بايدن يحبط أنقرة مجددًا بشأن تسليم غولن: «لا بيدي ولا بيد أوباما»

واشنطن لن تدعم أكراد سوريا حال انتقالهم إلى غرب الفرات

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مستقبلا نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في أنقرة أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مستقبلا نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في أنقرة أمس (رويترز)
TT

بايدن يحبط أنقرة مجددًا بشأن تسليم غولن: «لا بيدي ولا بيد أوباما»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مستقبلا نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في أنقرة أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مستقبلا نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في أنقرة أمس (رويترز)

لم يقدم نائب الرئيس الأميركي جو بايدن خلال زيارته السريعة لأنقرة أمس الأربعاء ما تتمنى وما تنتظر بشأن قضية تسليم الداعية فتح الله غولن الذي تتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت منتصف يوليو (تموز) الماضي، وبالكاد طمأنها إلى موقف واشنطن من عدم قبول انتقال وحدات حماية الشعب الكردية إلى غرب الفرات.
وقال بايدن في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أعقب مباحثات بينهما بمقر رئاسة الوزراء بالعاصمة أنقرة إن «ما جرى في 15 يوليو (محاولة الانقلاب) هو تدخل غير مقبول واعتداء. ووصلت إلى هنا للتعبير عن تضامننا. إننا حليفان وشريكان استراتيجيان. والرئيس أوباما كان أول من أعرب عن دعمه للشعب التركي بعد محاولة الانقلاب. إننا دائما نظهر أهمية العلاقات الأميركية التركية. ونحن كحلفاء ندعم تركيا بالكامل. وإذا احتاجت تركيا إلى أي دعم فإننا سنوفره».
وأكد بايدن أن واشنطن لا تؤيد محاولة الانقلاب في تركيا ولم تتوفر لديها معلومات مسبقا حول هذا المخطط وأن الولايات المتحدة هي الصديق الأفضل لتركيا. وعبر بايدن عن أسفه لوجود الداعية التركي فتح الله غولن في أراضي الولايات المتحدة وليس في دولة أخرى، مؤكدا أن القضاء الأميركي هو من سيقرر مصيره. وكان بايدن استبق زيارته لتركيا بمقال نشرته صحيفة «ميلليت» التركية أمس تزامنا مع وصوله قال فيه إن قضية إعادة الداعية فتح الله غولن إلى تركيا ليست بيده ولا بيد الرئيس باراك أوباما، وإنما هي عملية قانونية ستقرر مصيرها أجهزة القضاء الأميركية المستقلة.
وأكد أنه لا يمكن له ولا يمكن للرئيس الأميركي أن يتدخلا في عمل القضاء بأي شكل من الأشكال. ولفت بايدن إلى نمط النظام الحاكم في الولايات المتحدة بقوله: «لا يمكن لنا ولا لأي أحد أن يتدخل في إعادة غولن في ظل نظامٍ يعمل وفق مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وأي مبادرة من هذا القبيل مخالفة للقوانين السارية في الولايات المتحدة. لذلك فإن عملية الإعادة ستتم وفق الاتفاقيات المتبادلة بين البلدين والقانون الداخلي الأميركي المستند إلى أسس صارمة ورصينة».
وحاول نائب الرئيس الأميركي إصلاح الأضرار التي ألحقها الانقلاب الفاشل في أنقرة بالعلاقات الأميركية - التركية من خلال تأكيده خلال زيارة إلى تركيا بأنه يتفهم «المشاعر الحادة» في البلاد حيال مسألة الداعية فتح الله غولن. وقال بايدن خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء بن علي يلدريم إن واشنطن «تتعاون مع السلطات التركية» في هذه القضية. وتابع: «أنا أتفهم المشاعر الحادة لدى حكومتكم وشعب تركيا حياله» في إشارة إلى غولن. وأضاف أن الولايات المتحدة «ليس لديها أي مصلحة في حماية أي شخص كان ألحق أذى بحليف. لكن يجب أن نلتزم بالمعايير المشروعة بموجب قانوننا». وأكد بايدن أن الولايات المتحدة «لم يكن لديها أي علم مسبق بما حصل في 15 يوليو ولم يحصل أي تآمر مع هؤلاء الأشخاص الذين قاموا بعمل جبان».
من جهته، أكد مسؤول أميركي أن واشنطن تلقت بالفعل طلبا من أنقرة لتسليمها غولن عدو الرئيس رجب طيب إردوغان المقيم في الولايات المتحدة منذ 1999 لكنها لم تقدم أدلة حول دوره المفترض في محاولة الانقلاب. وأضاف المسؤول في الإدارة الأميركية الذي يرافق بايدن «لقد قدمت تركيا أربعة طلبات مختلفة لتسليمها غولن.. وهي مرتبطة جميعها بادعاءات لأنشطة إجرامية سابقة للانقلاب الفاشل تعود إلى عام 2015 أو حتى قبل».
وبايدن أرفع مسؤول غربي يزور تركيا منذ الانقلاب الفاشل.
وفي وقت سابق الشهر الحالي، حذر وزير العدل التركي بكر بوزداغ واشنطن من أن موجة معاداة أميركا «بلغت ذروتها» في تركيا وتهدد بالتحول إلى «حقد» في حال عدم تسليم «الإرهابي» غولن. ونددت وزارة الخارجية الأميركية «بخطاب تصعيدي غير مفيد على الإطلاق» ودعت «وسائل الإعلام والمجتمع المدني والحكومة في تركيا إلى إبداء حس المسؤولية في تصريحاتهم». ويبدو أن الغالبية الساحقة من الأتراك مقتنعة بمسؤولية غولن في الانقلاب الفاشل الذي تلته حملة تطهير واسعة لمناصريه في الإدارات العامة والمجتمع المدني. وينفي غولن أي ضلوع له في هذه المحاولة. وكان يلدريم أقر في نهاية الأسبوع الماضي بضرورة تحسين العلاقات بين البلدين الحليفين.
وبينما كان بايدن في طريقه من البرلمان التركي، الذي استهل زيارته لتركيا بجولة لتفقد الأجزاء التي تعرضت للقصف في محاولة الانقلاب الفاشلة، إلى قصر تشانكايا حيث مقر الحكومة التركية، نظمت مجموعة من الأتراك مظاهرة احتجاجية في الشوارع المؤدية إلى القصر للتنديد بزيارة بايدن للبلاد. وتجمع المتظاهرون في شارع «جِنه» المؤدي إلى مقر رئاسة الوزراء، أثناء مرور موكب بايدن، ورددوا هتافات منددة بالزيارة. ورفع المتظاهرون لافتات كتبوا عليها عدة شعارات منها «ماذا كنت بفاعل لو قُصف مبنى مجلس الشيوخ الأميركي؟». وأخرى تقول: «هل كنت ستقبل أن تأوي تركيا بن لادن بعد 11- 9؟» واتخذت قوات مكافحة الشغب إجراءات أمنية مشددة في محيط المظاهرة.
من جانبه، كان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم قال في المؤتمر الصحافي إن تركيا والولايات المتحدة ينبغي ألا تسمحا لأي أحداث بأن تضر بعلاقتهما، وإنه يتوقع أن تبدأ العملية القانونية لتسليم غولن دون تأخير. وكان يلدريم يتحدث بعد اجتماع مع جو بايدن نائب الرئيس الأميركي الذي قال إن الولايات المتحدة تتعاون مع تركيا في تقييم الأدلة ضد غولن لكن لا بد من تحقق المعايير القانوني. وأضاف يلدريم أن أنقرة بدأت تنفيذ خطوات رسمية في إطار عملية ترحيل غولن من الولايات المتحدة إلى تركيا. وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حذر أمس قبيل لقائه بايدن، في وقت لاحق، من أن رفض واشنطن تسليم غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء تدبير الانقلاب الفاشل، لن يصب في مصلحة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
في سياق آخر، أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن بلاده لن تقبل بإقامة أي كيان كردي في شمال سوريا وتعتبر ذلك خطرا عليها.
وقال يلدريم في المؤتمر الصحافي المشترك مع بايدن إن تركيا والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق بعدم جواز انتقال قوات حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب إلى المناطق الواقعة غرب الفرات في سوريا. وأكد أن الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وتشكيل حكومة تمثل جميع أطياف المجتمع السوري مبدآن مهمان لحل الأزمة.
من جانبه أكد بايدن أن قوات الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية لن تحصل على أي دعم من الولايات المتحدة في حال انتقالها إلى غرب الفرات، قائلا إن واشنطن لن تقبل بحل وسط بشأن أمن الحدود التركية ووحدة سوريا. وأضاف أن الجانب الأميركي أبلغ الجهات المعنية في سوريا بذلك.
وعقب وصوله صباح أمس الأربعاء إلى أنقرة توجه بايدن مباشرة إلى مقر البرلمان التركي، حيث استقبله إسماعيل كهرمان رئيس البرلمان.
وأعرب بايدن خلال لقائه كهرمان عن بالغ حزنه لسقوط ضحايا ومصابين خلال المحاولة الانقلابية، قائلا: «تمنيت أن أكون هنا في اليوم التالي للحادث».
واختتم بايدن زيارته بلقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في القصر الرئاسي بعيدا عن وسائل الإعلام وسمح فقط بالتقاط الصور الفوتوغرافية في بداية اللقاء. وبزيارة الأمس يكون بايدن هو المسؤول الأميركي الأول الذي يزور قصر الرئاسة التركي منذ انتقال مقر الرئاسة التركية إليه عام 2014.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».