أنقرة تدفع بمزيد من التعزيزات إلى الشمال السوري.. والمعارضة تمهل الأكراد 3 أيام للانسحاب شرقًا

مصادر ترجح أن يكون التوغل البري التركي خطوة باتجاه «المنطقة الآمنة»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

أنقرة تدفع بمزيد من التعزيزات إلى الشمال السوري.. والمعارضة تمهل الأكراد 3 أيام للانسحاب شرقًا

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونطيره الاميركي جون كيري أثناء لقائهما في جنيف أمس (أ.ف.ب)

واصلت تركيا يوم أمس الجمعة، الدفع بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى الداخل السوري، وبالتحديد إلى مدينة جرابلس الحدودية ومحيطها بأقصى شمال تركيا، ما يوحي بأن التواجد التركي في سوريا قد يستمر لفترة غير محدودة في ظل عدم استبعاد قوى المعارضة أن يكون التوغل البري لأنقرة خطوة باتجاه إنشاء «المنطقة الآمنة» التي كثر الحديث عنها في السنوات الخمس الماضية.
ناشطون أفادوا بأن أنقرة نشرت الجمعة 4 دبابات شوهدت تتجه صوب الحدود السورية بعدما جرى الدفع بأكثر من 10 دبابات يوم الخميس، وأشاروا إلى دوي انفجارات مصدرها جرابلس في مؤشر على استمرار العمليات فيها بعد إخراج تنظيم داعش منها بإطار عملية عسكرية مشتركة بين القوات التركية وفصائل الجيش السوري الحر بدعم جوي من التحالف الدولي.
وأعلن وزير الدفاع التركي، فكري إيشيك، أنه تم فرض السيطرة الكاملة على جرابلس، وأن قوات الجيش الحر بدعم تركي ماضية في تطهير محيط المدينة من مقاتلي التنظيم المتطرف. وأكد إيشيك أن العملية العسكرية حققت هدفين، الأول هو تأمين الحدود التركية، والثاني يتمثل بمنع وحدات حماية الشعب الكردية من الوصول إلى المنطقة.
وبهذا التدخل، منعت تركيا، أكراد سوريا من وصل مناطق نفوذهم في شمال شرقي البلاد في الحسكة وعين العرب (كوباني) بمنطقة عفرين الواقعة في شمال غربي ريف حلب، حيث بات الأكراد اليوم ملزمين بالبقاء شرق نهر الفرات، أي في عين العرب وريفها وامتدادًا إلى الحدود العراقية شرقًا، في حين بقي معقلهم الثالث في «جيب» عفرين، معزولاً في الغرب. أما قوات المعارضة، فقد وسّعت تمددها على الشريط الحدودي مع تركيا، بدءًا من جرابلس غرب نهر الفرات، وإلى العمق مسافة 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية، وهي تسعى لمواصلة المعارك غربا باتجاه محيط بلدة الراعي وريف مدينة أعزاز، لوصل مناطق نفوذها بأعزاز، ما يعني أنها تحاول التقدم غربا على طول 50 كيلومترًا. أما «داعش»، فهو موجود بريف جرابلس، وريف مدينة الباب (30 كيلومترًا شمال شرقي حلب)، ويمتد نفوذه من هناك عبر ريف حلب الشرقي إلى مدينة الرقّة، معقله الرئيسي في سوريا.
هذا، واستمر خلال الساعات الماضية السجال بين فصائل المعارضة السورية وميليشيات «قوات حماية الشعب» الكردية، التي أصرت على نفي التقارير التي أوردها المقاتلون المعارضون عن استمرار حضورها غرب نهر الفرات، وادعت الميليشيات الكردية أن من يعزز مواقعه في المنطقة وبالتحديد في جرابلس هما المجلسان العسكري والمدني للمدينة. كذلك ادعى عبد العزيز محمود يونس، مسؤول العلاقات العامة في ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» (ذات الغالبية الكردية) في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «من يقول إنه اشتبك مع وحدات حماية الشعب غرب الفرات، إنما هو واهم ولديه تخيلات»، جازما بأنّه لم يعد هناك أي وجود للوحدات في المنطقة المذكورة. فلقد قال يونس إن «الوحدات أنهت مهامها التي توجت بتحرير منبج وريفها»، مدعيًا أن المجلسين العسكري والمدني للمدينة هما القوة التي تدير شؤونها حاليا، وأضاف: «أما الطرف الذي يقولون إنه يعزز مواقعه في جرابلس فهو المجلس العسكري للمدينة، وليس وحدات حماية الشعب».
في المقابل، قال ناشطون سوريون إن المعارضة المسلحة أمهلت ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» 3 أيام للانسحاب من غرب الفرات في شمال سوريا. وأشار هؤلاء إلى نجاح المقاتلين المعارضين في بسط سيطرتهم على قرية العمارنة، الواقعة إلى الجنوب من جرابلس، بعد اشتباكات مع ميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية. وأضافوا أن «الأمور تسير للأسوأ، باعتبار أن الوحدات الكردية تصر على البقاء غرب نهر الفرات».
ومن جهة ثانية، نقلت «شبكة الدرر الشامية» عن مصادر تأكيدها أن الطائرات والمدفعية التركية استهدفت يوم أمس مواقع سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، في محيط بلدتي منغ وتل رفعت في ريف حلب الشمالي. ونفى إدريس الرعد، الناطق باسم «فيلق الشام» نفيًا قاطعًا انسحاب الميليشيات الكردية إلى شرق نهر الفرات، لافتا إلى أنهم وبعكس ذلك تمامًا «يقومون حاليًا برفع سواتر ترابية في قرى متقدمة بريف جرابلس».
وللعلم، كان المتحدث باسم قوات التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، ستيف وارن، قد أعلن الخميس أن «قوات سوريا الديمقراطية» انسحبت إلى شرق نهر الفرات، مشيرًا إلى بقاء قوات أخرى منها لإنهاء عملية إزالة العبوات الناسفة بالمنطقة، وأن الوجهة القادمة ستكون مدينة الرقّة. ومن جهته، شدد ريدور خليل، الناطق الرسمي باسم ميليشيات «وحدات حماية الشعب» في بيان، على أن «لا أحد يستطيع التحجج بوجود وحدات حماية الشعب غرب نهر الفرات في مدينة منبج وريفها ليتذرع بمهاجمتها؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن وحداتنا انسحبت من تلك المناطق بعدما قدمت الدعم والمؤازرة للمجلس العسكري لمنبج وريفها لتحريرها من إرهاب (داعش)»، ونبّه بأن «أي اعتداء على منبج سيكون اعتداء على أهل منبج ومجلسيها العسكري والمدني اللذين في الأساس تم تشكيلهما من أهلها، وهم أولى بإدارة شؤون مناطقهم والدفاع عنها».
في هذه الأثناء، طالب ما يسمى بـ«لواء السلاجقة»، الذي أسس في عام 2013 وينشط ضمن ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» في ريف محافظة حلب الشمالي، تركيا بـ«الانسحاب من الأراضي السورية فورًا»، معلنًا في بيان استعداد عناصره لـ«الدفاع عن أنفسنا والوقوف إلى جانب مجلس جرابلس العسكري وأبنائها لدحر الإرهاب ومختلف أشكال الاعتداء والاحتلال لمناطقنا في الشمال السوري». وفيما تقاطعت المعلومات عن توجّه ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» بعد الضغط عليها للتراجع إلى شرق نهر الفرات لتحرير مدينة الباب بعدما أنهت تحرير منبج وريفها، أبلغت مصادر قيادية كردية «الشرق الأوسط» بأن مجلس الباب العسكري هو المخوّل باتخاذ الإجراءات والقرارات الخاصة بذلك، لافتا إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» ستدعم قرارات وخيارات المجلس المذكور.
وقد فتح الموقف الأخير الذي أدلى به نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، وقوله إن «الأتراك مستعدون للبقاء في سوريا ما لزم الأمر للقضاء على تنظيم داعش»، الباب واسعا أمام طرح المنطقة الآمنة التي لطالما سعت إليها تركيا والمعارضة السورية. وكتب المعلق في صحيفة «حرييت» التركية عبد القادر سلفي، أن الهدف من العملية «درع الفرات» يتضمن إقامة منطقة آمنة خالية من المجموعات الإرهابية، ووضع حد لتقدم الميليشيات الكردية. وأضاف أن 450 جنديًا شاركوا في العملية خلال اليوم الأول للهجوم، لكن الرقم قد يرتفع إلى 15 ألفًا، على حد تعبيره.
وحول موضوع «المنطقة الآمنة»، رجّح هيثم المالح، رئيس اللجنة القانونية في «الائتلاف» السوري المعارض، أن يكون التوغل البري لأنقرة خطوة أولى باتجاه المنطقة الآمنة، باعتبار أن الوقت بات مناسبا لتحقيقها. واعتبر ميشال كيلو، عضو «الائتلاف» والمعارض السوري البارز أن مسألة المنطقة الآمنة «لا تزال غير محسومة» باعتبار أن الأتراك «يشترطون أن يؤمن التحالف الدولي الغطاء الجوي لهذه المنطقة، وحتى الساعة فإن أنقرة لم تتلق أي أجوبة واضحة في هذا الخصوص». وقال كيلو لـ«الشرق الأوسط» إن «المنطقة الآمنة بحاجة لإتمام جملة من التفاهمات بخصوصها، وأبرزها تفاهم وتناغم أميركي – روسي»، مرجحا أن تؤدي جملة المتغيرات التي شهدها الميدان السوري وبخاصة الدخول التركي البري إلى الأراضي السورية إلى تقريب الحل السياسي المنشود. وأضاف كيلو: «أنقرة على استعداد للقيام بكل ما يخدم أمنها ومصلحتها ووحدتها، والخطوة الأخيرة التي قامت بها تندرج في هذا السياق».
من جهته، قال المالح لـ«الشرق الأوسط»، إن تركيا ما كانت لتقوم بالتوغل في سوريا لولا تحسين علاقتها بروسيا، لافتا إلى أن «الهدف المعلن لهذه الحركة هو محاربة (داعش)، لكن الغرض الأساسي منها مواجهة الـPYD الذي يشكل عبئا على الثورة السورية، قبل أن يشكل عبئا على الأتراك».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.