أطفال «الخلافة».. انتحاريو «داعش» الجدد

ينشرون الرعب بأحزمتهم الناسفة.. ويستغلهم التنظيم بدلاء لعناصره القتالية

صورة أرشيفية لأطفال جندهم «داعش» يبدون وهم يحملون السلاح في تدمر تداولتها المواقع من فيديو نشره التنظيم المتطرف في يوليو 2015 (ديلي ميل)
صورة أرشيفية لأطفال جندهم «داعش» يبدون وهم يحملون السلاح في تدمر تداولتها المواقع من فيديو نشره التنظيم المتطرف في يوليو 2015 (ديلي ميل)
TT

أطفال «الخلافة».. انتحاريو «داعش» الجدد

صورة أرشيفية لأطفال جندهم «داعش» يبدون وهم يحملون السلاح في تدمر تداولتها المواقع من فيديو نشره التنظيم المتطرف في يوليو 2015 (ديلي ميل)
صورة أرشيفية لأطفال جندهم «داعش» يبدون وهم يحملون السلاح في تدمر تداولتها المواقع من فيديو نشره التنظيم المتطرف في يوليو 2015 (ديلي ميل)

كثيرة هي الأساليب التي تفرّد بها تنظيم «داعش» في حروبه المتنقلة بين سوريا والعراق ولبنان وصولا إلى اعتداءاته في أوروبا وأميركا.. وغيرها، التي تبدأ بالذبح وقطع الرؤوس، ولا تنتهي بالتعذيب بأبشع الوسائل، ولا بالحكم على الشخص بالقتل حرقًا وهو حيّ، كما حصل مع الطيار الأردني معاذ الكساسبة.
وربما لا تتورّع تنظيمات متطرفة على اعتماد النهج نفسه، إلا أنها تحاذر إلى حدّ ما من إظهار بشاعة جرائمها، فيما لم يخف تنظيم «داعش» شروعه في استمالة الأطفال دون 18 سنة وتجنيدهم وتدريبهم وتسليحهم، والدفع بهم إلى نقاط المواجهة للقتال في صفوفه. وآخر مثال على ذلك كشفه فيديو لعناصر من قوات الشرطة العراقية يجردون طفلا انتحاريا «داعشيا» لا يتجاوز عمره 12 أو 13 عاما من حزام ناسف، ويقتادونه بعيدا قبل دقائق من انفجار الحزام. وجاء ذلك بعد ساعات من هجوم انتحاري نفذه طفل آخر قتل 51 شخصا على الأقل وجرح أكثر من مائة آخرين في حفل زفاف بمدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، وطفل آخر حاول تفجير نفسه خارج مسجد للشيعة في مدينة كركوك شمال بغداد مؤخرا.
والمقلق في الأمر أن «داعش» آخذ في تطوير نهجه الفكري والعسكري يومًا بعد يوم، وهو ما أشار إليه الخبير في شؤون الحركات المتطرفة بشير عبد الفتاح، الذي رأى أن التنظيم «لديه مرونة تنظيمية وتكتيكية عالية، واستطاع أن يقوم بنقلة نوعية من العمليات التنظيمية، إلى عمليات (الذئاب المنفردة) وتغطية أكبر مساحة من العالم». ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الأخطر هو في نوعية العناصر التي يعتمد عليها، لهذه العمليات الجديدة، وهم المتخلفون عقليًا والصبية، وهذا يتم عادة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وعبر الإنترنت».
وقال عبد الفتاح: «يبدو أن هذا التنظيم لديه خبراء في علم النفس، يدرسون نفسية الشخص الذي يجندونه، بما يمكنهم من السيطرة عليه والتحكم بإرادته، وقد رأينا كيف استغلّ عددا من المختلين عقليًا بهجمات في أكثر من عاصمة أوروبية وفي أميركا أيضًا». أما عن استغلال الأطفال، فأوضح أن «استغلال (داعش) للأطفال، يعود إلى قدرته على التحكم بالمرحلة العمرية، خصوصًا ممن هم ما بين 12 و18 سنة، أي في فترة المراهقة والتمرد ورفض الواقع والرغبة في تنفيذ الأمور الخارقة، وإظهار نفسه بطلا». وأشار إلى أن «الهدف من استغلال التنظيم للأطفال، هو إظهار قدرته الخارقة عبر الجذب والتوظيف من كل الأعمار، وهذه تعدّ نقلة نوعية»، مشبهًا التنظيم بـ«الفيروسات التي تتكاثر في الجسم عندما لا تجد من يبتكر علاجًا للقضاء عليها، لا بل هي قادرة على تطوير نفسها عندما تثبت قدرتها على تخطي علاجات غير فاعلة، وما استغلال الأطفال والمختلين عقليًا إلا نموذج من هذا التطور المخيف».
وكان «مرصد التكفير» التابع لدار الإفتاء المصرية، كشف عن انتهاكات ترتكبها التنظيمات الإرهابية المتطرفة، ومنها «داعش» في حق الأطفال. وحذر من أن هذه التنظيمات «حولت قضية تجنيد الأطفال إلى قضية استراتيجية لترويض جيل قادم يحمل آيديولوجيته المتطرفة والإرهابية لضمان ديمومتها لسنوات، وربما لعقود مقبلة». وقال إن «هذه التنظيمات تبذل جهودًا مضنية في سبيل ذلك، وتقوم هذه بنشر صور ومقاطع فيديو لأطفال صغار يقاتلون في صفوفها، ويطلقون النار على أشخاص أو يتدربون حاملين رشاشات، في أشرطتها الدعائية».
من جهتها، قالت مصادر مصرية إن «داعش» يخطط لاستراتيجية جديدة وهي «الأطفال الانتحاريون» الذين ينتمون للتنظيم، ويطلق عليهم «أطفال دولة الخلافة» المزعومة. وأشارت إلى أن الأطفال الانتحاريين أشد فتكا من المُقاتلين الحاليين من عناصر «داعش»، «لأنهم لم يتعايشوا مع أشخاص يتبنون القيم الصحيحة، ويتم تلقينهم عقيد الكراهية منذ الصغر من خلال تدريبهم على العنف في سن مبكرة». وأكدت المصادر المصرية نفسها أن «داعش» يعتمد على إقناع الصغار بأن القتال «جهاد»، كما يعرضون الأطفال لمشاهدة رجال تقطع أيديهم وأرجلهم ويعلمونهم أن هذا بسبب حربهم ضد التنظيم، لافتة إلى أن «داعش» غير من استراتيجيته، فبدلا من الاعتماد على عناصره للقيام بعمليات انتحارية، بات يلجأ للأطفال للقيام بهذه التفجيرات، لأنه في حاجة إلى جنود لحماية توسعاته الخارجية.. أما الأطفال، فلن يؤثر مقتلهم على التنظيم في شيء. ويرى المراقبون أن التنظيم الإرهابي دأب على إرسال أطفال في مهام صادمة وقتالية لتصوير مدى قوته القتالية للعالم الخارجي، وأن هناك عشرات من الهجمات الانتحارية استخدم فيها «داعش» أطفالا تم بثها عبر وسائل «داعش» خلال الفترة الماضية.
ففي فبراير (شباط) الماضي، بث «داعش» شريط فيديو مصورا لعملية تفجيرية قيل إنها تمت في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، في ريف حلب بالشمال السوري، حيث قام بها طفل يدعى أبو عمارة العمري، لم يتجاوز عمره الأحد عشر عاما، بتنفيذ واحدة من أكثر العمليات دموية، بعدما أظهر الفيديو المصور والد الطفل وهو يساعده على ركوب سيارة مكتظة بالمتفجرات، بعد أن علمه كيف يقودها، ليمضي الطفل بعيدا ويفجر نفسه فيها.
بدوره، أوضح الناشط في تجمّع «الرقة تذبح بصمت» أبو محمد، أن التنظيم «دأب على استخدم الأطفال، سواء عندما كان يسمي نفسه (دولة العراق الإسلامية) في عام 2006، أو حتى عندما أعلن عن ولادة ما يسمى (الدولة الإسلامية في العراق والشام) في 2013». وقال: «لقد استخدم الأطفال في كل الميادين؛ بدءًا من توظيفهم جواسيس ضدّ عائلاتهم، وصولاً إلى العمليات الانتحارية».
وأكد أبو محمد لـ«الشرق الأوسط»، أن «لجوء التنظيم لاستخدام الأطفال في العمليات الانتحارية في الفترة الأخيرة، ليس بسبب نقص عدد الانتحاريين الأجانب أو حتى المناصرين لديه، إنما بهدف إبعاد الشبهات عن عملياته، ولذلك هو يستخدمهم الآن لتنفيذ مهام سهلة في الشكل، لكنها معقدة في المضمون»، لافتًا إلى أنه «يستفيد من قابلية الأطفال واستعدادهم للتضحية في سبيل التنظيم بعد خداعهم، وغسل أدمغتهم بسهولة، وهو أمر مختلف عن الكبار، وهذا ما يحتاجه التنظيم تمامًا».
وأشار أبو محمد إلى «عمليات كثيرة نفذها أطفال في سوريا والعراق، ومن الممكن أن يبدأ التنظيم باستخدام الأطفال في كل مرة يجدها مناسبة»، لافتًا إلى أنه «إذا ثبت استخدام الأطفال في العمليات الخارجية، أو كما يسميها (هجمات الذئاب)، وإذا صح أن التنظيم هو المسؤول عن العمل الإرهابي في تركيا (تفجير غازي عنتاب)، فهذا يُعتبر نذير شؤم، لأنه قد يستخدم الأطفال في عمليات إرهابية أخرى في أوروبا مثلاً؛ إذ ليس هناك عدد حقيقي معروف للأطفال المنتسبين للتنظيم، باعتبار أن تجمعنا يقدّر تجنيد التنظيم بما بين ألف و1500 طفل في سوريا وحدها».
وعن أساليب استقطاب «داعش» للأطفال والمراهقين، أفادت مصادر مصرية مطلعة على نشاط التنظيم الإرهابي أنه أطلق في مايو (أيار) الماضي تطبيقا خاصا بالأطفال يُسمى «حروف»، ويعمل على نظام تشغيل الهواتف الجوالة «آندرويد»، ويهدف إلى استقطابهم وتجنيدهم منذ الصغر، وذلك عبر تعليمهم الحروف الأبجدية العربية باستخدام كلمات تتعلق بالحروب والأسلحة.
وقالت المصادر إن «داعش» سعى من خلال التطبيق لخلق جيل جديد من الأطفال الانتحاريين يتخذون من فكر التنظيم ومنهجه الضال عقيدة ومنهجا، موضحة أن «الأطفال من الأوراق الرابحة لدى التنظيم، ويتم تجنيدهم عبر أسرهم وعبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل (تويتر) و(فيسبوك) للانضمام للتنظيم».
وأضافت المصادر أن «تجنيد الأطفال وغرس منهج الكراهية والتطرف داخل عقولهم منذ نعومة أظفارهم، أصبح الملجأ الوحيد المتبقي للتنظيم لضمان استمراره وانتشار أفكاره».
وتطبيق «داعش» سعى من خلاله إلى تلقين الأطفال معاني العنف والقتال من بوابة تعلم الحروف الأبجدية، حيث يتم تعليم الأطفال الحروف عن طريق أسماء السلاح المختلفة، كأن يتعلم الطفل الحرف «ب» مصحوبا بكلمة «بندقية»، والحرف «ص» مصحوبا بـ«صاروخ»، و«ر» بمصحوبا بـ«رصاصة»، و«س» بـ«سيف»، و«د» بـ«دبابة»، وغيرها من أنواع الأسلحة والمعدات، التي يُروج لها التنظيم، ويحاول بناء عقلية الأطفال منذ الصغر على هذه الأسماء، التي ترمز إلى العنف والقتل والحرب.
وأشارت المصادر إلى أن تطبيق «داعش» الإلكتروني قدم دروسا للأطفال في شكل ألعاب وأناشيد مصحوبة بصور جذابة وألوان زاهية، مع وجود «علم الخلافة المزعومة» الأسود الخاص بالتنظيم، وصور لأطفال يرتدون أقنعة «داعش» السوداء، بما تحمله هذه الصور من معاني تشجع الأطفال على ممارسة العنف، والإقبال عليه، وترسيخ صورة مقاتلي التنظيم، باعتبارهم أعلاما تحتذى.



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.