تركيا تطلق «درع الفرات» لتطهير حدودها من «داعش» و«التنظيمات الإرهابية»

قوات «الحر» المدعومة من أنقرة والتحالف الدولي تسيطر على جرابلس * المعركة انخراط تركي مباشر في النزاع السوري

جنود أتراك يقفون فوق دبابة عند الحدود السورية ضمن العملية العسكرية لطرد تنظيم داعش من مدينة جرابلس أمس (إ.ب.أ)
جنود أتراك يقفون فوق دبابة عند الحدود السورية ضمن العملية العسكرية لطرد تنظيم داعش من مدينة جرابلس أمس (إ.ب.أ)
TT

تركيا تطلق «درع الفرات» لتطهير حدودها من «داعش» و«التنظيمات الإرهابية»

جنود أتراك يقفون فوق دبابة عند الحدود السورية ضمن العملية العسكرية لطرد تنظيم داعش من مدينة جرابلس أمس (إ.ب.أ)
جنود أتراك يقفون فوق دبابة عند الحدود السورية ضمن العملية العسكرية لطرد تنظيم داعش من مدينة جرابلس أمس (إ.ب.أ)

بدأت تركيا، أمس، أول تدخل مباشر لها في العمليات الدائرة في سوريا عبر عملية عسكرية أطلقت عليها «درع الفرات» بمشاركة التحالف الدولي لضرب «داعش».
ودعمت تركيا عن طريق دباباتها وطائرات «إف 16» عناصر من الجيش السوري الحر لدخول مدينة جرابلس وتطهيرها من عناصر تنظيم داعش الإرهابي الذي بات يشكل خطرا كبيرا على المناطق التركية القريبة من الحدود السورية.
وأعلنت قوات المعارضة السورية سيطرتها بشكل شبه كامل على مدينة جرابلس عقب فرار عناصر «داعش» منها، في حين قالت تركيا إن العملية العسكرية تستهدف جميع التنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى إمكانية أن تطول قوات حزب الاتحاد الديمقراطي السوري (الكردي)، ووحدات حماية الشعب الكردية، التي تسعى لإقامة كيان فيدرالي على حدود تركيا.
وأفادت مصادر عسكرية أن القوات التركية أرسلت تعزيزات لتأمين الحدود ودعم المعارضة، مؤلفة من دبابات ومركبات مدرعة من مدينة كوجالي شمال غربي تركيا إلى المناطق الحدودية في مدينة غازي عنتاب، في إطار العملية العسكرية التي سميت «درع الفرات».
ونشرت وكالة «الأناضول» التركية صورا لمقاتلي المعارضة وهم يدخلون قرية الحجيلية دون مقاومة، وقامت قوات المعارضة بتأمين محيط القرية استعدادا للانطلاق منها إلى مركز جرابلس بهدف المشاركة في عملية طرد «داعش» من المدينة.
وسبق هجوم المعارضة توغل محدود للقوات الخاصة التركية داخل جرابلس وقصف مدفعي وصاروخي كثيف من الجيش التركي، إضافة لدعم جوي من طائرات التحالف الدولي وطائرات تركية استهدفت مواقع «داعش».
وكانت مدرعات الجيش التركي عبرت أمس الحدود إلى سوريا عقب تحرك مقاتلات «إف 16» والمدفعية صوب مدينة جرابلس السورية الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي وبدأت بقصف مواقع تابعة للتنظيم داخل المدينة.
وتم نقل ثلاثة من عناصر الجيش السوري الحر أصيبوا خلال العمليات العسكرية إلى مدينة غازي عنتاب التركية لتلقي العلاج.
وقال مواطن له أقارب داخل مدينة جرابلس، في مداخلة هاتفية لقناة «سي إن إن» التركية، إن عناصر «داعش» هربت من المدينة.
وأشارت القناة إلى تصاعد الأدخنة من المدينة السورية في ظل قصف مواقع تابعة للتنظيم بداخلها، مؤكدة أن وحدات المدفعية كانت تقصف على بعد 10 كيلومترات من جنوب المدينة خلال اللحظات الأولى من العملية العسكرية. وقالت مصادر عسكرية تركية إن عملية «درع الفرات» التي انطلقت فجر أمس ركزت على أهداف محددة مسبقا في جرابلس بمحافظة حلب شمال سوريا وأسفرت عن إصابة 82 هدفا.
وذكرت المصادر أن الهدف من العملية العسكرية، التي بدأتها قوة المهام الخاصة المشتركة في القوات المسلحة التركية، والقوات الجوية للتحالف الدولي على مدينة جرابلس، هو تأمين الحدود التركية ودعم قوات التحالف في حربها ضد «داعش» وضمان وحدة الأراضي السورية.
وأفادت أنه في الرابعة من صباح أمس الأربعاء، بتوقيت تركيا (غرينتش + 3)، بدأ القصف باستخدام المدافع وراجمات الصواريخ التركية المتمركزة على الحدود مع سوريا، وبعدها بخمس دقائق بدأ العمل على فتح نقاط للمرور على الخط الحدودي، في أماكن عدة تم تحديدها مسبقا، وفي الساعة 05:45 صباحا توقف قصف المدافع وراجمات الصواريخ.
وأضافت المصادر أنه تم شن الغارة الجوية الأولى في الساعة 06:08 صباحا، ثم نُفذت غارتان أخريان في الساعة 06:10 و06:30 صباحا بتوقيت تركيا.
كما تم تشكيل نقاط عبور لبدء العملية البرية وعبور وحدات الدبابات المرابطة على الحدود.
وأوضحت المصادر أن رئيس الأركان التركي الفريق أول، خلوصي أكار، والرئيس الثاني للأركان الفريق أول، أوميت دوندار، يتابعان سير العملية منذ بدايتها من مركز قيادة العمليات في مقر رئاسة الأركان التركية في أنقرة، في حين يتابعها قادة القوات من مراكز قيادة قواتهم.
وكان الجيش السوري الحر هو أول من فرض سيطرته على المدينة عقب اندلاع الأزمة السورية، أعقبها سيطرة «الجبهة الإسلامية» عليها، ليستولى عليها تنظيم داعش الإرهابي في عام 2014.
وفي العام الماضي قامت ميليشيات «داعش» بزرع المتفجرات في نقاط قريبة للحدود التركية بغرض التصدي للهجمات المرتقبة من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وأحاطوا المدينة بالخنادق.
وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن «العملية التي بدأها الجيش التركي صباح أمس، شمال سوريا، تستهدف المنظمات الإرهابية».
وأضاف، في كلمة أمام احتفال لذوي الاحتياجات الخاصة بالقصر الرئاسي في أنقرة، أن تركيا مصممة على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وأنها ستتولى الأمر بنفسها إذا اقتضى الأمر لحماية وحدة أراضي سوريا.
وأضاف أن تركيا لا تريد سوى مساعدة شعب سوريا وليس لها نيات أخرى، مؤكدا أنه لا يمكن حل الأزمة في سوريا من دون تركيا.
وأوضح أن العملية، التي أطلق عليها اسم درع الفرات «تستهدف المنظمات مثل (داعش) وحزب الاتحاد الديمقراطي (الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية)»، مشيرا إلى أن تركيا تعتبر «داعش» ومنظمة حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب السورية، ومنظمة فتح الله غولن (حركة الخدمة التي تتبع الداعية التركي فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب في تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي)، جميعها تنظيمات إرهابية لا فرق بينها.
وتطرق إردوغان في حديثه إلى تصريحات زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم بقوله: «البعض يتحدانا بتوقع ما سيحل بتركيا في سوريا. أقول لهم فكروا أولا بما سيحل بكم. أيا كان من سيهدد أمن بلادنا فإن تركيا ستظل قائمة بجيشها وشعبها وحاميها».
يُذكر أن صالح مسلم نشر تغريدة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أعلن فيها أن «تركيا دخلت مستنقع سوريا وستهزم مثلما هزم تنظيم داعش الإرهابي، وأن تركيا ستفقد كثيرا في مستنقع سوريا»، على حد تعبيره.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن «هدفنا هو طرد تنظيم داعش الإرهابي نحو الجنوب، وخططنا لذلك منذ البداية مع الولايات المتحدة الأميركية.. المعارضة السورية المعتدلة دخلت أيضًا إلى هناك (منطقة العمليات)، وتقوم دباباتنا باللازم من أجل ضمان عبورها».
وأضاف أنه لا بد أن تنتقل عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي الموجودة داخل قوات سوريا الديمقراطية، إلى شرق الفرات في أسرع وقت ممكن، هذا ما وعدت به الولايات المتحدة، وهذا ما اتفقنا عليه، وفي حال لم يحدث ذلك سنقوم بعمل اللازم.
وفي هذا السياق، أعلن نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، في أنقرة، أمس، أن حزب الاتحاد الديمقراطي لن يجد دعما من الولايات المتحدة إذا حاول الانتقال إلى غرب الفرات.
وتسيطر جماعات كردية على مساحات في شمال سوريا حيث أقامت حكما ذاتيا فعليا منذ بدء الحرب السورية. وسيطرت وحدات حماية الشعب، وهي الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، سيطرة شبه كاملة يوم الثلاثاء على مدينة الحسكة التي تبعد نحو 250 كيلومترا شرق جرابلس.
وأقلق تنامي النفوذ الكردي تركيا التي تقاتل منظمة حزب العمال الكردستاني في جنوب شرقي البلاد.
وانتزع تحالف قوات سوريا الديمقراطية، الذي يضم وحدات حماية الشعب، السيطرة على مدينة منبج إلى الجنوب مباشرة من جرابلس من تنظيم داعش الشهر الماضي.
وقال مسؤول بارز بالحكومة الأميركية رافق بايدن في زيارته، أمس، أنقرة، إن الولايات المتحدة تريد مساعدة تركيا في إبعاد تنظيم داعش عن حدودها وإنها توفر غطاء جويا وتنسق مع الأتراك في خططهم بشأن جرابلس. وقال إن القصف يصيب تنظيم داعش وليس القوات الكردية.
وأقر المسؤول الأميريكي بأن تركيا لم تسعد بعملية منبج، لكنه قال إن واشنطن أكدت انسحاب الأكراد فور تطهير المدينة، وهو ما قال عنه إنه قد يستغرق أسابيع، وإنهم لن يتقدموا باتجاه الشمال.
وقال المسؤول: «لقد وضعنا حدا لتقدم الأكراد شمالا أو على الأقل سنقوم بذلك إذا احتاجوا (الأتراك) أي دعم منا».
وجاءت عملية «درع الفرات» بعد إطلاق عشر قذائف مورتر على الأقل من جرابلس على كاركميش في غازي عنتاب والمناطق المحيطة بها في الأيام القليلة الماضية، مما دفع السكان للفرار من ديارهم.
وأكد جاويش أوغلو، خلال تصريحاته، أن العملية تهدف إلى تطهير الجانب الآخر من الحدود التركية من عناصر تنظيم داعش الإرهابي وتمشيط المنطقة من الشمال إلى الجنوب. جاء هذا التصريح خلال مؤتمر صحافي عقده مولود جاويش أوغلو مع نظيرته وزيرة خارجية أستونيا، مارينا كالجوراند، في السكن الرسمي لوزراة الخارجية.
وقال الائتلاف في بيان إن «مقاتلي الجيش الحر هم من يتولون العمليات القتالية الميدانية»، مؤكدًا «دعمه الجيش السوري الحر الذي بدأ، بمشاركة عدد من الفصائل المقاتلة في حلب، هجومًا على مدينة جرابلس، لتحريرها من تنظيم داعش الإرهابي».
في السياق نفسه، قال وزير الداخلية التركي، أفكان آلا، إن تركيا لا يمكنها أن تظلّ مكتوفة الأيدي حيال ما يجري في شمال سوريا من تهديد مباشر على أمن حدودها ومواطنيها، مبينًا أن منطقة كاركاميش المتاخمة لمدينة جرابلس السورية، تلقّت أول من أمس 9 قذائف هاون أُطلقت من قِبل تنظيم داعش الإرهابي.
ورصدت صحيفة «بيرجون» التركية معسكرا تابعا للمخابرات التركية في المنطقة الحدودية لبلدة كاركاميش يضم بداخله عناصر الجيش السوري الحر.
ونقلت الصحيفة عن مصادر محلية أن المعسكر التابع للمخابرات التركية، الذي يضم حاويات تابعة لإدارة الأزمات والكوارث الطبيعية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء التركي، يستضيف من 600 إلى ألفين من عناصر الجيش السوري الحر ويقع في منطقة فيستكليك التي تعد منطقة الصفر على الحدود التركية السورية في غازي عنتاب.
في الوقت نفسه، جددت تركيا نفيها السماح لروسيا باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية جنوب البلاد، وقال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية، في مقابلة تلفزيونية، إن «قاعدة إنجرليك هي قاعدة أطلسية، ولا يمكن لروسيا أن تستخدم القاعدة لأنها ليست عضوا في حلف شمال الأطلسي».
وأعلن رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كمال كليتشدار أوغلو، دعمه مشاركة بلاده في العملية العسكرية ضد تنظيم داعش الإرهابي في مدينة «جرابلس» السورية، واشترط أن يكون ذلك ضمن القوانين الدولية.
وقال كليتشدار أوغلو: «نحن نرى أن إرسال تركيا قوات مسلحة لدولة أجنبية غير صحيح، لكن يمكن أن يكون ذلك بقدر ما تتيحه القوانين الدولية، وفي حال تم إرسال الجيش إلى هناك بمرحلة خارج إطار القوانين الدولية فإن ثمن ذلك يكون كبيرًا جدًا».
وخرقت تركيا أمس، الموانع الدولية التي حالت دون انخراطها بشكل مباشر في الحرب السورية، حيث توغلت دباباتها إلى داخل الأراضي السورية، وأطلقت عملية عسكرية إلى جانب قوات سوريا المعارضة، تهدف لطرد تنظيم داعش من منطقة الشريط الحدودي مع تركيا، وإبعاد الأكراد عن تلك المنطقة الحيوية.
وفي حين بدا أن العملية المدعومة من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تحظى بضوء أخضر أميركي وروسي وإيراني، ندد النظام السوري بالعملية، معتبرًا أنها «خرق لسيادة أراضيه»، ليلتقي بذلك مع موقف الأكراد، إذ وصف مصدر كردي العملية بأنها «تجاوز للقوانين الدولية»، مضيفًا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن العملية «تمثل خرقًا كبيرًا على مستوى المشهد السوري».
وجاءت العملية التي حملت عنوان «درع الفرات»، بعد تطورات لافتة حصلت خلال الأسبوعين الأخيرين، أهمها اللقاءات التي عقدت بين مسؤولين إيرانيين ومسؤولين أتراك، تلاها ترحيب أنقرة بقصف جوي نفذته طائرات النظام السوري ضد أهداف تابعة للأكراد في مدينة الحسكة الأسبوع الماضي. وإزاء تلك التطورات، ظهر أن هناك ضوءًا أخضر إيرانيًا لانخراط تركيا بشكل مباشر في الحرب السورية، يستهدف إبعاد تنظيم داعش عن حدودها في شمال سوريا، ومنع وصل مناطق نفوذ الأكراد بين شمال شرقي سوريا في الحسكة، وشمال غربها في منطقة عفرين.
وحشدت تركيا، إلى جانب دباباتها وآلياتها العسكرية، آلاف المقاتلين من فصائل المعارضة السورية «المعتدلة»، وانطلقوا في عملية عسكرية واسعة تلت تمهيدًا بالمدفعية الثقيلة والغارات الجوية، بحسب ما قال مصدر سوري معارض لـ«الشرق الأوسط». وأثمر التوغل، في الساعات الأولى، أمس، قطعًا لخط سيطرة «داعش» على المناطق الحدودية مع تركيا، وذلك بالسيطرة على أربع قرى حدودية غرب مدينة جرابلس، بحسب ما قال رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فيما ذكر ناشطون أن القوات المشاركة بالعملية «سيطرت على مدينة جرابلس بالكامل».
وتمتد سيطرة «داعش» على المناطق الحدودية من جرابلس على الضفة الغربية لنهر الفرات (شرقًا)، باتجاه بلدة الراعي (غربا) الواقعة في ريف حلب الشمالي، إلى العمق داخل الأراضي السورية إلى ريف أعزاز، ومدينة الباب التي تبعد نحو 70 كيلومترًا عن الحدود التركية. وكانت فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، سيطرت الأسبوع الماضي على مدينة الراعي الحدودية مع تركيا وبعض القرى حولها.
والعملية التي أطلق عليها اسم «درع الفرات» تهدف إلى «إنهاء» المشكلات على الحدود التركية ولا تستهدف فقط تنظيم داعش، وإنما المقاتلين الأكراد، كما أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. وأفادت وكالة أنباء «أناضول» التركية المقربة من الحكومة أن فصائل المعارضة السورية المدعومة من أنقرة سيطرت على قرية ككلجة على بعد خمسة كيلومترات من جرابلس في الهجوم، وتمتد القرية إلى 3 كيلومترات داخل الأراضي السورية.
من جهته، قال القيادي في «فرقة السلطان مراد»، أحمد عثمان، إحدى فصائل المعارضة السورية: «بدأت الأعمال العسكرية صباح اليوم بتمهيد من المدفعية التركية لتغطية العمل في منطقة جرابلس وبعد عدة ساعات توغلت قواتنا في محورين، المحور الشمالي والمحور الغربي»، مشيرًا إلى أن «المرحلة الثانية تبدأ بعد ساعات للدخول إلى بلدة جرابلس» التي تحدث ناشطون مساء عن السيطرة الكاملة عليها.
وأفادت شبكة «إن تي في» التلفزيونية الخاصة أن طائرات إف - 16 تركية وطائرات تابعة للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ألقت قنابل على أهداف لتنظيم داعش في جرابلس، في أول هجوم من نوعه منذ أن أسقطت القوات الجوية التركية طائرة حربية روسية في نوفمبر (تشرين الثاني) فوق الحدود التركية السورية.
وتضاربت الأنباء حول أعداد المقاتلين المشاركين في العملية بين ألفي مقاتل، و6 آلاف مقاتل، بحسب ما قال مصدر سوري معارض يشارك في العملية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن «اللواء 51» التابع للجيش السوري الحر، الذي تم تشكيله قبل 3 أشهر، والمقرب من تركيا «يشكل رأس الحربة في الهجوم»، لافتًا إلى مشاركة «فرقة السلطان مراد وفصائل الجبهة الشامية وحركة أحرار الشام في المعركة»، علما بأن «الأحرار»، لم يشاركوا في معركة استعادة السيطرة على مدينة الراعي الأسبوع الماضي.
وانطلق الهجوم، بحسب المصدر، بتمهيد مدفعي كثيف، من داخل الأراضي التركية، وعبر المشاة الحدود التركية - السورية، ليسيطروا على أربع قرى، والالتفاف على مدينة جرابلس لإطلاق هجوم عليها من الجنوب والغرب والشمال.
من جهته، قال القيادي في المجلس العسكري لمدينة الباب وريفها المشارك في العملية، محمد إبراهيم طويل، إن العملية «مستمرة لطرد الإرهاب»، مشيرًا إلى أن وجهة المعركة «ستشمل كل الأطراف التي تهدد وحدة سوريا»، مشددًا في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الاعتماد في المعركة على القوات البرية التي تمثل الفصائل الثورية».
عضو الائتلاف الوطني السوري، أحمد رمضان، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن معركة «درع الفرات جرى التحضير لها منذ أسابيع من الجيش السوري الحر وتشارك فيها 9 فصائل عسكرية مع نحو ألفي مقاتل»، مشيرًا إلى أنها المرة الأولى التي يحظى فيها الجيش الحر بغطاء جوي وناري من قبل التحالف في معركته ضد الإرهاب. وعزا رمضان أهمية المواجهة إلى وقف عمليات التهجير التي ينفذها «داعش» و«العمال الكردستاني» للسوريين من مختلف المكونات: «بمن فيهم السريان الآشوريون والعرب والتركمان والكرد، الذين أرغموا من قبل النظام وحلفائه والإرهاب على مغادرة قراهم ومنعوا من العودة إليها».
وقال إن «معركة تحرير جرابلس ستكون مقدمة لإقامة سياج آمن في المنطقة يحول دون تهجير السكان ويمنح فرصة لعودة آلاف المهجرين، ويحبط محاولات قوى انفصالية لفرض أمر واقع بالاستناد إلى أطراف خارجية».
وأكد رمضان أنه «ستكون للعملية مراحل أخرى تركز على إبعاد خطر الإرهاب وتحرير بلدات مهمة في ريف حلب، ومنع (العمال الكردستاني)، الذي يشكل غير السوريين فيه نحو 50 في المائة من مقاتليه، من التمدد نحو حلب أو منطقة غرب الفرات وإعلان كيان خارج إطار سوريا الموحدة».
وأكد القيادي السوري المعارض أن «الوجود العسكري الحالي سيكون محدودًا ومؤقتًا ومرهونًا بتوفير الدعم اللازم لقوات الجيش السوري الحر، التي منع عنها السلاح النوعي اللازم لخوض معارك كبرى».
وعما إذا كانت العملية، التي تحظى بدعم دولي، ستحرك ملف محادثات السلام في سوريا، قال رمضان إن أي «تقدم في عملية السلام مرهون بمدى التغيُر في مواقف كل من روسيا وإيران، خصوصا وقف دعم النظام في عمليات القتل التي يقوم بها، والتوجه نحو دعم التسوية، والدفع نحو انتقال سياسي مباشر، ونظام بشار لم يعد لاعبا مهما في المشهد، بقدر ما يتم تحريكه من قبل الروسي والإيراني، ولذا فإن النقاش يتناول الآن كيفية تجريد الأسد من صلاحياته، وهو أمر متفق عليه، والموعد الذي سيعلن فيه مغادرته للسلطة نهائيا»، لافتًا إلى أن هناك «انفتاحًا روسيًا حول هذه النقطة مقابل حزمة مصالح، وإيران تريد أن تكون طرفًا في التفاهم بحثًا عن مصالحها أيضا، وقال مسؤولون فيها إن بشار ليس هو العامل المهم لديهم».
وببيان خجول، طالبت وزارة الخارجية بحكومة نظام الأسد، الأمم المتحدة، بإنهاء ما أسمته «العدوان التركي على الأراضي السورية»، وطالبت «بضرورة احترام الجانب التركي والتحالف الأميركي القرارات الدولية، وبخاصة ما يتعلق منها بإغلاق الحدود».
جاء ذلك ردا على إطلاق تركيا، يوم أمس، عملية عسكرية أطلقت عليها اسم «درع الفرات» داخل أراضي شمال سوريا، بالتزامن مع ذكرى معركة «مرج دابق» التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك الشركس عام 1516.
وأكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية في حكومة نظام الأسد، أن دبابات ومدرعات تركية عبرت عند الحدود السورية - التركية، صباح أمس الأربعاء، إلى مدينة جرابلس «تحت غطاء جوي من طيران التحالف الأميركي الذي تقوده واشنطن».



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.