قرية «كافنديش».. هنا عاش سولجنتسين

اتخذها ملجأ له بعدما طرده الاتحاد السوفياتي السابق

متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين
متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين
TT

قرية «كافنديش».. هنا عاش سولجنتسين

متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين
متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين

لا يوجد طريق مباشر بين جامعة هارفارد، قرب بوسطن (ولاية ماساشوستس)، وقرية كافينديش (ولاية فيرمونت) المجاورة. بينهما مسافة مائة ميل تقريبا. لكن، يلتقي الطريق السريع رقم (93) الذي يتجه شمالا من بوسطن، بالطريق السريع رقم (91)، الذي يتجه جنوبا نحو كافنديش. ولا بد أن ألكسندر سولجنتسين، الأديب الروسي، الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب، ومؤلف روايات مشهورة، من بينها «أرخبيل الغولاغ»، كان يقضي وقتا طويلا يتنقل بين المكانين. لكنه، على أي حال، لم يعمل في جامعة هارفارد كثيرا. انتقل إلى جامعة ستانفورد (ولاية كاليفورنيا). ثم إلى كافنديش عام 1976. هنا كتب بعض رواياته، منها: «العجلة الحمراء» (عن الثورة الشيوعية عام 1917).
* متحف سولجنتسين
لا يعرف شخص في القرية الصغيرة (1.400 شخص) لماذا اختارها سولجنتسين ملجأ له. لكنهم، طبعا، فخورون لأنه اختارها. وربما لأنه كتب في رواياته مرات كثيرة عن «قرية صغيرة بعيدة عن بقية العالم».
في الحقيقة، يربط القرية ببقية العالم طريق ضيق ملتو، وسط جبال وهضاب. ولا يوجد فيها غير ضوء مرور واحد. وعلى الشارع الرئيسي (الشارع رقم 131) في المنزل رقم 1958 يوجد متحف جمعية كافنديش التاريخية (متحف سولجنتسين). كان المكان كنيسة، ويتبع لطائفة مسيحية تقدمية: «يونيفيرساليت يونيتاريان» (العالميون الموحدون). بناه، عام 1844. القس وارين سكينار، من قادة المعارضين لتجارة الرقيق في ذلك الوقت (قبل الحرب الأهلية). وتوجد في المكان إشارة إلى ما يمكن أن يربط القس الأميركي بالروائي الروسي: «الحرية لا تتجزأ، ولا تعرف شرقا أو غربا».
قضى سولجنتسين قرابة عشرين سنة هنا. لكن، يبدو وكأنه قضى سنة، أو ربما أقل من سنة، أو ربما لم يأت إلى هنا أبدا. وذلك لأن المكان يبدو مجهولا. ولم يكن يتحدث كثير من الناس هنا عنه. ويوجد أكثر من سبب:
أولا: حماية سرية، خوفا من وصول أعدائه إليه.
ثانيا: رغبته هو في العزلة.
ثالثا: تحاشي سكان المدينة الصغيرة للأضواء.
لكن، هذا الصيف، تسلطت الأضواء على المكان، وعلى الرجل، بسبب كتاب جديد عنه: «ألكساندر سولجنتسين: الكاتب الذي غير التاريخ». كتبته مارغو كولفيلد، مديرة جمعية كافنديش التاريخية التي تشرف على «متحف سولجنتسين». يقدم الكتاب الرجل بطريقة سهلة، وذلك استهدافا للقراء صغار السن. ولهذا السبب، أيضا، فيه صور كثيرة. وفيه دروس عن أهمية الحرية والانفتاح.
ولد سولجنتسين سنة 1918، مع بداية الحكم الشيوعي في روسيا (توفي سنة 2008، وكان عمره 89 سنة). ودرس في جامعة روستوف الرياضيات، ثم كرهها، وتحول إلى الفلسفة والآداب. وباعترافه هو، لم يعاد الحكم الشيوعي، إلا بعد أن اشترك في الحرب العالمية الثانية، ووصل عمره إلى الثلاثينات.
تألم لمعاملة الجنود الروس للنساء والأطفال الألمان (مع بداية هزائم الألمان). فيما بعد، كتب في رواية «أرخبيل الغولاغ»: «لا يوقظ الضمير مثل الإحساس بوجود كراهية وظلم في أعماق كل واحد منا. كنت أسال نفسي ونحن نتقدم نحو برلين: هل نحن (الروس) أحسن منهم (الألمان)؟»
لم يخف هذه الآراء، وكان يكتبها في خطابات إلى أصدقائه. وكان يقول إن الزعيم الروسي جوزيف ستالين ليس أقل عداء وكراهية وظلما من الزعيم الألماني أدولف هتلر. وعندما وقعت بعض هذه الخطابات في أيدي شرطة أمن ستالين، اعتقل، وحوكم بالسجن ثماني سنوات في معسكر للأشغال الشاقة في أقاصي سيبريا.
كتب، خلال تلك السنوات، رواية «يوم في حياة إيفان دنيسوفياتش» (لم تنشر إلا بعد عشرين عاما). وفيها وصف دقيق لما تعرض له سجين واحد خلال يوم واحد. وكان واضحا أن هذا السجين هو.
عوقب أكثر بعد نهاية فترة السجن الأولى، وذلك لأنه لم يخفف معارضته للحكم الشيوعي، ولأنه انتقد الزعيم ستالين نقدا عنيفا، وأعلن التخلي عن النظرية الشيوعية، عائدًا إلى المسيحية الكاثوليكية، دين والدته. قضى سنوات سجينا في مستشفى عسكري لإصابته بالسرطان، وهناك كتب رواية «عنبر السرطان».
* أرخبيل الغولاغ
تصف أشهر رواياته: «أرخبيل الغولاغ»، في تفاصيل دقيقة، الحياة في معسكرات الأشغال الشاقة. وتتكون الرواية من ثلاثة أجزاء، خلط فيها تجربته الخاصة، وتجارب غيره، ودراسات، وأبحاث، وأرقام، وإحصائيات.
ظهرت، في البداية، أجزاء من الرواية في روسيا سرا، وظهرت كاملة في الغرب في عام 1973. (تعني كلمة «غولاغ» الأحرف الأولى باللغة الروسية لعبارة: «الإدارة العليا لمعسكرات الأشغال الشاقة الإصلاحية»). نال سولجنتسين جائزة نوبل في الآداب بسبب هذه الرواية. وفي عام 1974، بسبب زيادة شهرته داخل وخارج الاتحاد السوفياتي، نزع النظام الشيوعي الجنسية الروسية منه، وطرده من روسيا.
قضى سنوات في ألمانيا، وسنوات في سويسرا، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 1976.
في عام 1990، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وسقوط حكم الحزب الشيوعي، صدرت الرواية كاملة هناك، لأول مرة. وفي عام 2009، صارت الرواية جزءا إجباريا في مقررات التاريخ والآداب في المدارس الثانوية الروسية.
في نقاش في متحف سولجنتسين في كافنديش عن الآثار التاريخية للرواية، جاءت الآراء الآتية:
أولا: صار شيئا طبيعيا، في كل مكان وزمان، أن أي نظام يفرض نفسه على الناس لا بد أن يسجن الذين يعارضون هذا الفرض، أو يهددهم بالسجن.
ثانيا: لا يقدر الشيوعيون (خاصة الأحزاب الشيوعية في الغرب) على أن يفرقوا بين النظرية والتطبيق، بين فلاديمير لينين وكارل ماركس. رواية «أرخبيل الغولاغ» برهنت على فشل التطبيق، وبالتالي، فشل النظرية.
أما هو جورج كينان، الدبلوماسي والمؤرخ الأميركي العريق، فقد قال عن الرواية إنها «أقوى إدانة لنظام سياسي في التاريخ الحديث».
* اليزافيتا فيرونيسكايا
توجد في متحف سولجنتسين صورة اليزافيتا فيرونيسكايا، سكرتيرته التي طبعت رواية «أرخبيل الغولاغ». وكانت شرطة الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي) تبحث عن الرواية، وعثرت على نسخة منها بعد اعتقال، واستجواب، وتعذيب السكرتيرة. في وقت لاحق، انتحرت السكرتيرة.
وتوجد في المتحف أيضا صورة الموسيقار الروسي ماستيلاف رستروبوفتش، الذي دعا سولجنتسين ليسكن معه في شقته الريفية («داتشا»). لم تجرؤ «كي جي بي» على اقتحام الشقة، وهي تبحث عن الرواية، وذلك بسبب شهرة الموسيقار، وخوفها من كشف ما تفعل.
وتوجد في المتحف نسخة من المسلسل التلفزيوني الفرنسي «التاريخ السري للغولاغ». أذاعته قناة «روسيا كي» (لكن، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي).
وتوجد في المتحف صور ومعلومات عن حياة سولجنتسين في روسيا، قبل أن يطرده النظام الشيوعي، منها صور مكان ميلاده، والجامعة التي درس فيها، ومعسكرات الأعمال الشاقة في سيبريا. وتوجد في المتحف نسخة من خطابه عندما ترك القرية وعاد إلى روسيا (عام 1994). وجاء في الخطاب (باللغة الروسية، وهو لم يحسن اللغة الإنجليزية حتى عاد إلى روسيا) أنه مدين لسكانها «لأنكم ساعدتموني على حماية خصوصيتي». وقال إنه اختار القرية «لأني لا أحب المدن الكبيرة، والحياة الاصطناعية الفارغة فيها». وإنه أحب القرية بسبب «حياة الريف، والشتاء الطويل عندما يكسو الجليد كل الأرض. ويذكرني بروسيا».
* تراثه
في الوقت الحاضر، يحمل لواء سولجنتسين في الولايات المتحدة ابنه اغنات (44 عاما) الذي صار موسيقيا مشهورا، ويتخصص في البيانو، ويقود الفرقة السيمفونية في فيلادلفيا (ولاية بنسلفانيا)، وأحيانا، الفرقة السيمفونية في موسكو (يحمل الجنسيتين الروسية والأميركية). قال إنه مدين في نجاحه الموسيقي للموسيقار الروسي رستروبوفتش (الذي كان أوى والده في موسكو).
وصار هو، وشقيقه، حلقة وصل بين البلدين، خاصة في تأسيس جمعيات ومؤسسات عن والدهما في الولايات المتحدة وفي روسيا. وعادا إلى روسيا مرات كثيرة. منها عندما استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والدهما لأول مرة. وعندما زاره بوتين في شقته الريفية، وقدم له «وسام الدولة للاتحاد الفيدرالي الروسي». وعندما توفي والدهما، دفناه في دير «دونسكوي»، مع ترانيم مسيحية (كما طلب).
* الشرق؟ أم الغرب؟
كتبت مارغو كولفيلد، مديرة جمعية كافنديش التاريخية، ومؤلفة كتاب: «سولجنتسين: الكاتب الذي غير التاريخ»، عن آرائه نحو الشرق، ونحو الغرب.
انتقد الاثنين:
طبعا، كل رواياته تعادي النظام الشيوعي. ويوجد أثر واضح لدور الدين في هذا العداء.
كتب: «منذ أكثر من نصف قرن، وأنا طفل صغير، كنت أسمع الكبار يتكلمون عن المشاكل التي يواجهها الوطن. وكنت أسمعهم يكررون: (نسينا الله، ولهذا، حدث لنا كل هذا).. منذ ذلك الوقت، ها أنا قضيت أكثر من خمسين عاما أدرس، وأبحث، واكتب عن تاريخ ثورتنا (الشيوعية). قرأت مئات الكتب والأبحاث. وحتى الآن، كتبت ثمانية كتب.. لهذا، إذا سئلت اليوم: ما هو السبب الرئيسي لمشاكلنا، لقلت: (نسي الناس الله، ولهذا يحدث هذا)». في الجانب الآخر، انتقد الغرب سياسيا ورأسماليا.
ففي خطاب شهير في جامعة هارفارد عام 1978، انتقد النظام الرأسمالي الأميركي. وقال إن الأميركيين «يعيشون حياة ضعف روحي، ويغرقون في المادية، ويعانون من الجبن الفكري، ومن غياب الرجولة». عارض سولجنتسين النظام الشيوعي، لكنه ظل يفتخر بالثقافة الروسية والتراث الروسي. وانتقد الغرب لأنه يعادي كل ما هو روسي: سياسيا، وثقافيا. وقال مرة: «عادى الغربيون ثقافتنا (الروسية)، ولهذا، لم يفهموها».



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.