدسيا، بعدما استخدمهم النظام ورقة ضغط لضمان خروج جميع الثوار إلى إدلب».
إلا أن الحسيني أبدى تخوفه من أن «يعود النظام إلى اعتقالهم في ظل غياب أي ضمانات»، وقال: «حتى مبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا عبّر عن قلقه على مصير مدنيي داريا». وفي غياب أي ضغط دولي تجاه سلوك نظام بشار الأسد في مناطق ريف دمشق، كشف الناشط الحسيني عن «خوف يجتاح سكان الغوطتين الشرقية والغربية من نقل نموذج داريا إلى مناطقهم»، لافتًا إلى أن «الهدف الثاني قد يكون معضمية الشام، وبعدها دوما وكفر بطنا وزملكا وغيرها، طالما أن النظام وجد في الحصار والتجويع والقتل بالبراميل المتفجرة والقنابل الحارقة سياسة رابحة». وتابع الحسيني: «داريا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة»، ورأى أن «أهم الوسائل لمواجهة هذا المخطط هو وحدة الفصائل الثورية لوقف هذا المخطط، وعدم الرهان على المجتمع الدولي المتآمر على الشعب السوري»، داعيًا فصائل الثوار في محافظة إدلب إلى «تطبيق معادلة داريا على بلدتي الفوعة وكفريا (الشيعيتين) وإفراغهما من سكانهما، وتسليمهما إلى أهالي داريا للإقامة فيها».
أما على صعيد وصول المرحّلين إلى إدلب، فقد أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أن «ست حافلات تقلّ 600 شخص بين مقاتلين ومدنيين، وعدد من سيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى والحالات المرضية، وصلت قبل الظهر (أمس) إلى مدينة إدلب». وأشار إلى أن «هذه الدفعة هي الأولى غداة بدء تنفيذ الاتفاق الذي توصل إليه النظام والفصائل، ويقضي بخروج 700 مقاتل إلى إدلب وأربعة آلاف من الرجال والنساء مع عائلاتهم، فضلاً عن تسليم المقاتلين لسلاحهم المتوسط والثقيل». وقال أحد مقاتلي الفصائل الذي كان ضمن القافلة لوكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب»، إن «قرار التوصل إلى الاتفاق مع الحكومة السورية على مغادرة داريا بعد صمود دام أربع سنوات، جاء نتيجة الوضع الإنساني المتدهور فيها والقصف المتواصل».
من جهة أخرى، أوضح الناشط في مدينة إدلب محمد عزام لـ«الشرق الأوسط» أن «داريا باتت عروس الشمال السوري». وأكد عزام - القريب من «جيش الإسلام» - أن «أهل إدلب استقبلوا ثوار داريا استقبال الأبطال، بعد صمود أسطوري استمرّ أربع سنوات، وسط تخاذل العالم كلّه»، وأشار إلى أن هؤلاء «لم يحملوا معهم إلا أسلحتهم الخفيفة، وذكرياتهم، بعدما تركوا خلفهم قبور الشهداء، وركام بيوتهم، بتآمر دولي لا مثيل له».
جدير بالذكر، أن داريا تحظى برمزية خاصة لدى المعارضة السورية، إذ كانت في طليعة حركة الاحتجاج ضد نظام بشار الأسد في (مارس) 2011. وهي أولى المناطق التي حوصرت في عام 2012، علمًا بأن أول قافلة مساعدات غذائية دخلت إليها كانت في يونيو (حزيران) الماضي.
وتعرضت مدينة داريا، خصوصًا في الأسابيع الأخيرة لقصف عنيف من قوات النظام بمئات البراميل المتفجرة وقنابل النابالم الحارقة. واتهمت المعارضة والفصائل قوات الأسد باستخدام سياسة الحصار لتجويع المناطق الخارجة عن سيطرتها وإخضاعها، بهدف دفع مقاتليها إلى تسليم سلاحهم.
وعن مستقبل مسلّحي داريا وما سيكون دورهم بعد وصولهم إلى إدلب، أشار محمد عزام إلى أن «وضع ثوار داريا لم يتبلور بعد، فهؤلاء يبلغ عددهم نحو الـ700 مقاتل، جلّهم ينتمي إلى لواء شهداء الإسلام». وأوضح: لقد حلّوا الآن في ضيافة الفصائل الثورية في إدلب مثل «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» و«فيلق الشام» والجيش السوري الحر، ومن المبكر معرفة خيارهم، لكنه أكد أنهم «سيواصلون عملهم النضالي سواء في إدلب أو حلب، لكن من المبكر معرفة قرارهم، سواء بالبقاء كلواء منفصل أو الاندماج في فصيل آخر».
بدوره أوضح الناشط الإعلامي المعارض في ريف إدلب، زيد الجبلي، أن «مراكز إيواء هي عبارة عن غرف مسبقة الصنع جهزتها لهم هيئات ومنظمات إنسانية قبل وصولهم إليها، ستكون نقطة تجمع للوافدين من داريا ريثما تصل الدفعة الثانية ليتم توزيعهم على مناطق محافظة إدلب، باستثناء بلدتي الفوعة وكفريا الخاضعتين لسيطرة النظام بريف إدلب الشمالي». ومما يذكر أن مقاتلي المعارضة الذين خرجوا إلى إدلب اصطحبوا أسلحتهم الخفيفة، لكنهم تركوا وراءهم السلاح الثقيل وأحرقوا الوثائق والأجهزة ووسائل التخزين الإلكتروني التي منعوا من إخراجها، في حين أعلن المجلس المحلي المعارض أن «غرفة طوارئ داريا» هي الجهة المفوضة والمعتمدة لتنسيق الجهود الإغاثية والإنسانية لاستقبال وتأمين أهالي داريا الذين خرجوا وسيخرجون منها باتجاه الشمال السوري.
في هذه الأثناء، اعتبر «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» أن نظام بشار الأسد «يسير وفق خطة ممنهجة لتهجير السكان حول دمشق، بهدف التغيير الديمغرافي وصولاً إلى التقسيم على أساس طائفي». ودان عضو «الائتلاف» خطيب بدلة «إجبار سكان داريا على الهجرة من أرضهم تحت التهديد بالإبادة، حيث كثف النظام قصفه بالبراميل المتفجرة والحارقة على داريا في الأشهر الماضية، وأحرق الأراضي الزراعية ومنع وصول القوافل الإغاثية للمدنيين داخل المدينة، التي يحاصرها هو والميليشيات الطائفية منذ أربع سنوات». وقال «بدلة» إن «أي مشروع يهدف لتقسيم البلاد لن يمر، وسيصطدم بإرادة الشعب السورية الذي لا يقبل بالتنازل عن وحدة سوريا كاملة أرضًا وشعبًا».
بدوره، شدد المتحدث باسم مجلس مدينة داريا المحلي، فادي محمد، على أن «المبعوث الأممي الخاص بسوريا ستافان دي ميستورا، على علم كامل بكل ما يجري في المدينة، ويرسل له مجلسنا تطورات وأحداث المدينة فور وقوعها»، مشيرًا إلى أن «البيان الذي أصدره، مساء الجمعة، يحاول فيه التملص من مسؤولية حماية أهالي داريا الذين هجّرهم نظام الأسد من مساكنهم». وحمّل فادي محمد الأمم المتحدة ودي ميستورا بشكل خاص، «مسؤولية سلامة المدنيين الذين نقلهم النظام إلى مناطق خاضعة لسيطرته بريف دمشق، لأنهما لم يستجيبا للمناشدات والنداءات المتكررة التي كان يطلقها المجلس المحلي، عند انتهاك النظام لوقف الأعمال القتالية، وسيطرته على الأراضي الزراعية، وتدميره المشفى الوحيد، واستهداف المدينة بمادة نابالم المحرمة دوليًا». وأكد أن «موظفين من الأمم المتحدة ووفدًا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر كانوا على علم بالمفاوضات وأشرفوا على عملية التهجير، ما يعني أن الأمم المتحدة حاضرة ولكنها تحاول أن ترفع يدها عن حماية السوريين الذين يهجرهم النظام برعايتها وتحت أنظارها»، معتبرًا أن «أهالي داريا استنفدوا جميع خياراتهم المتاحة، ليقبلوا بالخروج من مدينتهم مكرهين»، لافتًا إلى أن «النظام هدّد بإبادة المدينة بعلم الروس والأميركان الذين أشرفوا على عملية التفاوض».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.