قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

من عهد صدام حسين إلى «هدية» هيلاري كلينتون

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل
TT

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

قاعدة القيارة.. معركة ورسائل

على الرغم من تخلي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن الشأن العراقي بالقياس إلى سلفه جورج بوش، وبالقياس أيضا إلى فترة إدارته الأولى حيث كانت المرشحة الديمقراطية الرئاسية الحالية هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية، فإن الاهتمام الأميركي المتأخر بالشأن العراقي لجهة الحرب على الإرهاب – على وجه الخصوص - بات يرتبط في أذهان الكثيرين بمعركة الموصل. وعلى الرغم من الرمزية الهائلة التي تحتلها هذه المعركة، سواء بالنسبة إلى تنظيم داعش الإرهابي المتطرف كون الموصل عاصمة «الخلافة الإسلامية» المزعومة التي شهد أحد مساجدها الخطبة الأولى لـ«أبو بكر البغدادي» في أول جمعة بعد احتلال الموصل، أو بالنسبة للعراقيين الذين يعدونها آخر معاركهم الكبرى، أو الولايات المتحدة الأميركية التي تريد إدارتها الحالية تقديم رأس «البغدادي» على طبق من ذهب لكلينتون. ويرى مراقبون مطلعون أنه من المؤكد أن يغدو القضاء على زعيم «داعش» هو «الجائزة الأهم» المؤهلة لهيلاري كلينتون للعودة إلى البيت الأبيض بعدما فارقته لمدة عقد ونصف العقد من الزمن حين كانت «سيدة أولى» على امتداد ثماني سنوات في عهد زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
إن مدينة الموصل، التي ظهر في أحد مساجدها «أبو بكر البغدادي» في أول خطبة له بعد احتلالها بيومين وهو يحمل سيفًا في اليد اليسرى وعلى معصمه ساعة غالية الثمن من نوع «رولكس» في اليد اليمنى على طريقة «كبار المتدينين»، باتت المكان المتوقع أن يدفع فيه الثمن.. ولكن من خلال كلمة سر اسمها «القيارة». ثم إنه، على الرغم من وجود قواعد عسكرية أميركية أخرى في العراق (في كل من محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك) فإن قاعدة القيارة، في ضوء عملية إعادة ترتيب – أو قل رسم – الخرائط في منطقة الشرق الأوسط وسط حالة تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تبدو هذه القاعدة بالذات هي الأهم على صعيد هذه الترتيبات الجديدة في العراق والمنطقة. والجدير بالذكر هنا أن المنطقة المجاورة لهذه القاعدة تمثل اليوم مركزًا حيويًا لتنظيم داعش ذلك أنها تقع بين مدينتي تكريت والموصل وفيها آبار نفط ومصفاة متقادمة ومخازن سلاح ومعسكرات وأحياء مأهولة بالسكان.
طبقا لما كشفه سياسي عراقي لـ«الشرق الأوسط» في وقت سابق من هذا العام، فإن الولايات المتحدة الأميركية بدأت بإعادة تأهيل قاعدة القيارة الجوية بشمال غربي العراق من خلال إحالة عدد من المقاولات الخاصة ببناء وتجهيز القاعدة إلى عدد من الشركات الأجنبية، علما بأن الاتفاقات الخاصة بذلك أجريت في مقر السفارة الأميركية في الكويت.
يومذاك أضاف السياسي العراقي المطلع أن «الفرقة الأميركية المجوقلة 101 سوف تستقر في هذه القاعدة الاستراتيجية، وأن الجانب الأميركي أدخل إلى هذه القاعدة معدات تستخدم لأول مرة في الجيش الأميركي».

اهتمام وإعادة تأهيل
وأوضح المسؤول العراقي الرفيع المستوى أن «الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في اليوم التالي لتحرير القاعدة من سيطرة تنظيم داعش تأتي في سياق الاهتمام الأميركي». وكانت قاعدة القيارة قد بنيت أواخر سبعينات القرن الماضي على أيدي شركات يوغسلافية ضمن مشروع القواعد العملاقة للاستفادة من دروس الحروب العربية مع إسرائيل بين عامي 1967 و1973. وكانت هذه القاعدة لعبت دورًا مهما خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980ـ1988)، إذ كانت تؤوي أسراب طائرات «الميغ» الروسية و«الميراج» الفرنسية.
وتضم القاعدة مدرجين بطول 3505 و3596 مترا، ونحو 33 حظيرة طيران ويحيط بها سياج بقطر 20 كيلومترا مربعا، ومع السياج حزام أخضر من الأشجار يطوّق القاعدة لغرض حجب الرؤية وضمان السرية. وفي حين استخدمت القوات الأميركية قاعدة القيارة عند احتلالها العراق بعد عام 2003 فإنها سلمتها فيما بعد إلى الحكومة العراقية عام 2010 حين بدأ الأميركان يعدون العدة للانسحاب من العراق (أواخر عام 2011). ثم، في يونيو (حزيران) عام 2014 سقطت القيارة بيد تنظيم داعش المتطرف إبان هجومه الواسع في شمال غربي العراق الذي أسفر عن احتلاله الموصل.

أولويات أميركية
واستنادا لهذه الأهمية الاستراتيجية من حيث الموقع والتحصينات الدفاعية التي بنيت القاعدة وفقًا لاعتباراتها منذ نحو أربعة عقود فإن أولويات الاهتمام الاستراتيجي الأميركي بهذه القاعدة، التي تقع في منطقة ذات غالبية سنية مطلقة تقريبا، تسبق أولويات الجانب الحكومي العراقي.
فأولويات الحكومة العراقية برئاسة الدكتور حيدر العبادي تتركز الآن في تحرير الموصل فقط كمحافظة عراقية، في حين يبدو الأمر مختلفا سواء للجانب الأميركي أو الجانب السنّي المتمثل بأهالي تلك المناطق وما باتت تفرزه من زعامات سنّيّة وعشائرية لديها هي الأخرى أولويات. ذلك أن الحكومة العراقية – وفيها ثقل كبير للمكوّن الشعبي – ليست متحمسة لبناء قواعد أميركية في العراق لكنها تغض النظر حاليًا لأسباب يرى المراقبون السياسيون أنها تتمثل في الحاجة إلى الدعم الأميركي لإخراج «داعش».
ثم إن وجود مثل هذه القاعدة يأتي في سياق تقاسم النفوذ بين موسكو وواشنطن، غير أنه بغض نظر إيراني بعدما ضمنت واشنطن لطهران مناطق نفوذ أخرى في العراق، وهذا بالإضافة إلى تراجع الموقف الأميركي (السلبي سابقًا) من مشاركات «الحشد الشعبي» ذي الغالبية الشيعية في المعارك الدائرة حاليًا ضد تنظيم داعش، بما في ذلك معركة الموصل. إذ باتت مشاركة «الحشد الشعبي» اليوم شبه محسومة، والمتوقع أن يكون دوره مشابهًا لدوره في كل من معركتي الرمادي والفلوجة. وهذا يعني أنه سيكون جزءًا من المعركة لكنه قد لا يشارك مباشرة في عملية اقتحام مدينة الموصل التي بدأ أهاليها يشعرون بالخوف والهلع منذ الآن تخوفًا من الحرب القادمة، خصوصًا أن تنظيم داعش بدأ بدوره يحشد أعدادًا كبيرة من مقاتليه فيها.
أما أولوية أهالي الموصل ومحيطها، التي لخصها الزعيم السنّي البارز أسامة النجيفي في حديث أدلى به لـ«الشرق الأوسط» فهي أن يصار إلى إقامة «الأقاليم الفيدرالية لكن على أسس إدارية وليست طائفية». ولقد بيّن النجيفي أنه «يمكن تقسيم محافظة نينوى إلى عدة محافظات ينتظمها إقليم واحد وهو ما ينطبق على محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى».

تناقضات في الرؤية
بيد أن أولوية النجيفي تتناقض مع أولويات أخرى لبعض القيادات السنّيّة هناك تعارض هذا التوجه، وهذا ما يلخصه موقف مشعان الجبوري، النائب في البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين. وللعلم، فإن الجبوري وهو قيادي في «تحالف القوى العراقية» الذي ينتمي إليه أسامة النجيفي نفسه إلا أنه يخالفه في الرؤية والمنهج، وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط» اعتبر أن «الأقاليم الفيدرالية هي وصفة لتقسيم العراق ولن نسمح بها على الإطلاق». وردا على سؤال بأن الدستور العراقي ثبّت الفيدرالية في الكثير من مواده، قال الجبوري إن «الوقت غير مناسب لذلك، حتى لو بدأ الأمر بغطاء دستوري. يضاف إلى ذلك أن هناك مشاريع تقسيم في المنطقة لن نقبل بها، وتركيا التي يؤيدها السيد النجيفي جزء من هذه الترتيبات».
من جانبها، فإن الولايات المتحدة الأميركية التي قررت إرسال 560 جنديًا إلى قاعدة القيارة التي هي الآن قيد الإعداد وصل منهم الأسبوع الماضي 400 جندي، تعد العدة الآن لمعركة الموصل لأن الترتيبات المستقبلية في قاعدة القيارة و«الجائزة الكبرى» لهيلاري كلينتون تتوقف على خطة تحرير الموصل. ومن أجل تطبيق الرؤية الأميركية على أرض الواقع أرسلت واشنطن الكثير من الوفود الرفيعة المستوى إلى بغداد، مثل وزراء الخارجية والدفاع وقائد القيادة المركزية الأميركية والناطق باسم التحالف الدولي ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية وذلك بهدف تهيئة كافة الاستعدادات للمعركة الفاصلة.
وهنا تبدو بغداد، على لسان المتحدث الإعلامي بمكتب رئيس الوزراء سعد الحديثي، مهتمة بهذه الرؤية. إذ يقول الحديثي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاهتمام الأميركي في تحرير الموصل يتمثل في مستوى الدعم المتواصل الذي بدأت تقدمه واشنطن للعراق، وهو ما يتضح من خلال ما تجريه الإدارة الأميركية من اتصالات مع رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي تعده واشنطن شريكا رئيسيا لها في مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى أنها تدرك أن العراق بات يمثل الخط الأمامي في المواجهة ضد تنظيم داعش. وبالتالي، فإن هناك طمانة أميركية مستمرة للعراق بالوقوف إلى جانبه في مختلف الجوانب، وهو ما ترك أثره على طبيعة ومستوى الإعداد للمعركة من مختلف جوانبها».

دور القاعدة الاستراتيجي
ومما يستحق الإشارة، أن وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر كان قد أعلن أن الرئيس أوباما سينشر 560 عسكريًا أميركيًا إضافيًا في العراق للمساعدة في تحرير الموصل من تنظيم داعش على أن تكون وجهة هؤلاء الجنود نحو قاعدة القيارة. وطبقا لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الحسنة الاطلاع فإنه «بهذا العدد الإضافي سيصل مجموع القوات الأميركية في العراق إلى 4647 عسكريًا، ومن ثم سيتم نشر الكثير من هذه القوات في مطار قاعدة القيارة». وأضافت الصحيفة نقلا عن كارتر أن «القادة العسكريين الأميركيين يعتزمون استخدام قاعدة القيارة الجوية كمطار ومنطقة انطلاق لتقديم الدعم اللوجستي للقوات العراقية المتقدمة نحو الموصل، فيما يوجد متخصصون في دعم البنية التحتية، مثل الجسور، التي سيحتاجها العراقيون في الهجوم على الموصل بسبب تدمير (داعش) الكثير منها في المدينة».
أيضًا، في سياق هذه الترتيبات فإن معركة الموصل المتوقع انطلاق صفحتها الرئيسية مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل صرح مصدر مطلع رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» بأن واشنطن سوف تبدأ باستخدام طائرات الأباتشي المتطورة في معركة الموصل بدءا من شهر سبتمبر المقبل بالإضافة إلى النصيحة التي قدمها الأميركان للقيادة العراقية بالإبقاء «على قضاء الشرقاط محاصرا دون قتال الأمر الذي سوف يجبر عناصر تنظيم داعش الموجودين فيه حاليًا على الهرب، كما أن من شأن ذلك تجنب عمليات النزوح الهائلة التي يمكن أن ترافق العمليات القتالية ما قد يؤخر عملية التقدم نحو الموصل».

مطامح الأكراد والشيعة
أما بالنسبة لمفهومي الاختلاط والتمدد في الموصل شيعيًا وكرديًا، فإنه في الوقت الذي تبدو خطة إيران غير واضحة المعالم، وهي تعتمد على التمدد والتوغل تحت أغطية مختلفة منها حماية أبناء المذهب الشيعي في تلك المناطق ذات الغالبية السنّيّة، فإن الوضع الكردي مختلف حيث يقوم على أساس ما يعتبره «عائدية جغرافية». فالقوميون الأكراد المتشددون يتعاملون مع هذه المناطق على أنها تتبع «إقليمهم» بصرف النظر عن التنوع السكاني فيها، مع العلم أنه يعيش في هذه المناطق الأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون، وبالتالي، فإن الجغرافيا هي التي تحكم العلاقة المستقبلية مع إقليم كردستان في تلك المناطق.
وعلى صعيد آخر، يجمع الخبراء العسكريون والاستراتيجيون على أن قاعدة القيارة ذات أهمية استراتيجية سواء اليوم على صعيد الحرب على «داعش» - وسط التحضيرات الجارية الآن لخوض معركة الموصل الفاصلة والتي لا يمكن كسبها ما لم يتم انطلاق الطائرات منها - أو على صعيد الترتيبات المستقبلية. فبالنسبة لعمليات الطيران فإن الطائرات الحربية التي ستنطلق من القاعدة سوف لن تحتاج إلى إعادة التزود بالوقود نظرا لقرب المسافة. كما أنها يمكن أن تؤدي هدفها بسهولة ويسر على صعيد تكثيف الضربات الجوية التي أثبتت الحرب ضد «داعش» في العراق خلال السنتين الماضيتين أن الطيران كان ولا يزال العامل الحاسم في ترجيح كفة المعركة لدى الجانب العراقي على الرغم من الأهمية القصوى التي ينطوي عليها موضوع السيطرة على الأرض في الحروب.
ولكن في المعارك التي جرت ضد «داعش»، بما في ذلك المعارك التي أمكن فيها استعادة مدن مهمة مثل تكريت والرمادي والفلوجة، فإنه لولا الجهد الجوي خصوصًا جهد طيران التحالف الدولي المتمثل في ضرب أهداف التنظيم من حيث التجمعات والمخازن والأعتدة وقوافل السيارات والدبابات في الصحراء، لما تم تحقيق النصر في معارك لا تستند إلى قواعد الحرب التقليدية التي هي عبارة عن مواجهة بين جيشين.
كذلك، فإن الموقع الذي تحتله القاعدة بين محافظتي صلاح الدين والموصل، خصوصًا في مناطق شمال محافظة صلاح الدين وصولا لمدينة الموصل، سيكون له الدور الأبرز في المعارك المقبلة ضد التنظيم، لا سيما أن القوات الحكومية العراقية تمكنت أخيرا من استعادة ناحية القيارة (16 كم شمال القاعدة) التي تتبع لها القاعدة من الناحية الإدارية.
لهذه الأسباب والعوامل السابقة الذكر كلها جاء السعي الأميركي للسيطرة على هذه القاعدة، ومن ثم إعادة تأهيلها، لكي تضاف إلى قواعدها الأخرى في العراق مثل عين الأسد في الأنبار وبلد في صلاح الدين. وطبعًا يضاف إلى ما تقدم أن السيطرة على هذه القاعدة سيساعد في تمترس القوات البرية وتحصنها داخلها. وبذلك تشكل عقدة عسكرية مهمة ضد التنظيم. وهنا نشير إلى طريقين يربطان القيارة بالموصل: الأول هو طريق بغداد - الموصل وهو طريق سريع باتجاهين، والثاني طريق قديم ذو ممر واحد محاذ لنهر دجلة، وهذا، فضلا عن قربه من بلدة مخمور حيث مقر قيادة عمليات تحرير نينوى.
وبعد استعادة السيطرة على ناحية القيارة بعد نحو شهرين من استعادة قاعدتها الجوية فإنه لم يعد يفصلها عن الموصل سوى ناحيتي الشورة وحمام العليل وما يتبعهما من قرى. والمرتقب أنه لن يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن البعد النفسي سيكون في غاية الأهمية لدى سكان تلك المناطق الذين كانوا قبل سيطرة «داعش» يرتدون «الجينز» ويدخنون السجائر وينصبون «الستلايت» ويستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، وكل هذه أمور حرّمها التنظيم المتطرف بعد فرضه سيطرته على تلك المناطق.
هذا يعني أن عملية التحرير ما عادت ترتبط بالبعد السياسي الملتصق بالسيادة الوطنية بل ترتبط أيضًا بالحريات الشخصية التي كانت متاحة للسكان بلا حدود، والتي سلبها «داعش» أيضًا بلا حدود.. وبمجموعة إجراءات تعسفية ولدت حالة من الاحتقان والاختناق. ما جعل أبناء تلك المناطق يرحبون بأقوى جهاز أمني عراقي كانوا على خلاف عميق معه قبل عام 2014 وهو جهاز مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى ترحيبهم بالأميركان الذين طالما قاوموهم بعد عام 2003 وحتى انسحابهم من العراق عام 2011.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.