قرية «كافنديش».. هنا عاش سولجنتسين

اتخذها ملجأ له بعدما طرده الاتحاد السوفياتي السابق

متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين
متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين
TT

قرية «كافنديش».. هنا عاش سولجنتسين

متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين
متحف سولجنتسين في قرية «كافنديش» .. وفي الإطار ألكسندر سولجنتسين

لا يوجد طريق مباشر بين جامعة هارفارد، قرب بوسطن (ولاية ماساشوستس)، وقرية كافينديش (ولاية فيرمونت) المجاورة. بينهما مسافة مائة ميل تقريبا. لكن، يلتقي الطريق السريع رقم (93) الذي يتجه شمالا من بوسطن، بالطريق السريع رقم (91)، الذي يتجه جنوبا نحو كافنديش. ولا بد أن ألكسندر سولجنتسين، الأديب الروسي، الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب، ومؤلف روايات مشهورة، من بينها «أرخبيل الغولاغ»، كان يقضي وقتا طويلا يتنقل بين المكانين. لكنه، على أي حال، لم يعمل في جامعة هارفارد كثيرا. انتقل إلى جامعة ستانفورد (ولاية كاليفورنيا). ثم إلى كافنديش عام 1976. هنا كتب بعض رواياته، منها: «العجلة الحمراء» (عن الثورة الشيوعية عام 1917).
* متحف سولجنتسين
لا يعرف شخص في القرية الصغيرة (1.400 شخص) لماذا اختارها سولجنتسين ملجأ له. لكنهم، طبعا، فخورون لأنه اختارها. وربما لأنه كتب في رواياته مرات كثيرة عن «قرية صغيرة بعيدة عن بقية العالم».
في الحقيقة، يربط القرية ببقية العالم طريق ضيق ملتو، وسط جبال وهضاب. ولا يوجد فيها غير ضوء مرور واحد. وعلى الشارع الرئيسي (الشارع رقم 131) في المنزل رقم 1958 يوجد متحف جمعية كافنديش التاريخية (متحف سولجنتسين). كان المكان كنيسة، ويتبع لطائفة مسيحية تقدمية: «يونيفيرساليت يونيتاريان» (العالميون الموحدون). بناه، عام 1844. القس وارين سكينار، من قادة المعارضين لتجارة الرقيق في ذلك الوقت (قبل الحرب الأهلية). وتوجد في المكان إشارة إلى ما يمكن أن يربط القس الأميركي بالروائي الروسي: «الحرية لا تتجزأ، ولا تعرف شرقا أو غربا».
قضى سولجنتسين قرابة عشرين سنة هنا. لكن، يبدو وكأنه قضى سنة، أو ربما أقل من سنة، أو ربما لم يأت إلى هنا أبدا. وذلك لأن المكان يبدو مجهولا. ولم يكن يتحدث كثير من الناس هنا عنه. ويوجد أكثر من سبب:
أولا: حماية سرية، خوفا من وصول أعدائه إليه.
ثانيا: رغبته هو في العزلة.
ثالثا: تحاشي سكان المدينة الصغيرة للأضواء.
لكن، هذا الصيف، تسلطت الأضواء على المكان، وعلى الرجل، بسبب كتاب جديد عنه: «ألكساندر سولجنتسين: الكاتب الذي غير التاريخ». كتبته مارغو كولفيلد، مديرة جمعية كافنديش التاريخية التي تشرف على «متحف سولجنتسين». يقدم الكتاب الرجل بطريقة سهلة، وذلك استهدافا للقراء صغار السن. ولهذا السبب، أيضا، فيه صور كثيرة. وفيه دروس عن أهمية الحرية والانفتاح.
ولد سولجنتسين سنة 1918، مع بداية الحكم الشيوعي في روسيا (توفي سنة 2008، وكان عمره 89 سنة). ودرس في جامعة روستوف الرياضيات، ثم كرهها، وتحول إلى الفلسفة والآداب. وباعترافه هو، لم يعاد الحكم الشيوعي، إلا بعد أن اشترك في الحرب العالمية الثانية، ووصل عمره إلى الثلاثينات.
تألم لمعاملة الجنود الروس للنساء والأطفال الألمان (مع بداية هزائم الألمان). فيما بعد، كتب في رواية «أرخبيل الغولاغ»: «لا يوقظ الضمير مثل الإحساس بوجود كراهية وظلم في أعماق كل واحد منا. كنت أسال نفسي ونحن نتقدم نحو برلين: هل نحن (الروس) أحسن منهم (الألمان)؟»
لم يخف هذه الآراء، وكان يكتبها في خطابات إلى أصدقائه. وكان يقول إن الزعيم الروسي جوزيف ستالين ليس أقل عداء وكراهية وظلما من الزعيم الألماني أدولف هتلر. وعندما وقعت بعض هذه الخطابات في أيدي شرطة أمن ستالين، اعتقل، وحوكم بالسجن ثماني سنوات في معسكر للأشغال الشاقة في أقاصي سيبريا.
كتب، خلال تلك السنوات، رواية «يوم في حياة إيفان دنيسوفياتش» (لم تنشر إلا بعد عشرين عاما). وفيها وصف دقيق لما تعرض له سجين واحد خلال يوم واحد. وكان واضحا أن هذا السجين هو.
عوقب أكثر بعد نهاية فترة السجن الأولى، وذلك لأنه لم يخفف معارضته للحكم الشيوعي، ولأنه انتقد الزعيم ستالين نقدا عنيفا، وأعلن التخلي عن النظرية الشيوعية، عائدًا إلى المسيحية الكاثوليكية، دين والدته. قضى سنوات سجينا في مستشفى عسكري لإصابته بالسرطان، وهناك كتب رواية «عنبر السرطان».
* أرخبيل الغولاغ
تصف أشهر رواياته: «أرخبيل الغولاغ»، في تفاصيل دقيقة، الحياة في معسكرات الأشغال الشاقة. وتتكون الرواية من ثلاثة أجزاء، خلط فيها تجربته الخاصة، وتجارب غيره، ودراسات، وأبحاث، وأرقام، وإحصائيات.
ظهرت، في البداية، أجزاء من الرواية في روسيا سرا، وظهرت كاملة في الغرب في عام 1973. (تعني كلمة «غولاغ» الأحرف الأولى باللغة الروسية لعبارة: «الإدارة العليا لمعسكرات الأشغال الشاقة الإصلاحية»). نال سولجنتسين جائزة نوبل في الآداب بسبب هذه الرواية. وفي عام 1974، بسبب زيادة شهرته داخل وخارج الاتحاد السوفياتي، نزع النظام الشيوعي الجنسية الروسية منه، وطرده من روسيا.
قضى سنوات في ألمانيا، وسنوات في سويسرا، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 1976.
في عام 1990، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وسقوط حكم الحزب الشيوعي، صدرت الرواية كاملة هناك، لأول مرة. وفي عام 2009، صارت الرواية جزءا إجباريا في مقررات التاريخ والآداب في المدارس الثانوية الروسية.
في نقاش في متحف سولجنتسين في كافنديش عن الآثار التاريخية للرواية، جاءت الآراء الآتية:
أولا: صار شيئا طبيعيا، في كل مكان وزمان، أن أي نظام يفرض نفسه على الناس لا بد أن يسجن الذين يعارضون هذا الفرض، أو يهددهم بالسجن.
ثانيا: لا يقدر الشيوعيون (خاصة الأحزاب الشيوعية في الغرب) على أن يفرقوا بين النظرية والتطبيق، بين فلاديمير لينين وكارل ماركس. رواية «أرخبيل الغولاغ» برهنت على فشل التطبيق، وبالتالي، فشل النظرية.
أما هو جورج كينان، الدبلوماسي والمؤرخ الأميركي العريق، فقد قال عن الرواية إنها «أقوى إدانة لنظام سياسي في التاريخ الحديث».
* اليزافيتا فيرونيسكايا
توجد في متحف سولجنتسين صورة اليزافيتا فيرونيسكايا، سكرتيرته التي طبعت رواية «أرخبيل الغولاغ». وكانت شرطة الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي) تبحث عن الرواية، وعثرت على نسخة منها بعد اعتقال، واستجواب، وتعذيب السكرتيرة. في وقت لاحق، انتحرت السكرتيرة.
وتوجد في المتحف أيضا صورة الموسيقار الروسي ماستيلاف رستروبوفتش، الذي دعا سولجنتسين ليسكن معه في شقته الريفية («داتشا»). لم تجرؤ «كي جي بي» على اقتحام الشقة، وهي تبحث عن الرواية، وذلك بسبب شهرة الموسيقار، وخوفها من كشف ما تفعل.
وتوجد في المتحف نسخة من المسلسل التلفزيوني الفرنسي «التاريخ السري للغولاغ». أذاعته قناة «روسيا كي» (لكن، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي).
وتوجد في المتحف صور ومعلومات عن حياة سولجنتسين في روسيا، قبل أن يطرده النظام الشيوعي، منها صور مكان ميلاده، والجامعة التي درس فيها، ومعسكرات الأعمال الشاقة في سيبريا. وتوجد في المتحف نسخة من خطابه عندما ترك القرية وعاد إلى روسيا (عام 1994). وجاء في الخطاب (باللغة الروسية، وهو لم يحسن اللغة الإنجليزية حتى عاد إلى روسيا) أنه مدين لسكانها «لأنكم ساعدتموني على حماية خصوصيتي». وقال إنه اختار القرية «لأني لا أحب المدن الكبيرة، والحياة الاصطناعية الفارغة فيها». وإنه أحب القرية بسبب «حياة الريف، والشتاء الطويل عندما يكسو الجليد كل الأرض. ويذكرني بروسيا».
* تراثه
في الوقت الحاضر، يحمل لواء سولجنتسين في الولايات المتحدة ابنه اغنات (44 عاما) الذي صار موسيقيا مشهورا، ويتخصص في البيانو، ويقود الفرقة السيمفونية في فيلادلفيا (ولاية بنسلفانيا)، وأحيانا، الفرقة السيمفونية في موسكو (يحمل الجنسيتين الروسية والأميركية). قال إنه مدين في نجاحه الموسيقي للموسيقار الروسي رستروبوفتش (الذي كان أوى والده في موسكو).
وصار هو، وشقيقه، حلقة وصل بين البلدين، خاصة في تأسيس جمعيات ومؤسسات عن والدهما في الولايات المتحدة وفي روسيا. وعادا إلى روسيا مرات كثيرة. منها عندما استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والدهما لأول مرة. وعندما زاره بوتين في شقته الريفية، وقدم له «وسام الدولة للاتحاد الفيدرالي الروسي». وعندما توفي والدهما، دفناه في دير «دونسكوي»، مع ترانيم مسيحية (كما طلب).
* الشرق؟ أم الغرب؟
كتبت مارغو كولفيلد، مديرة جمعية كافنديش التاريخية، ومؤلفة كتاب: «سولجنتسين: الكاتب الذي غير التاريخ»، عن آرائه نحو الشرق، ونحو الغرب.
انتقد الاثنين:
طبعا، كل رواياته تعادي النظام الشيوعي. ويوجد أثر واضح لدور الدين في هذا العداء.
كتب: «منذ أكثر من نصف قرن، وأنا طفل صغير، كنت أسمع الكبار يتكلمون عن المشاكل التي يواجهها الوطن. وكنت أسمعهم يكررون: (نسينا الله، ولهذا، حدث لنا كل هذا).. منذ ذلك الوقت، ها أنا قضيت أكثر من خمسين عاما أدرس، وأبحث، واكتب عن تاريخ ثورتنا (الشيوعية). قرأت مئات الكتب والأبحاث. وحتى الآن، كتبت ثمانية كتب.. لهذا، إذا سئلت اليوم: ما هو السبب الرئيسي لمشاكلنا، لقلت: (نسي الناس الله، ولهذا يحدث هذا)». في الجانب الآخر، انتقد الغرب سياسيا ورأسماليا.
ففي خطاب شهير في جامعة هارفارد عام 1978، انتقد النظام الرأسمالي الأميركي. وقال إن الأميركيين «يعيشون حياة ضعف روحي، ويغرقون في المادية، ويعانون من الجبن الفكري، ومن غياب الرجولة». عارض سولجنتسين النظام الشيوعي، لكنه ظل يفتخر بالثقافة الروسية والتراث الروسي. وانتقد الغرب لأنه يعادي كل ما هو روسي: سياسيا، وثقافيا. وقال مرة: «عادى الغربيون ثقافتنا (الروسية)، ولهذا، لم يفهموها».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.