السعودية تبعث بـ«إشارتين» إلى سوق النفط في أسبوع واحد

بين لهجة «رسمية» هادئة للتعاون.. وتهديد حازم بزيادة الإنتاج

عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)
عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)
TT

السعودية تبعث بـ«إشارتين» إلى سوق النفط في أسبوع واحد

عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)
عامل في أحد الحقول النفطية (رويترز)

هناك إشارتان بعثت بهما وزارة الطاقة السعودية إلى السوق النفطية في أسبوع واحد، مختلفتان تمام الاختلاف. وبالنسبة للإشارة الأولى، فكانت رسمية على لسان وزير الطاقة والصناعة، خالد الفالح، وصادرة من قناة رسمية وهي وكالة الأنباء السعودية، في حوار أجرته الخميس الماضي. أما الإشارة الثانية فهي غير رسمية، نقلاً عن مصادر غير معلنة، وتمت عن طريق وكالة «رويترز»، ونشرتها أمس.
ففي الإشارة الأولى كانت لهجة الوزارة إيجابية وهادئة وتدعو إلى التعاون بين المنتجين، وزادت من تفاؤل السوق بوجود صفقة لتجميد الإنتاج بين المنتجين الكبار للنفط، عندما يلتقون أواخر الشهر المقبل في العاصمة الجزائرية لحضور الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي.
ولمح الفالح، في حواره، إلى أهمية ارتفاع أسعار النفط قائلاً: «لزيادة حجم الاستثمارات والإنتاج، يجب أن تتجاوز أسعار النفط مستوياتها الحالية». وأضاف: «نحن في المملكة نراقب السوق عن قرب، ولن نتوانى عن اتخاذ أي إجراء لاستعادة التوازن في السوق إذا ما اقتضت الضرورة، وهو ما سيتم بالطبع بالتعاون مع منظمة أوبك والدول الكبرى المصدرة للنفط من خارج (أوبك)».
وأدت هذه الرسالة الإيجابية إلى رفع أسعار النفط بنحو 10 في المائة خلال أربعة أيام فقط، ليلامس برميل برنت في لندن 50 دولارًا.
أما الإشارة الثانية «غير الرسمية»، فقد كانت أكثر شدة وحزمًا، حيث قالت فيها الرياض إنها ربما تزيد إنتاجها من النفط الخام في أغسطس (آب) إلى مستوى قياسي جديد متجاوزة روسيا أكبر منتج للخام في العالم. وهذه ليست المرة الأولى التي تبعث فيها وزارة الطاقة إشارات إلى السوق من خلال تصريحات لمسؤولين على «رويترز»، خصوصا فيما يتعلق بسياسة وأرقام الإنتاج الشهرية للمملكة.
وبفضل هذه الإشارة السلبية للسوق هبطت أسعار النفط بالأمس، وكانت ستستمر في الهبوط لو لم تنقذها بيانات المخزونات الأميركية التي أظهرت انخفاض مخزونات النفط الخام بصورة مفاجئة، وهو ما أدى إلى رفع الأسعار ارتفاعًا متواضعًا في جلسة أمس.
وأعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية تراجع مخزونات الخام بالولايات المتحدة إلى 2.5 مليون برميل الأسبوع الماضي، ما فاجأ المحللين الذين توقعوا زيادتها 522 ألف برميل. وتراجعت مخزونات البنزين 2.7 مليون برميل متجاوزة التوقعات بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.
وبحلول الساعة 1500 بتوقيت غرينتش، ارتفعت العقود الآجلة للخام الأميركي غرب تكساس الوسيط 15 سنتا إلى 46.73 دولار للبرميل، لتعكس اتجاهها بفعل البيانات بعد أن هبطت في وقت سابق إلى 45.84 دولار. وارتفعت عقود خام برنت 47 سنتا إلى 49.70 دولار.
ونقلت «رويترز» عن مصادرها أن زيادة الإنتاج قد تمنح السعودية نفوذا أكبر خلال المحادثات في سبتمبر (أيلول)، حيث يتوقع أن يجتمع منتجون من منظمة أوبك، ومن خارجها، بهدف إحياء اتفاق لتجميد الإنتاج من أجل دعم الأسعار.
ونقلت «رويترز» عن مصدر من خارج «أوبك»، أن السعوديين يبلغون السوق بهدوء بأن إنتاج المملكة ربما يشهد مزيدا من الارتفاع في أغسطس، ليصل إلى 10.8 - 10.9 مليون برميل يوميا. وبلغ إنتاج المملكة في يونيو (حزيران) الماضي 10.55 مليون برميل يوميا، وزاد إلى 10.67 مليون برميل يوميا في يوليو (تموز)، أعلى مستوى في تاريخها.
وتقول مصادر «رويترز» في قطاع النفط، إن المملكة، وهي بالفعل أكبر بلد مصدر للخام في العالم، بدأت زيادة الإنتاج من يونيو بعدما أبقته مستقرا في النصف الأول من العام، لتلبية الطلب الموسمي المرتفع ومتطلبات زيادة الصادرات.
إذن ما الذي تغير بين الخميس الماضي وأمس الأربعاء حتى تغير الرياض رسالتها الأولى وتستبدل رسالة جديدة أكثر شدة بها؟
تأتي هذه الرسالة الأخيرة مع استعداد المملكة لمحادثات صعبة الشهر المقبل حول اتفاق عالمي لتجميد الإنتاج. فحتى الآن لم يظهر كثير من الدول أي علامات على استعدادها للدخول في أي اتفاق لتجميد الإنتاج وبخاصة روسيا وإيران.
ولا تزال التصريحات من طهران وروسيا غير واضحة. ففي حين صرح وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك الاثنين الماضي لصحيفة «الشرق الأوسط»، بأن روسيا على استعداد لفتح باب الحوار مع المنتجين مرة أخرى حول اتفاق تجميد الإنتاج متى ما احتاجت إلى ذلك، خرجت تصريحات من موسكو تبين عدم اهتمامها بتجميد الإنتاج.
ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية يوم الاثنين الماضي عقب نشر حوار نوفاك في «الشرق الأوسط» عن مسؤول دبلوماسي على اطلاع بالمحادثات بين الدول، أن روسيا لا ترى أي اتفاق حول تجميد إنتاج النفط في الجزائر، نظرًا لأن إيران لم تظهر أي علامات على تغيير موقفها حول عدم رغبتها في الدخول في أي اتفاق.
وانهارت في أبريل (نيسان) الماضي محاولة سابقة لتجميد الإنتاج عند مستويات يناير (كانون الثاني)، بعدما قالت السعودية إنها تريد من جميع المنتجين، ومن بينهم إيران، الانضمام إلى المبادرة. لكن المملكة ومنذ تعيين الفالح تبنت نهجا أكثر مرونة تجاه إيران داخل «أوبك».
أما طهران، فقد زادت من التكهنات حول عدم وصول المنتجين إلى أي اتفاق لتجميد الإنتاج بعد أن صرحت متحدثة رسمية لوزارة النفط الإيرانية لوسائل الإعلام، بأن الوزير بيجن زنغنه لم يتخذ قرارًا حتى الآن بالمشاركة في الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي في الجزائر. وحتى ولو تم ذلك، فإنه لم يتخذ قرارًا بالمشاركة في الاجتماع غير الرسمي لدول «أوبك» الذي سينعقد على هامش اجتماع المنتدى.
وتقول مصادر «رويترز» في «أوبك»، إن من المرجح أن تحيي المنظمة المحادثات بشأن تجميد الإنتاج في الجزائر الشهر المقبل، حيث ترغب الرياض فيما يبدو في أسعار أعلى، لكن الاتفاق على مستوى للتجميد يشكل العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق.
ويقول المحلل الكويتي عبد الصمد العوضي، لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الرسائل المختلفة بالنسبة لي توضح أن هناك ضيقا في السعودية من عدم استعداد المنتجين للدخول في اتفاق، بعد أن خرج الفالح وأعلن أمام العالم أن السعودية جاهزة لبذل أي خطوة لاستقرار السوق».
ويضيف العوضي، الذي كان الممثل الوطني للكويت في «أوبك» لأكثر من عشرين عامًا: «الآن الرسالة اختلفت، وأصبحت اللهجة قاسية أكثر.. وتريد الوزارة في الرياض أن تقول لباقي المنتجين، إنه في حالة عدم وجود اتفاق في الجزائر فإن السعودية ستمضي في طريقها، وستنتج من دون مراعاة لأحد، بل وستتجاوز روسيا في الإنتاج».
ولمحت روسيا - التي كانت مستعدة في أبريل الماضي لتجميد الإنتاج في أول عمل منسق مع «أوبك» منذ 2001 - أيضا إلى أنها ستواصل زيادة الإنتاج. ويحوم إنتاج روسيا حاليا حول أعلى مستوياته على الإطلاق عند 10.85 مليون برميل يوميا، ويتوقع مسؤولون روس أن يرتفع مجددا في العام المقبل. وبالنسبة لإيران، ثالث أكبر منتج في «أوبك»، فقد زادت إنتاجها إلى 3.85 مليون برميل يوميا الآن، من 3.37 مليون برميل يوميا في يناير. وقالت إنها لن تنضم إلى أي مبادرة للتجميد حتى تصل إلى مستوى إنتاجها قبل العقوبات عند أربعة ملايين برميل يوميا.
وبالنسبة للمحلل الدكتور أنس الحجي، فإنه ليس متفاجئًا من قرار الرياض بزيادة الإنتاج بل يراه متوقعًا. ويقول الحجي لـ«الشرق الأوسط»: «لقد ذكرت هذا الأمر الشهر الماضي، وذكرت أن الإنتاج السعودي سيصل إلى معدلات قياسية هذا العام، نظرًا لاشتداد المنافسة بين السعودية وروسيا وإيران على الحصص السوقية في آسيا».
وقال الحجي إن المملكة ستبقي إنتاجها عاليًا حتى بعد انتهاء أشهر الصيف لو لم يتم الاتفاق على تجميد الإنتاج على مستوى معين، نظرًا لأن المصافي السعودية مستمرة في تكرير وتصدير المواد البترولية بمستويات قياسية هذا العام.
وفي يناير الماضي، حينما برزت للمرة الأولى فكرة تجميد الإنتاج، كانت السعودية تنتج 10.2 مليون برميل يوميا.
ورغم أن السعودية أنتجت 10.67 مليون برميل يوميًا في يوليو، فإنها ضخت في السوق 10.75 مليون برميل يوميا، أي بصورة أعلى من إنتاجها الفعلي. وأوضح الفالح أن الزيادة في الإمدادات كانت بسبب سحب المملكة كميات إضافية من مخزوناتها الضخمة.
وقال أوليفييه جاكوب، المحلل لدى «بتروماتريكس»، في مذكرة أمس: «سيكون من الصعب للغاية على السعودية إقناع دول أخرى بالانضمام إلى خطة تحرك جماعي، في حين أنها هي نفسها المصدر الرئيسي لزيادة الإمدادات بجانب إيران بعد رفع العقوبات».



أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
TT

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)

انخفضت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود عالمية لتأمين مضيق هرمز.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 92 سنتاً لتصل إلى 102.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 12:48 بتوقيت غرينتش، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.45 دولار، أو 3.5 في المائة، ليصل إلى 95.26 دولار.

وارتفع كلا العقدين بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022، بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى وقف الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وذكر مصدران، وفقاً لـ«رويترز»، أن إنتاج الإمارات العربية المتحدة اليومي من النفط انخفض بأكثر من النصف؛ حيث أجبر الصراع الإيراني والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز شركة النفط الحكومية العملاقة أدنوك على تنفيذ عمليات إيقاف واسعة النطاق للإنتاج.

وأفاد مصدران آخران باستئناف بعض عمليات الشحن في ميناء الفجيرة، وأشار أحدهما إلى أن اثنين من مراسي الميناء الثلاثة ذات النقطة الواحدة، التي ترسو فيها السفن، يعملان بكامل طاقتهما.

وذلك بعد تعليق «أدنوك» عمليات تحميل النفط الخام في ميناء الفجيرة بالإمارات، بعد أن تسبب هجوم بطائرة مسيرة في اندلاع حرائق في محطة التصدير الرئيسية.

وتعد الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز، منفذاً لنحو مليون برميل يومياً من خام مربان، وهو النفط الرئيسي للإمارات، أي ما يعادل نحو 1 في المائة من الطلب العالمي.

وصرحت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، يوم الاثنين، بأن الرئيس دونالد ترمب يجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين والعديد من الدول الأخرى بشأن فتح مضيق هرمز.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين أيضاً، إن بريطانيا لن تنجر إلى حرب أوسع نطاقاً مع إيران، لكنها ستعمل مع الحلفاء على خطة «قابلة للتطبيق» لإعادة فتح مضيق هرمز.

وصرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة «سي إن بي سي» بأن وزارة الخزانة لم تتدخل في أسواق النفط، وأن أي إجراء أميركي للحد من ارتفاع الأسعار سيعتمد على مدة الحرب.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، إن الحرب في الشرق الأوسط تتسبب في أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ؛ حيث خفضت دول منتجة رئيسية للنفط، مثل السعودية والعراق والإمارات، إنتاجها.

ويوم الأحد، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات النفط ستبدأ بالتدفق إلى السوق قريباً من دول مجموعة السبع بالتنسيق، في سحب قياسي يهدف إلى مكافحة ارتفاع الأسعار الناجم عن حرب الشرق الأوسط.

ويرى المحلل تاماس فارغا من شركة «بي في إم» أن المستثمرين يدركون أن عواقب نزاع مطوّل ستكون وخيمة، لا سيما مع استنزاف المخزونات بشكل مطرد، في ظل الأضرار الجسيمة التي لحقت بالإنتاج والصادرات والتكرير جراء أسبوعين فقط من الاضطرابات في مضيق هرمز.


الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

بدأ الاقتصاد الصيني العام على أسس أكثر صلابة، مع تسارع وتيرة الإنتاج الصناعي، وانتعاش مبيعات التجزئة والاستثمار في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، مما وفر ارتياحاً مبكراً لصناع السياسات، في ظل ما تُضفيه الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران من حالة عدم يقين جديدة بشأن النمو.

وجاءت هذه المرونة في أعقاب طفرة في الصادرات مدفوعة بالطلب المتزايد على التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والذي دعم أيضاً قطاع التصنيع، على الرغم من تحذير المحللين من مخاطر التوترات الجيوسياسية، وهشاشة ثقة المستهلك، والضغوط في أسواق التجارة والطاقة العالمية على التوقعات.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة يوم الاثنين، ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.3 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً نسبة النمو المسجلة في ديسمبر (كانون الأول)، والبالغة 5.2 في المائة. وقد تجاوز هذا النمو توقعات استطلاع أجرته «رويترز» والتي أشارت إلى نمو بنسبة 5 في المائة، مسجلاً بذلك أسرع نمو منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

وقال هاو تشو، كبير الاقتصاديين في شركة «غوتاي جونان» الدولية: «على الرغم من ازدياد المخاطر التي تهدد التوقعات، وسط التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي تشهدها أسواق التجارة والطاقة العالمية، تشير أحدث الأرقام إلى أن الصين دخلت العام بقاعدة نمو أقوى مما كان يُعتقد سابقاً».

وقفزت مبيعات التجزئة -وهي مؤشر على الاستهلاك- بنسبة 2.8 في المائة، متسارعة من وتيرة 0.9 في المائة المسجلة في ديسمبر، محققة بذلك أكبر زيادة لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وكان المحللون قد توقعوا نمواً بنسبة 2.5 في المائة. ويعود هذا الزخم القوي جزئياً إلى طول عطلة رأس السنة القمرية في البلاد خلال شهر فبراير، وساهمت الاحتفالات في رفع إجمالي الإنفاق السياحي بنسبة تقارب 19 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والتي كانت أقصر بيوم واحد.

ولكن الإنفاق السياحي الداخلي لكل رحلة انخفض بنسبة 0.2 في المائة، مما يشير إلى استمرار حذر المستهلكين. وعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات صدرت مطلع الأسبوع الماضي انخفاض مبيعات سيارات الركاب محلياً بنسبة 26 في المائة خلال الشهرين الأولين.

وتجمع الصين بيانات شهرَي يناير وفبراير لتخفيف حدة التشوهات الناتجة عن عطلات الأعياد التي قد تقع في أي من الشهرين.

انتعاش غير متوقع للاستثمار

وقدمت بيانات يوم الاثنين مؤشراً مشجعاً آخر لصناع السياسات؛ حيث خفف الانتعاش غير المتوقع في الاستثمار من حدة التحدي المتمثل في التراجع المطول في قطاع العقارات الحيوي.

وارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة الذي يشمل الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، بنسبة 1.8 في المائة خلال الشهرين الأولين، متجاوزاً التوقعات بانخفاض قدره 2.1 في المائة بعد انكماشه بنسبة 3.8 في المائة في عام 2025، وهو أول انخفاض سنوي له منذ نحو 3 عقود.

وقاد الاستثمار في البنية التحتية هذا الانتعاش، مسجلاً نمواً بنسبة 11.4 في المائة، مع بدء تأثير الدعم الحكومي، بما في ذلك أداة تمويل جديدة من البنوك لتمويل المشاريع الرئيسية. ورغم أن البيانات الإجمالية تُظهر بعض الزخم الإيجابي، فإنها لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطلب الخارجي القوي وضعف استهلاك الأسر، وهو ما يحذر المحللون من أنه قد يعيق آفاق النمو الصيني على المدى الطويل.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»: «لا يمكن استبعاد استمرار تعرض بيانات الطلب المحلي في مارس (آذار) لضغوط نزولية»، مضيفاً أن البيانات الإجمالية لا تدعم خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

وأشارت بيانات الإقراض الصادرة الأسبوع الماضي إلى استمرار تراجع اقتراض الأسر. كما أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن معدل البطالة على مستوى البلاد -وفقاً للمسح- ارتفع إلى 5.3 في المائة في أول شهرين من العام، مقارنة بـ5.1 في المائة في ديسمبر، وهو ما يثير القلق بشأن توليد الدخل.

وقال خريج جامعي يُدعى باي، متخصص في التعليم، في أثناء حضوره معرضاً للتوظيف في بكين: «لا تزال سوق العمل الحالية مليئة بالتحديات، ويصعب العثور على وظائف».

وفي الاجتماع السنوي للبرلمان الذي اختُتم الأسبوع الماضي، حدد صناع السياسات هدف النمو الاقتصادي لهذا العام بنسبة تتراوح بين 4.5 في المائة و5 في المائة، بانخفاض عن هدف العام الماضي الذي كان نحو 5 في المائة. وقد تحقق هذا الهدف في عام 2025 بفضل فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، مما زاد من قلق شركاء الصين التجاريين.

ويقول المحللون إن الصين تواجه تحديات كبيرة في سعيها لتحقيق نمو مستدام طويل الأجل. وبينما تعهدت الحكومة بارتفاع «ملحوظ» في استهلاك الأسر، فقد أوضحت إجراءات محدودة تشير إلى توجه نحو إصلاحات جذرية في جانب الطلب.

ويُضيف الصراع في الشرق الأوسط مزيداً من عدم اليقين؛ إذ يُؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، مما يزيد من أهمية زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين في أواخر مارس الجاري للقاء الرئيس شي جينبينغ.

وصرَّح فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين، بأن حرب الشرق الأوسط قد فاقمت تقلبات أسعار النفط واضطرابات السوق، ولكن إمدادات الطاقة الإجمالية للصين من شأنها أن تُساعد في تخفيف الصدمات الخارجية. وأضاف أن تأثير الصراع على الأسعار المحلية سيتطلب مزيداً من التدقيق.

وعلَّق تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، بالقول: «من المتوقع أن تظهر آثار الاضطرابات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة... وأتوقع أن يستجيب صناع السياسات من خلال السياسة المالية إذا لزم الأمر».


اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، برزت محاولات إيران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات غير الدولار خطوةً تكتيكية تهدف إلى الضغط على مراكز القوى الدولية. وعلى الرغم من أن هذا التوجه لا يمثل حتى الآن «حرب عملات» معلنة، فإنه يسلط الضوء على تزايد المساعي الدولية لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية في أسواق الطاقة.

يأتي ذلك في وقت يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، مشككاً في استعداد إيران للتفاوض، في حين يبدو باب الدبلوماسية حتى الآن مغلقاً، مع بداية اليوم السابع عشر من الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.

وبينما نفى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أي تحركات حول طلب التفاوض أو وقف إطلاق النار، حذر ترمب من أن حلف شمال ‌الأطلسي (ناتو) يواجه مستقبلاً «سيئاً ‌للغاية» إذا ‌تقاعس ⁠حلفاء الولايات المتحدة ⁠في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز، على الرغم من استمرار تل أبيب في ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية حتى كتابة هذه السطور.

إزاحة الدولار

يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن التحولات في أسواق الطاقة تعكس توجهاً عالمياً أوسع نحو «تنوع العملات» في المعاملات الدولية. وفي تعليقه لـ«الشرق الأوسط» على المقترح الإيراني، يشير بن صقر إلى أن هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية؛ ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

ويؤكد بن صقر أن هذا التوجه يندرج ضمن مسار «إعادة هيكلة» تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين وروسيا، على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

ويرى أن انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال العقد الأخير - من 65.3 في المائة في 2016 إلى 59.3 في المائة في 2024 - يشير إلى تحول تدريجي، ويعكس توجه الدول نحو إدارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية أكثر مرونة، وهو ما يُعدّ تطوراً طبيعياً في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

وفي قراءته لدور الصين وروسيا في ذلك، يرى بن صقر أن كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك، من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك، من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

مضخة نفط في حقل نفط مهجور في سارجينتيس دي لا لورا بالقرب من بورغوس شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

تأثير رمزي

على الجانب الآخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور سعيد سلّام، أن تأثير المطالبة الإيرانية محدود «عملياً» على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلاً «رمزياً» استراتيجياً طويل الأمد.

وقال سلّام، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن التأثير على أسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، إضافة إلى ارتفاع التأمين البحري، وتكاليف النقل بنسبة 20 - 30 في المائة عبر طرق بديلة.

وأوضح أن هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الأسواق؛ فبدلاً من الاستقرار، قد تنشأ سوق نفط منقسمة، حيث تُدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين تُعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية نحو الركود.

استراتيجية الصين

ويوضح سلّام أن بكين، رغم طموحها لتعزيز اليوان، تتبنى استراتيجية «الموازنة الدقيقة»؛ فهي تقبل صفقات محدودة لتأمين وارداتها النفطية، لكنها ترفض أي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه 40 في المائة من وارداتها.

في المقابل، توظف موسكو المقترح الإيراني «رمزياً» ضمن إطار «بريكس» لإحراج واشنطن وتمويل أجندتها الدفاعية، رغم أن استقرار أسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

تاجر عملات يمر أمام شاشة إلكترونية تعرض أسعار خام برنت وخام دبي في غرفة تداول العملات الأجنبية ببنك هانا (أ.ف.ب)

ارتدادات الأزمة

ويرى سلّام أن هذه الضغوط الإيرانية – بين المتوسطة والقوية – تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية. أميركياً، يؤدي الربط باليوان إلى إذكاء التضخم ورفع تكاليف الطاقة؛ ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام «خطر الركود» في توقيت سياسي حساس، ويُضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

أما دولياً، فإن «صدمة الأسعار» الناتجة من اضطراب الإمدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، كأوروبا واليابان، وتخلق واقعاً نقديّاً منقسماً يزيد من تكاليف التجارة العالمية؛ ما يعزز في المحصلة شعوراً عاماً بتآكل الهيمنة النقدية الأميركية.

ويخلص سلّام إلى أن المطالبة الإيرانية تسرّع رمزياً من وتيرة التحول عن الدولار (De-dollarization)، وتخلق صدمات سعرية واضحة في الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها الفعلي يظل مقيداً بعوائق دبلوماسية وعملية جمّة. ويشدد على أن «جوهر الأزمة» يظل في الإغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته. ومع ذلك، يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم أن هذا المشهد يبقى رهناً بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الأيام المقبلة.