الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح

مليون جربوا الاعتقال منذ 1967.. سلاحهم «الصمود» و«الإضرابات»

الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح
TT

الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح

الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح

إذا عرفنا أن إسرائيل اعتقلت منذ احتلالها للضفة الغربية عام 1967 وحتى الآن ثلث الشعب الفلسطيني، فهذا يعني أن كل عائلة في فلسطين تقريبا جربت هذه الاعتقالات التي طالما كانت وما زالت طقسا يوميا تمارسه قوات الاحتلال من ضمن إجراءات أخرى كثيرة في صراع وجودي مختلف.
والحقيقة أن كلمة «الاعتقال» تختصر مسارا طويلا صعبا وشاقًا، يبدأ بالرعب الذي تمارسه القوات الإسرائيلية أثناء العملية التي تتم عادة منتصف الليل، مع كل ما يتبعها من ترويع كبير للآمنين، مرورا بالضرب والإهانات والتحقيق والتنقل المذل وجلسات المحاكم وظروف الاعتقال والزيارات والحرمان والعزل والزنازين والإضرابات عن الطعام حتى الموت أو الحرية.
على مدار أكثر من 5 عقود، لم يقل عدد الأسرى الفلسطينيين عن آلاف تزيد وتنقص بحسب الوضع الأمني في البلاد، ولكن ولا في مرة واحدة حتى مع توقيع «اتفاق أوسلو» فرغت السجون من ساكنيها، وهو المطلب الذي تضعه السلطة الفلسطينية اليوم كشرط أساسي من بين شروط أخرى لتوقيع اتفاق سلام نهائي.
صحيح أن السلطة الفلسطينية من جهة وحركة حماس من جهة ثانية نجحتا في تخليص أسرى باتفاقات سلام أو صفقات تبادل، ولكن الأعداد التي تناقصت سرعان ما تزايدت بفعل الانتفاضة الأخيرة. وتشير تقارير فلسطينية رسمية أن العامين الأخيرين 2015 و2016 كانا الأسوأ منذ نحو 17 عاما، أي بالضبط إذا تجاوزنا فترة الانتفاضة الثانية عام 2000.

اغتيال سياسي
يلخص عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى، الحرب المحمومة في العامين الأخيرين على الأسرى الفلسطينيين بوصفه ما يتعرض له الأسرى بـ«اغتيال سياسي». ويقول قراقع إن ما «يجري على ساحة السجون والمعسكرات الإسرائيلية هو اشتباك قاس وصعب ومؤلم، بل هو أكثر من عدوان على الأسرى وكرامتهم وحقوقهم، إنها محاولة إسرائيلية رسمية لصهر الأسرى نفسيا وجسديا وقانونيا في فرن الفاشية الإسرائيلية المتنامية والتي تضرب بجنونها في كل مكان».
ويرى قراقع أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وضعت قضية الأسرى هدفًا هجوميًا على مستويات مختلفة:
الأول، هو حملة الاعتقالات المحمومة والشاملة التي تحوّلت إلى عقاب جماعي للشعب الفلسطيني والتي تركّزت على الأطفال القاصرين، حيث وصلت حالات الاعتقال منذ بداية عام 2016 إلى 3000 حالة اعتقال، ومن كافة فئات الشعب الفلسطيني.
والثاني، هو المستوى السياسي الذي أعطى الضوء الأخضر لإجراءات قمعية ومشددة تجاه الأسرى، بغطاء ديني من خلال فتاوى إسرائيلية مفعمة بالكراهية والعداء للأسرى.
والثالث، هو المستوى التشريعي، عبر تحويل الكنيست الإسرائيلي إلى ورشة عمل عنصرية في تشريع قوانين ضد حقوق الأسرى وضد القانون الدولي الإنساني، كقانون اعتقال أطفال في أعمار 12 عاما ورفع الأحكام بحقهم، وقانون التغذية القسرية بحق الأسرى المضربين، وقانون السماح بتعذيب المعتقلين، وقانون الاعتقال لمجرد الاشتباه.
والرابع، هو القضائي، ويتمثل من خلال الاعتقالات التعسفية وإصدار أوامر اعتقال إداري دون أمر قضائي ودون محاكمة أو لائحة اتهام، وتوسيع نطاق الاعتقال الإداري ليشمل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتقال النواب والنشطاء السياسيين والصحافيين، واعتقال أطفال إداريا، وتجديد الاعتقال عدة مرات.
والخامس، وهو الإنساني، حيث تشهد السجون عملية انقضاض واسع على حقوق الأسرى والمساس بكرامتهم الإنسانية، ونزع الصفة الآدمية عنهم، ومن خلال سياسة الاعتداء عليهم باقتحام متواصل لغرفهم وأقسامهم والتنكيل بهم وإذلالهم ونقلهم تعسفيًا. وكذلك من خلال العزل الانفرادي حيث يقبع 19 أسيرا في العزل بعضهم منذ 3 سنوات، والحرمان من الزيارات والكنتين وفرض الغرامات الفردية والجماعية، والإهمال الطبي وعدم تقديم العلاجات اللازمة للأسرى المرضى والجرحى وغيرها من الانتهاكات التعسفية.

اعتقالات محمومة في الانتفاضة
وتشير الإحصاءات الرسمية الفلسطينية إلى اعتقال إسرائيل منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أي بدء الانتفاضة نحو 4800 مواطن، منهم نحو 1400 طفل وقاصر غالبيتهم من محافظتي القدس والخليل. ورفع هذا الرقم المهول عدد الأسرى في غضون فترة قصيرة إلى 7000 أسير يقبعون اليوم في 22 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق إلى جانب معتقلي «عتصيون» و«حوارة» التابعين للجيش، بينهم 30 أسيرا قديما، و70 أسيرة، وأكثر من 400 طفل و750 أسيرًا «إداريا».

الأسرى القدامى
من بين الـ7000 يوجد 30 يطلق عليهم اسم «الأسرى القدامى»، وهو مصطلح يعني الأسرى الذين اعتقلهم الاحتلال منذ ما قبل توقيع «اتفاقية أوسلو» عام 1993. ورفضت إسرائيل الإفراج عنهم حتى مع توقيع «السلام» المأمول. وكانت إسرائيل أفرجت عام 2013 عن ثلاث دفعات ضمن استئناف مسار المفاوضات لكنها ألغت الإفراج عن الدفعة الرابعة في مارس (آذار) 2014. والتي تتضمن الأسرى الـ30. وأقدمهم الأسيران كريم يونس وماهر يونس من الأراضي المحتلة عام 1948، كما يطلق هذا المصطلح على الأسرى الذين قضوا أكثر من (20) عامًا في سجون الاحتلال. أما بالنسبة للأسيرات فيصل عددهن اليوم إلى 70 أسيرة في سجون الاحتلال، من بينهن 17 فتاة قاصر، وأقدمهن الأسيرة لينا الجربوني من عرب الداخل 1948. وأما عن الأسرى الأطفال والقاصرين (دون 18 سنة) فقد وصل عددهم في سجون الاحتلال إلى 400 موزعين على سجني «مجدو» و«عوفر».
ويقول تقرير لهيئة شؤون الأسرى إنهم جميعا تعرضوا خلال فترة اعتقالهم لأساليب متنوعة من التعذيب والإهانة والمعاملة القاسية، وذلك منذ لحظة إلقاء القبض عليهم والطريقة الوحشية التي يتم اقتيادهم بها من منازلهم في ساعات متأخرة من الليل، إضافة إلى المعاملة المهينة والمذلة التي يتعرضون لها أثناء نقلهم للمعتقلات أو مراكز التحقيق، هذا عدا عن الأساليب القاسية وممارسة التعذيب بحقهم، ويشار إلى أن الكثير من القاصرين انتزعت منهم الاعترافات بالقوة والتهديد، وحكموا غيابيًا.

انتهاكات بحق المعتقلين
وتوثق تقارير فلسطينية متخصصة عدة أساليب للتنكيل والتعذيب تتبعها إدارة مصلحة سجون الاحتلال وقوّات قمع السّجون بحقّ الحركة الأسيرة في السجون، منذ الاعتقال ومرورا بالتحقيق والتوقيف، وخلال التحقيق معهم، ثم لدى نقلهم إلى المحاكم والمستشفيات عبر عربة تسمى «البوسطة» وتشكل وحدها محطة إذلال نفسي وجسدي كبير. إذ يقضي الأسرى داخل غرف ضيقة حديدية في عربة نقل ساعات طويلة تحت حر شديد أو برد شديد من دون أن يتمكن أحد منهم من الحركة أو قضاء الحاجة أو طلب شربة ماء.
وتتنوع الانتهاكات بحق الأسرى، بين الحرمان من العلاج والأدوية، والاقتحامات الليلية المفاجئة والنقل التعسفي بين السّجون والأقسام، وحرمان الأسرى من الدرجة الأولى للقرابة من التجمع في نفس السجن في بعض الحالات، والاعتداء على الأسرى بالضرب وإطلاق قنابل الغاز بين الأقسام والغرف المغلقة، وإطلاق الرصاص في الساحات، إضافة إلى حرمان بعض الأهالي من الزيارة ووضع حاجز زجاجي بين الأسير وعائلته خلال الزيارة، وفرض عقوبات العزل ودفع الغرامات المالية وقطع الإمدادات الكهربائية والمائية عنهم.
أيضًا تشير التقارير القانونية إلى أن ما نسبته 95 في المائة من مجمل المعتقلين تعرضوا للتعذيب القاسي والإساءة من قبل المحققين والجيش الإسرائيلي. ويشمل التعذيب صنوفًا مختلفة، مثل الضرب والاعتداء بشكل وحشي وهمجي على الأسرى أثناء اعتقالهم وقبل نقلهم إلى مراكز التحقيق والتوقيف، بالإضافة إلى إجبارهم على خلع ملابسهم وتركهم لساعات طويلة في البرد القارس وهم مكبلو الأيدي والأرجل وحرمانهم من استعمال المراحيض.
وعند وصول الأسرى إلى أقبية التحقيق ومراكز التوقيف المنتشرة في إسرائيل، فإنهم يتعرضون لتحقيق قاسٍ، والحرمان من النوم والشبح المتواصل والحرمان من لقاء المحامي، إضافة إلى هدم منازل العشرات منهم ومعاقبة أسرهم باعتقال الزوجة والأم في محاولة لإجبار الأسرى على الاعتراف، إضافة إلى العزل في زنازين انفرادية لمدة طويلة.

نهج الإضرابات
«الأسرى الإداريون» هم الأسرى الذين زج بهم إلى السجن من دون محكمة وبلغ عددهم في سجون الاحتلال ما يقارب (750) أسيرًا إداريًا. وتستند قرارات الاعتقال الإداري إلى ما يسمى «الملف السري» الذي تقدمه أجهزة المخابرات الاحتلالية. وتتراوح أحكام الاعتقال الإداري ما بين شهرين وستة شهور قابلة للتمديد، يصدرها القادة العسكريون في المناطق الفلسطينية المحتلة بشكل تعسفي مستندين إلى الكثير من الأوامر العسكرية، وطال هذا الاعتقال جميع فئات المجتمع الفلسطيني، حيث إن الكثير من الأسرى الإداريين هم من الأطباء والمهندسين والأساتذة والصحافيين وكذلك نواب في المجلس التشريعي. وهذا النوع من الاعتقال بدأ يواجه بتمرد كبير سلاحه الوحيد الإضراب عن الطعام. ولقد نجح أسرى سابقون في إنهاء الاعتقال الإداري بحقهم متسلحين بالإضراب عن الطعام، بينهم خضر عدنان ومحمد القيق.
وقال خضر عدنان، الذي أضرب 67 يوما عن الطعام بشكل فردي، مفتتحا معركة الإضرابات الأخيرة: «الإضراب سلاحنا الوحيد». ويتحدث عدنان من واقع تجربة شخصية وفريدة ومهمة؛ فهو أول فلسطيني يضرب بشكل فردي وليس جماعيا، بالإضافة إلى أن إضرابه كان مختلفا ومفاجئا للإسرائيليين، فقد أضرب مطالبا بالحرية، وليس تحسين ظروف الاعتقال كما تعود الإسرائيليون.
وقال عدنان لـ«الشرق الأوسط»: «قررت أن أضرب بحثا عن الحرية»، وأضاف: «قلت إنه يجب وقف سياسة الاعتقالات وإفشالها ومنع الإسرائيليين من مواصلة هذا الصلف والإرهاب والهمجية في الاعتقال والتحقيق». وتابع: «لقد كانوا همجيين معي واستخدموا ألفاظا سيئة في التحقيق وألحقوا بي أذى نفسيا». وأردف: «لقد كان إضرابا من أجل الانتصار لكرامتي وكرامة شعبي، وضد الاعتقال الإداري الذي عانيت منه مرارا». وبهذا الإضراب الذي نجح بعد معاناة طويلة، تحول عدنان إلى رمز لمقاومة الاعتقال، ونجح في جر آخرين إلى مربع المواجهة هذا.
وأضربت بعده الأسيرة هناء شلبي وثائر حلاحلة وبلال ذياب ومحمود السرسك ومحمد القيق وبلال الكايد ومحمد ومحمود البلبول وآخرون في توجه على انتشار الاعتقال الذي يتم استنادا إلى أمر إداري فقط، من دون حسم قضائي، ومن دون لائحة اتهام ومن دون محاكمة.
وهنا توضح منظمة «بيتسيلم» الإسرائيلية أن الطريقة التي تستعمل بها إسرائيل «الاعتقال الإداري» تتناقض بصورة فظة مع القيود القانونية الدولية؛ إذ يتم القيام بالاعتقال الإداري في إسرائيل تحت غطاء كبير من السرية بحيث لا يتيح للمعتقلين أن يرتبوا لأنفسهم دفاعا لائقا. وقد احتفظت إسرائيل خلال السنوات الماضية بآلاف الفلسطينيين المعتقلين إداريا بصورة مستمرة دون تقديمهم للمحاكمة، ودون الإفصاح لهم عن التهم الموجهة لهم، ودون السماح لهم أو لمحاميهم بمعاينة المواد الخاصة بالأدلة. والقانون الإداري هو قانون الطوارئ البريطاني لعام 1945 ويعني اعتقال فلسطينيين والزج بهم في السجن من دون محاكمات أو إبداء الأسباب، لفترات مختلفة قابلة للتجديد تلقائيا.

التدويل كسلاح أخير
مع توجه الفلسطينيين إلى تدويل قضيتهم في الأعوام الأخيرة ترتفع الأصوات عاليا لتدويل قضية الأسرى على نحو خاص باعتبار ما يرتكب داخل السجون يرقى إلى جريمة حرب.
وفي حين أكد أمين سر اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير» الدكتور صائب عريقات أن «قضية الأسرى تشكل ركيزة أساسية لأي حل عادل وشامل في المستقبل، لما تمثله من اعتبارات سياسية وحقوقية وإنسانية»، وأطلقت وزارة الخارجية التعميم على سفارات دولة فلسطين في العالم، بضرورة تصعيد الفعاليات التضامنية مع الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام، وفي مقدمتهم الأسير بلال كايد الذي دخل إضرابه عن الطعام شهره الثالث، والأخوان بلبول ووليد مسالمة وغيرهم، وطالبت الوزارة باستمرار التواصل مع مراكز صنع القرار والرأي العام في البلدان المضيفة، من أجل فضح الممارسات الإسرائيلية القمعية بحقهم، وشرح معاناتهم، والمطالبة بممارسة الضغوط على دولة الاحتلال للإفراج الفوري عنهم، لا يبدو هذا كافيا للكثيرين.
وهنا يشرح قراقع: «أعتقد أن المطلوب لحماية الأسرى من الاستهداف الإسرائيلي ووقف مخطط اغتيالهم سياسيا وقانونيا أن تدعو القيادة الفلسطينية الدول الأعضاء في (اتفاقيات جنيف) للانعقاد سريعا لإلزام إسرائيل باحترام هذه الاتفاقيات وتطبيقها على الأراضي المحتلة وعلى الأسرى. وكذلك الضغط على هيئة المحكمة الجنائية الدولية للإسراع في فتح تحقيقات حول مخالفة إسرائيل لميثاق روما والقانون الدولي وارتكابها جرائم ضد الإنسانية في تعاملها مع الأسرى والتوجه إلى المحكمة الدولية في لاهاي لاستصدار فتوى قانونية حول المركز القانوني للأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ومسؤولية إسرائيل كسلطة محتلة تجاههم، والتمسك سياسيا بإطلاق سراح الأسرى كجزء أساسي وثابت في أي تسوية سياسية عادلة في المنطقة».
وحتى ينطبق ذلك إذا نجح أو تقوم الدولة الفلسطينية، سيسجن كثيرون آخرون ويجربون شتى أصناف القهر والحرمان في معركة لا تنتهي، شعارها الذي يحفظه جميع الأسرى وذووهم وأبناؤهم وأصدقاؤهم وبقية الفلسطينيين: «لا غرفة التوقيف باقية.. ولا زرد السلاسل.. نيرون مات.. ولم تمت روما.. بعينيها تقاتل.. وحبوب سنبلة تموت.. ستملأ الوادي سنابل».

أبرز السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف
* سجن بئر السبع: وهو سجن كبير يتضمن أربعة سجون كل واحد منها منفصل عن الآخر وهي «اوهلي كيدار» و«ايشيل» للسجناء الأمنيين، وسجن «ديكل» وآخر للسجناء الجنائيين، وهذه السجون الأربعة تتسع لمئات المعتقلين.
- سجن عسقلان: أنشئ في عهد الانتداب البريطاني كمقر لقيادة الجيش البريطاني في عسقلان. وافتتحته إسرائيل عام 1970، وشهد افتتاحه تنكيلاً بالأسرى الفلسطينيين.
* سجن الرملة: أنشئ سرايا الرملة عام 1934 إبان الانتداب البريطاني على فلسطين. وبعد إعلان دولة إسرائيل عام 1948 تحول إلى مركز للجيش الإسرائيلي. وفي عام 1953 تم تخصيص جزء من السرايا كسجن للفدائيين الفلسطينيين، ثم حولت السرايا بكاملها في عام 1967 إلى سجن مركزي للجنائيين اليهود إضافة إلى الأسرى الفلسطينيين وخصوصًا من منطقة القدس.
* سجن النقب: افتتح هذا السجن أول مرة عام 1988 حين زاره أكثر من 50 ألف معتقل فلسطيني إلى أن أغلق عام 1995. ثم أعيد افتتاحه مع اندلاع أحداث انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث يقع على بعد نحو 180 كلم جنوب مدينة القدس وعلى 10 كم شرق الحدود المصرية.
* سجن عوفر: أنشئ هذا السجن على أراضي بيتونيا، غربي مدينة رام الله بالضفة الغربية. ويعيش في كل خيمة من خيامه 30 أسيرًا يعانون من نقص الطعام والملابس وسوء الرعاية الصحية فضلاً عن انقطاع السجناء تمامًا عن العالم الخارجي.
* سجن جلبوع: يقع في شمال فلسطين أُنشئ حديثًا بإشراف خبراء آيرلنديين وافتتح في العام 2004 بالقرب من سجن شطة في منطقة بيسان. ويعد السجن ذا طبيعة أمنية مشددة جدًا، ويوصف بأنه السجن الأشد حراسة.
* سجن نفحة: يعد هذا المعتقل، الذي يبعد 100 كلم عن مدينة بئر السبع في صحراء النقب، من أشد السجون الإسرائيلية قسوة، وقد استحدث هذا السجن خصيصا للقيادات الفلسطينية من المعتقلين في مختلف السجون بغرض عزلهم عن بقية السجون الأخرى.
* سجن الدامون: بني هذا السجن منذ زمن الانتداب البريطاني كمستودع للدخان، وروعي في بنائه توفير الرطوبة لحفظ أوراق الدخان. وبعد عام 1948 وضع الكيان الإسرائيلي يده عليه وحوله إلى سجن، حيث يتسع لـ300 معتقل فقط، في حين تضع سلطات الاحتلال أعدادا أكبر من ذلك فيه.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.