الهجرة في الوجدان الإبداعي العربي

مؤلّف جماعي شارك فيه 17 كاتبًا من 6 دول عربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الهجرة في الوجدان الإبداعي العربي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

تحت عنوان «هذه ليسَتْ حقيبة»، صدر عن منشورات «ملتقى الطرق» بالدار البيضاء، وبدعم من وزارة الثقافة المغربية ومجلس الجالية المغربية بالخارج، كتاب جماعي من إعداد وتحرير الكاتب المغربي المقيم ببروكسل طه عدنان. الكتاب، الذي أسهمَتْ في بلورة فكرته لمّاتٌ أدبية حميمة احتضنتها صالونات بيوت ثلة من مبدعي بلجيكا العرب، هو عبارة عن سرود عربية تدوّن للإقامة تحت سماء بلجيكيّة خفيضة: مؤلّفٌ جماعي عن بلجيكا المتعدّدة، ومحكياتٌ عربية عن أماكن بلجيكية تضيء تجربة المبدع وملامح المكان على حدّ سواء.
هوشنك أوسي (سوريا)، علال بورقية (المغرب)، عماد فؤاد (مصر)، ماجد مطرود (العراق)، الهادي عجب الدور (السودان)، حازم كمال الدين (العراق)، بيسان أبو خالد (فلسطين)، نبيل أكنوش (المغرب)، زهير الجبوري (العراق)، نسمة العكلوك (فلسطين)، علي بدر (العراق)، هشام آدم (السودان)، أسعد الهلالي (العراق)، عبد الله مكسور (سوريا)، خالد كاكي (العراق)، مهند يعقوب (العراق)، وطه عدنان (المغرب): سبعة عشر كاتبا يحفرون تواريخهم الشخصية والمتخيّلة على رقعة الجغرافيا بإزميل الذاكرة ومِنْحَت الخيال. أما النصوص، التي حملت عناوين، حسب توالي كتابها: «قنينة في عرض بحر الشمال»، و«أحوال الصفصاف الباكي،» و«تفضل أيها الغريب»، و«بورخوروكو»، و«صدى الماس»، و«الجثمان الحي،» و«كراسي الأمل»، و«نزيل الغرفة 14»، و«ليلة في فندق أميغو»، و«هي، هو، وغزة»، و«حي السياسيين المنكوبين»، و«بطاريق سان لامبير»، و«آشوري في لييج»، و«نحن أبناء مخيم أيضا»، و«البوق الأحمر»، و«أشباح ديسمبر»، و«مملكة شجرة أعياد الميلاد»، فمرفقة بصور فوتوغرافية حاورت المدائن واشتبكت معها بحريّة فنيّة ولمسة إنسانية حانية وإحساس عالٍ بالمكان من إنجاز الفنان الفوتوغرافي العراقي المقيم ببروكسل كريم إبراهيم، فيما جاءت صورة الغلاف بعدسة الفنان ستار نعمة.
وعن دوافع إنجاز هذا المؤلّف الأدبي، كتب طه عدنان في توطئة للكتاب، حملت عنوان «وطن من كلمات»: «عكس التيار المساعد على تخصيب مشاعر الخوف والكراهية وترويج الأحكام المسبقة، ينبري سبعة عشر كاتبا عربيا للاشتباك مع أسئلة الهجرة واللجوء والعنصرية والتطرّف والإقصاء والتعايش، من خلال محكيات أدبية تراوح بين التسجيل والتخييل لتقارب القضايا الشائكة ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والنفسية المعقّدة».
وتتوالى المحكيات والسرود على امتداد 222 صفحة حول الكثير من المدن والمناطق البلجيكية، تمّ ترتيبها حسب المنطقة الجغرافية (من الشمال إلى الجنوب): أوستند، بروج، الفلاندر الغربية، أنتوربن، سان تريدن، لوڤن، بروكسل، لييج، بييرزيت، نأمور، شارلروا، الأردين. سرودٌ معاصرة تدوّن للإقامة تحت سماء بلجيكيّة خفيضة. مؤلّفٌ جماعي عن بلجيكا المتعدّدة يرويها كتّابٌ بالعربية من المغرب والعراق وسوريا وفلسطين ومصر والسودان.
«فرغم سنوات الإقامة في هذه البلاد التي ارتضَوْها سكنًا، لم يبرحوا وطن الضاد متفادين ولوج المنفى اللغوي. ربّما نكاية بالحدود اللغوية المستفحلة هنا دونما حاجة إلى جمارك»، يضيف طه عدنان في تقديمه للكتاب: «نصوصٌ تروي تمثلات الهجرة في الوجدان الإبداعي العربي. محكياتٌ عربية عن أماكن بلجيكية، تشكّلُ عنصرًا جوهريًا للسّرد تارة، ومحض ذريعة لحكايات شرقية خالصة تارة أخرى. المهم، أنها تضيء تجربة المبدع وملامح المكان على حدّ سواء. فسواءٌ كان المكان ملجأ أو منفى، مسكنا أو موطنا، تتحدّد العلاقة به عبر أحداث تتنوّع خلالها المسارات وتتباين المصائر. مصائر شخصيات منها المهاجر واللاجئ والعامل والعاطل والطالب والفنّان والمثقف... منها طلاب العيش الكريم وطلاب الموت الرحيم. حكاياتٌ تكشف عن قلقنا وعن ضعفنا، عن عنفنا وعن رقّتنا، عن حلمنا وعن خيبتنا، عن ورطتنا وعن خلاصنا. تعبيرٌ حي عن هويتنا الكامنة في تعدّدها وعن جوهرنا الإنساني بكلّ تناقضاته. كِتَابٌ يمكن قراءتُنا فيه، كما نحن، خارج المساحيق والرّتوشات والأحكام الجاهزة. محاولة لكتابة الوجع عاريًا، دونما استخفافٍ ولا تهويل، وبعيدًا عن كلّ استيهام. فرصة لإعلان المحبة على المكان، للتغلغل داخله بتوجّسٍ حينًا، وبانطلاقٍ أحيانًا، وباقتحامٍ مندفعٍ حين يُسعِف النّزق. ثم إنّ هذا الذي بين أيديكم ليس كتابًا، بل خيمة حميمة نلتفّ داخلها بلا أوهام للتفاوض السلس بشأن المصيري والمستقبلي والمشترك».
وعن ما يكتبه أدباء العربية في بلجيكا، قال عدنان: «قد لا أملك عنوانًا لما يكتبه اليوم أدباء العربية في هذه المملكة الصغيرة المطلّة على بحر الشمال. ولا أهتمّ لمعرفة إن كان أدب هجرة أو منفى، أم أدب إقامة وتوطّن. إذ منهم من هاجر إليها بمحض اختياره، ومنهم من هُجِّر إليها منفيًّا من دياره، ومنهم من طوّح به (الربيع العربي) قسرًا إلى صقيعها طلبًا للأمان. المهم، أن كلاً من هؤلاء (اختار) في النهاية بلجيكا سكنًا أو وطنًا، وتأقلم معها، وأبدع داخلها أدبا يصنّفُ عربيًّا، تمامًا كما يمكن اعتبارُه رافدًا من روافد الأدب البلجيكي المعاصر متعدّد اللغات والثقافات. ربما لا يزعج الأديبَ العربي أن يحمل مدينته معه وأن ينقل وطنه داخل حقيبة. ألم يقل ستاندال إن العرب (أمة لا ديار لها). لن نُخيّب ظنّه حتى بعد زهاء قرنين على رحيله؛ لذا نعيش في بلجيكا حاملين بيتًا من أحلامٍ ووطنًا من كلمات. في النهاية، علينا أن نسكن إلى شيء، إلى اللغة مثلاً. فاللغة، كما قال هايدغر يومًا، مَسْكَنُ الكائن. وإذا كان من الطبيعي أن نكتب بلغة الوطن الأمّ، فَمِن غير اللائق أن نستقلّ المترو كلّ صباح لنكتب عن الرّاحلة والبعير. كما من غير المفهوم أن نحاكي المهجريين والمنفيين القدامى في تباكيهم على الوطن البعيد، في الوقت الذي عملت فيه الإنترنت والمواقع الاجتماعية وبرامج الاتصال عبر الهواتف الذكية وطائرات الشارتر ذات الأسعار الديمقراطية على تبديد هذا الإحساس الفادح بالبعد. خاصة، نحن الذين تنقّلنا في الجغرافيا بسلاسة دون أن نتعرّض يومًا للنّفي من أحد. مع الإقرار بوطأة هذا الشعور العنيف بالاقتلاع من الوطن الذي يعيشه اليومَ أشباهٌ لنا في الحرف والاغتراب بسبب الاحتلال والحرب والتقتيل والتعذيب والتهجير. إذ ليس هناك أقسى من أن يتحوّل الوطن أمام عينيك إلى حطامٍ، ثمّ إلى حقيبة، فذكرى موجعة تفيض بها سرودُ بعض المشاركين في هذا الكتاب».
صورة العربي على مستوى الإبداع والتلقي الغربيين، فضلا عن التفجيرات التي هزت بلجيكا، قبل أشهر، كانت حاضرة في توطئة الكتاب، حيث نقرأ: «صحيحٌ أن صورة العربي تعاني، أدبيًّا، من التعميم الذي يطالها على مستوى الإبداع والتلقّي الغربيين. لكن، هل هذه النظرة النمطية هي نتاج تاريخنا المعاصر فحسب؟ أعتقد أن الحكاية أكثر تعقيدًا. بل أبعد حتى من موجة الهجرة العربية الحديثة إلى الغرب. ففي القرن الثامن عشر، كتب مونتيسكيو في (روح القوانين) بأن العرب (شعبٌ مكوّنٌ من قطّاع الطرق). فولتير أحد رموز فكر الأنوار في فرنسا وأحد المناهضين الكبار لمحاكم التفتيش والحروب الدينية اعتبر بدوره العرب (شعبًا من اللصوص). هؤلاء وغيرهم أسهموا في خلق صورة غربية نمطية ومتعسّفة، حتى قبل أن ترمي سياسات الإقصاء ولا تكافؤ الفرص ببعض المهاجرين وأبنائهم إلى براثن الانحراف. وحتى قبل أن تعمل ماكينات الشر والحقد والتطرّف على استثمار مشاكل البطالة والسكن، في ظلّ الفراغ الفكري والخواء الرّوحي والجفاف العاطفي، لتصنيع قنابل بشرية موقوتة تنفجر بكل جبن في وجه الحياة. فمحض وجود العربي في الفضاء الغربي يُعَدّ نوعًا من «الاقتحام». «اقتحامٌ» يدعو إلى التبرير في معظم الأحيان. تبرير هذا الوجود الطارئ وغير المرغوب فيه تمامًا. وهو أمرٌ يبقى مفهومًا بين طرفين التقيا في ساحة الحرب أول مرّة، قبل أن يجْمعَهُما اليومَ قَدَرُ (التساكن) تحت سماء خفيضة مشتركة».
وحول ما إذا كان هذا الكتاب يأتي لتحسين صورة العرب في بلجيكا، يجيب معدّ ومحرّر الكتاب في توطئته: «نحن لسنا مجبرين على الاعتذار عمّا يقترفه السفهاء منّا. لكن، يمكننا أن نكتب بحرّية لكسر المزيد من التابوهات هنا وهناك. أن نجابه الصور النمطيّة دون إنكار ما تقوم عليه من حقائق أحيانا، ودون الركون إلى تمجيد الذات الذي يفقد الإبداع روحه النقدية القلقة. بمقدورنا أن نقترح مداخل جديدة للفهم عبر دروب الأدب. فلقد أنهكتنا التحاليل المشدودة من شعرها لخبراء لم يَخْبروا شيئا، والناس تحتاج إلى أشياء واضحة لعلّها تفهم. والأدب يقدِّم، ببيان لا يشوبه تبسيط، ما قد يتطلّب من الخبراء الجيوسياسيين الكثير من التقارير المعقّدة؛ لذا يمكن أن نحكي قصصا لا تسبب عسر الفهم. أن نساهم في رواية ذاكرتنا المعاصرة. أن نقدّم صورة واقعية، أو متخيّلة سيان، عنّا وعن هذه المملكة الصغيرة باعتبارها فضاء تخييليًّا غير مطروقٍ كفاية في أدبنا العربي».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.