تشاد.. في قلب الإعصار

مع بدء إدريس ديبي فترة رئاسته الخامسة

تشاد.. في قلب الإعصار
TT

تشاد.. في قلب الإعصار

تشاد.. في قلب الإعصار

بعد عقود طويلة من الحروب الأهلية والتمرد المسلح، وشرخ اجتماعي متجذر ما بين الجنوب المسيحي - الزنجي والشمال المسلم - العربي، بدأت تشاد قبل سنوات قليلة تدخل مرحلة من الاستقرار الحذر، بعدما تمكن الجنرال إدريس ديبي من إزاحة الرئيس السابق حسين حبري من الحكم في نهاية تمرد عسكري بدأه من الأراضي السودانية. ولقد أعاد ديبي ترتيب الأمور في البلاد بطريقة تضمن له أن يكون محور معادلة الحكم التي لا تستقيم من دونه، والظهور قوة إقليمية في منطقة ملتهبة. وعلى الرغم من الهدوء والاستقرار الذي تحقق في تشاد خلال السنوات الأخيرة وجعلها تظهر بلدًا مستقرًا في محيط إقليمي مضطرب، يرى مراقبون أن ذلك لا يعدو كونه الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن تشاد مرشحة للدخول في دوامة من الهزات الكبيرة بسبب السياسات الجريئة لنظام ديبي، خصوصًا فيما يتعلق بلعب دور «القوة الإقليمية» في منطقة «الساحل الأفريقي» الملتهبة، ومشاركة الجيش التشادي في حروب كثيرة ومعقّدة، بدعم وتشجيع من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
أمسك العصا الخشبية بقبضته القوية.. اعتدل واقفًا أمام عشرات الآلاف من أنصاره الذين كانوا يهتفون باسمه: إدريس ديبي.. إدريس ديبي. رفع عصاه عن الأرض وبدأ يلقي أول خطاب في مأموريته الخامسة رئيسًا لجمهورية تشاد.
كان حريصًا على إظهار قوته وجبروته، إلا أنه مع ذلك لم يستغن عن تلك العصا التي يتوكّأ عليها بين الفينة والأخرى، ولكنه سيحتاج أكثر لقدراتها السحرية - إن كانت موجودة - وهو يواجه أزمات كثيرة محدقة ببلاده، أزمات يعتقد معارضوه أن الحل السحري الوحيد لها هو أن يغادر السلطة.

تحقيق الاستقرار
«المسؤولون الحكوميون في تشاد نجحوا في تحقيق الاستقرار»، ذلك ما قاله وزير الخارجية التشادي، موسى فقيه محمد، عندما وقف عام 2013 أمام مجلس الأمن بعد انتخاب بلاده عضوًا في المجلس، قال الرجل بثقة كبيرة وهو يلخّص إحساس نظام الرئيس ديبي الكبير بالثقة: «تشاد التي كانت ولعدة عقود أحد الملفات المطروحة على طاولة مجلس الأمن، أصبحت اليوم جزءًا من هذا المجلس. إن تشاد التي كانت قبل سنوات قليلة دولة معدومة، لم تصبح اليوم حاضرة فقط وإنما فاعلة أيضًا».
التقارير الدولية الصادرة في السنوات الأخيرة، التي تناولت الوضع في تشاد بكثير من التحليل والاستشراف المستقبلي، تحدثت عن أزمات صامتة في البلد الذي يحمل بذور الهشاشة منذ استقلاله عن فرنسا عام 1960. وآخر هذه التقارير ذلك الصادر في شهر مارس (آذار) الماضي عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات تحت عنوان: «تشاد ما بين الطموح والضعف». يقول هذا التقرير إن «الحركات المجتمعية التي تتصاعد، وتعبئ بشكل خاص فئة الشباب، تعكس استياءً عميقًا في المجتمع وهي نتيجة مباشرة لتراكم عدد من الأزمات التي قد تقود إلى الوقوع في فخ الصراع المسلح».
ويضيف التقرير أن «البلد يواجه أزمة ديمقراطية وسياسية يطبعها غياب التناوب الديمقراطي على السلطة منذ 26 سنة، ووعود كاذبة بمكافحة الفساد والحصانة من العقاب، ولكن أيضًا أزمة اقتصادية ومالية كبيرة ذات انعكاسات خطيرة على التشغيل. وأخيرًا يفتح البلد عدة جبهات عسكرية في ظل الهجمات التي تشنها جماعة (بوكو حرام) الإرهابية المتطرفة منذ يناير (كانون الثاني) 2015»، كل هذه العوامل ترشح الوضع في تشاد للانفجار.

المحيط الملتهب
من خلال نظرة فاحصة للمحيط الإقليمي لدولة تشاد نجد أنها تقع في قلب عاصفة العنف التي تجتاح أفريقيا، فهي محاطة ببؤر انعدام الاستقرار من مختلف الجهات. في الشرق تحدها أزمة دارفور بغرب السودان حيث استقبلت تشاد شهر فبراير (شباط) الماضي عشرات آلاف اللاجئين بعد معارك عنيفة بين الجيش السوداني والمتمردين. أما في الجنوب فيحتدم الصراع الدامي في جمهورية أفريقيا الوسطى، وفي الشمال تشتعل الحرب الأهلية في ليبيا التي تحوّل جنوبها إلى مركز نفوذ للتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة العابرة للحدود. والمشهد نفسه نجده غربًا، في شمال النيجر المحاذي لتشاد حيث تتمركز عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتنمو شبكات تهريب السلاح والممنوعات. وكذلك في الجرح النيجيري النازف على وقع ضربات جماعة «بوكو حرام» التي بايعت تنظيم «داعش». ورغم تراجع قوة «بوكو حرام» خلال الفترة الأخيرة بسبب الحرب الإقليمية عليها، فإنها تبقى مصدر تهديد جديًا بالنسبة لتشاد، وتؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الهش للبلاد، لا سيما أنها متغلغلة في مجتمعات شمال نيجيريا والكاميرون وتبحث عن موطئ قدم لها في تشاد.
لقد كان انهيار نظام العقيد الليبي معمر القذافي عام 2011 بمثابة الكارثة بالنسبة لتشاد ولنظام رئيسها إدريس ديبي، إذ إنه تسبب في اختلال توازن المنطقة وأسفر عن انتشار شبكات وتنظيمات مسلحة أصبحت مصدر تهديد حقيقيًا لشمال البلاد. وبما أن القذافي كان حليف ديبي التقليدي وأحد المستثمرين الكبار في بلاده، أعرب الرئيس التشادي عن معارضته لتدخل القوى الغربية للإطاحة بنظامه، بيد أنه بعد بضع سنوات (عام 2014) وجد نفسه يدعو لتدخل عسكري دولي في ليبيا، في ضوء خشيته من قرب فقدانه السيطرة على مسالك التجارة في الصحراء، وتأثر التبادلات الاقتصادية في شمال تشاد، بالإضافة إلى انتشار الأسلحة واحتمال ظهور متمردين جُدد.
في خضم هذا الوضع الإقليمي المضطرب بدأت تشاد تتحرك نحو لعب دور «الشرطي الإقليمي»، وذلك من خلال مشاركتها عام 2013 في الحرب على الجماعات الإرهابية في شمال مالي إلى جانب القوات الفرنسية، وتدخلها القوي في الحرب على «بوكو حرام»، والمشاركة في قوة حفظ السلام الأفريقية بجمهورية أفريقيا الوسطى، ودعوتها لتدخل عسكري دولي في ليبيا. كل هذا يؤكد رغبتها في الظهور كقوة عسكرية صاعدة، وفي الوقت عينه تعزيز نفوذها الإقليمي والتغطية على مشكلاتها الداخلية.
في أي حال، على الرغم من المخاطر الكبيرة المحدقة بالبلاد استطاع نظام ديبي أن يحول هذه المخاطر إلى نقاط لصالحه من خلال الظهور حقًا قوة إقليمية معتمدًا على جيش مدرّب على القتال في أكثر المناطق الصحراوية وعورة وجفافًا، وتغلب عليه صبغة الميليشيات أكثر من الجيش المنظم، ولكنه في النهاية يُعد واحدًا من أقوى جيوش المنطقة ويتولى ديبي قيادته بشكل مباشر. إلا أن هذه المكاسب مهددة بنقاط الضعف السياسية والاقتصادية، وغياب عقد اجتماعي داخلي، وفق ما يشير له تقرير المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات.

حليف الغرب
من خلال قراءة العقود الأخيرة من تاريخ تشاد نجد أن هذا البلد كان دائمًا حليفًا مقرّبًا من القوى الغربية، وخصوصا فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. وما عززت تحالفاته الصراعات التي خاضتها تشاد مع كل من ليبيا والسودان. وبالتالي، فإن الشراكة الأمنية والعسكرية بين تشاد والغرب ظلت تقوم على مجموعة من الأعداء المشتركين، لكنها تعززت بشكل خاص بعد ظهور التهديد الإرهابي المتمثل في الجماعات المتطرفة المسلحة التي ترفع شعارات إسلامية.
الحرب التي خاضتها القوات التشادية في مالي إلى جانب الفرنسيين، أخرست الانتقادات الفرنسية لنظام الرئيس ديبي، خصوصا فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على الحريات وانعدام أفق للتناوب الديمقراطي على السلطة. وضاعفت مستوى التعاون العسكري بين تشاد والولايات المتحدة خاصة في مجال التكوين والاستخبارات.
وفي غضون ذلك، تنطلق بين الفينة والأخرى تحذيرات من أن يستمدّ النظام التشادي شرعيته من انعدام الاستقرار في محيطه الإقليمي والخوف من الإرهاب، فيقدّم نفسه على أنه الضامن الوحيد للأمن والاستقرار، تمامًا كما اعتمد نظام حسين حبري السابق على معاداته لليبيا والسودان، وأعطى لنفسه الحق في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
إلا أن القوى الغربية كما يبدو غير مستعدة لمراجعة طبيعة شراكتها مع تشاد، ففرنسا اتخذت من نجامينا مقرًا لعملياتها العسكرية المناهضة للإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، والولايات المتحدة عزّزت من حضورها في البلاد عبر مناورات عسكرية دورية. ثم إن «المجموعة الدولية» التزمت الصمت حيال تعديل الدستور من طرف ديبي وبقائه في السلطة لفترة رئاسية خامسة ستمكنه من تمديد حكمه حتى 31 سنة.

الوضع الداخلي
رغم الصورة الصلبة والقوية التي قدّمتها تشاد للعالم عبر حضورها العسكري في مختلف الصراعات الإقليمية، فإنها لم تخفِ مكامن الهشاشة داخل البلد الذي لا يزال يعد من أفقر بلدان العالم، وتصل نسبة الأمية فيه إلى أكثر من 75 في المائة مديبي الرئيس في السلطة منذ 26 سنة، وغياب أي مخطط لتناوب ديمقراطي، بينما يرى كثير من التشاديين أن ذلك يعرض البلاد لخطر الدخول في أزمة عنيفة خاصة في ظل تدهور الوضع الصحي للرئيس والماضي الدموي الذي عاشته البلاد.
ولعل التشاديين يتذكرون الوعد الذي أطلقه ديبي عندما وصل إلى السلطة عام 1991، حين قال لهم: «لا أعدكم بالذهب ولا بالفضة، لكنني أعدكم بالحرية». اليوم تمنع المظاهرات في تشاد ويُقمَع الشباب المحتجون ويختفي عشرات الجنود لأنهم صوّتوا لصالح المعارضة في انتخابات أبريل (نيسان) الماضي، وفق ما تحدثت عنه المعارضة، وسط حالة من الاحتقان الاجتماعي والتأزم الاقتصادي.
الجدير بالذكر أن الصراعات المسلحة التي تدور في محيط تشاد ليست مجرد مشكلات أمنية، بل أيضًا مشكلات اقتصادية كبيرة بالنسبة لبلد لا يملك أي منفذ على المحيط. إذ تحوّلت الطرق التي تربط العاصمة نجامينا بمحيطها الإقليمي إلى طرق خطرة بسبب «بوكو حرام»، كالطريق الذي يربط نجامينا بمدينة مايدوغوري في شمال شرقي نيجيريا، أو مدينة ماروا في الكاميرون، أو حتى الطريق المؤدي إلى ميناء دوالا الكاميروني الذي يعد المنفذ الأول بالنسبة لتشاد على المحيط الأطلسي. لقد نجحت «بوكو حرام» فعليًا في خنق مدينة نجامينا وكبرى مدن الجنوب.
أما بالنسبة للنفط، فمن المهم أن نعرف أن دخول تشاد نادي البلدان المنتجة للنفط عام 2004 حوّلها إلى «دولة ريعية»، فخلال الفترة ما بين 2004 و2014 تضاعفت ميزانية الدولة أربع مرات، لتنتقل من 670 مليون دولار أميركي إلى 208 مليارات دولار. ولكن في نهاية عام 2014 وجدت الحكومة نفسها أمام وضع صعب بسبب تراجع مستوى الإنتاج في آبار النفط وتأخر انطلاق الأشغال في احتياطات نفطية أخرى.
وتشير التقارير إلى أن عائدات النفط خلال عام 2014 وصلت إلى 1.02 مليار دولار أميركي بيد أنها تراجعت العام الماضي لتتوقف عند 450 مليون دولار فقط. ولقد تراكمت ديون الدولة لصالح الشركات الوطنية والأجنبية، وبدأت الحكومة تتأخر في تسديد رواتب الموظفين ومستحقات المتقاعدين، وهو ما صب النار على زيت الأزمة الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد.

ثروات هائلة.. وشعب جائع
* تشاد بلد يقع في قلب القارة الأفريقية، نصفه الشمالي يقع ضمن المجال الصحراوي، بينما يقع نصفه الجنوبي في منطقة استوائية، وتشير الروايات التاريخية إلى أن تشاد أخذت اسمها من نوع من الأسماك الشهيرة في بحيرة تشاد، الواقعة جنوب غربي البلاد، وتطل عليها أربعة بلدان هي: تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون.
أما المجتمع التشادي فيتكوّن من أجناس بشرية (إثنيات وجماعات) مختلفة، إذ إن الإنسان قطن هذه المنطقة منذ عشرات الآلاف من السنين وفق ما تؤكده الحفريات، إلا أن هجرات كثيرة حوّلت تشاد إلى ملتقى كثير من الحضارات التي قامت في شمال الصحراء وجنوبها. ويبلغ تعداد السكان وفق آخر إحصائية 12 مليون نسمة، مقسّمة إلى أكثر من 260 قبيلة تتكلّم أكثر من مائة لهجة محلية. إلا أن هذه القبائل تضم 25 قبيلة عربية ما جعل بعض الباحثين يضع تشاد ضمن البلدان التي يمكن تصنيفها على أنها عربية، فالعربية لغة رسمية في البلاد منذ عام 1985 ويتكلمها أغلب المواطنين، لكن الفرنسية هي الأخرى لغة رسمية بموجب الدستور وتهيمن على الإدارة.
اقتصاديًا، تعتمد تشاد على الزراعة التي يمارسها عدد كبير من سكان الجنوب، وتخطّط الحكومة منذ عقود لتحقيق الأمن الغذائي، ومع أنها تواجه صعوبات كبيرة في ذلك، فإنها نجحت في رفع مستوى الإنتاج من القطن والفول السوداني والقمح والدَّخن والنخيل والأرز والذرة والمانجو والصمغ العربي. غير أن النفط أصبح العمود الفقري للاقتصاد التشادي في السنوات الأخيرة، إذ بدأ استخراجه وتصديره عام 2004 مع وجود مخزون هائل في الجنوب، بينما تتحدث التقارير عن ثروات معدنية في الشمال لم تستغل بعد من أهمها: اليورانيوم والبوكسيت والحديد والنحاس.
مع كل ذلك تعد تشاد واحدة من أفقر بلدان العالم، وتشكل نسبة الأمية فيها أكثر من 75 في المائة.

محطات سياسية.. صراعات وحروب لا تنتهي
11 / 08 / 1960: تشاد تحصل على استقلالها من فرنسا، والبرلمان التشادي ينتخب فرنسوا تومبالباي رئيسًا للجمهورية.
23 / 04 / 1962: تامبالباي يفوز بالانتخابات الرئاسية بعد اعتماد نظام الحزب الواحد.
28 / 08 / 1968: القوات العسكرية الفرنسية تتدخل لإخماد التمرد المتفجر في شمال تشاد.
01 / 1973: القوات الليبية تسيطر على إقليم أوزو الحدودي في شمال البلاد.
13 / 04 / 1975: انقلاب عسكري يشهد مقتل تومبالباي، والجنرال فيليكس مالوم يتولى رئاسة البلاد بعد خروجه من السجن.
04 / 1978: تدخّل القوات الفرنسية لمساندة الجنرال مالوم.
12 / 02 / 1979: اندلاع مواجهات عنيفة بين قوات الرئيس مالوم والوزير الأول (رئيس الوزراء) حسين حبري.
03 / 1979: استقالة مالوم والوزير الأول حسين حبري، ليصبح غوكوني عويدي رئيسًا لمجلس حكم انتقالي.
29 / 04 / 1979: محمد شواد، من الحركة الشعبية لتحرير تشاد، يصبح رئيسًا للبلاد.
21 / 03 / 1980: تفجرت الحرب الأهلية التشادية بين حسين حبري مدعومًا من فرنسا وغوكوني عويدي مدعومًا من ليبيا.
08 / 1983: مواجهات عنيفة بين قوات حسين حبري ومتمردين مدعومين من ليبيا.
13 / 08 / 1983: القوات الفرنسية في تشاد تسيطر على وسط وجنوب البلاد في عملية «مانتا».
19 / 06 / 1982: حبري يتولى رئاسة تشاد بعد سيطرته على العاصمة نجامينا.
1984: الجفاف يضرب تشاد.
01 / 04 / 1989: محاولة انقلابية يقودها الجنرال إدريس ديبي ضد نظام الرئيس حبري.
10 / 11 / 1989: إدريس ديبي يبدأ التمرّد من شمال البلاد.
02 / 12 / 1990: ديبي يدخل العاصمة نجامينا ويستولي على السلطة.
02 / 03 / 1991: اعتماد الميثاق الوطني، وتنصيب إدريس ديبي رئيسًا للبلاد.
03 / 02 / 1994: المحكمة الدولية في لاهاي (هولندا) تحكم بأحقية تشاد في إقليم أوزو، والقوات الليبية تخلي الإقليم الحدودي.
31 / 03 / 1996: الاستفتاء على دستور جديد للبلاد.
03 / 07 / 1996: إدريس ديبي يفوز بالانتخابات الرئاسية في تشاد (الفترة / المأمورية الرئاسية الأولى).
01 / 1998: «الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة» تتمرّد على الحكومة.
20 / 05 / 2001: إعادة انتخاب ديبي ليبدأ فترته (مأموريته) الرئاسية الثانية.
05 / 2002: معارك عنيفة بين المتمردين والحكومة في شمال تشاد.
16 / 05 / 2004: الحكومة تتحدث عن محاولة انقلابية فاشلة ضد ديبي.
26 / 05 / 2004: تعديل دستوري يسمح للرئيس ديبي بالترشح لفترة رئاسية ثالثة.
15 / 03 / 2006: الحكومة تتحدث عن محاولة انقلابية فاشلة.
13 / 04 / 2006: الجيش يحبط هجومًا للمتمردين على العاصمة.
14 / 04 / 2006: استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السودان.
02 / 02 / 2008: متمردون يدخلون العاصمة نجامينا ويحتلون القصر الرئاسي، قبل أن ينسحبوا بعد تدخل الجيش.
03 / 05 / 2006: ديبي يفوز بالانتخابات الرئاسية التي قاطعتها المعارضة (الفترة الثالثة).
13 / 03 / 2008: التوقيع في العاصمة السنغالية دكار على اتفاق وقف الأعمال العدائية بين السودان وتشاد.
15 / 11 / 2008: استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السودان.
03 / 05 / 2009: توقيع اتفاق مصالحة بين السودان وتشاد في العاصمة القطرية الدوحة.
25 / 07 / 2009: التوقيع في طرابلس على اتفاق سلام مع «الحركة الوطنية» التي تضم ثلاث حركات متمردة.
25 / 04 / 2011: إعادة انتخاب إدريس ديبي لفترة رئاسية رابعة.
01 / 2013: القوات التشادية تشارك في الحرب على الجماعات الإرهابية في شمال مالي إلى جانب القوات الفرنسية.
03 / 2013: اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة والصحافة بعد الكشف عن مخطط لاستهداف الرئيس.
16 / 01 / 2015: البرلمان يصادق بالإجماع على إرسال قوات لمحاربة جماعة «بوكو حرام» المتطرفة في نيجيريا والكاميرون.
13 / 02 / 2015: جماعة «بوكو حرام» تشن أولى هجماتها داخل الأراضي التشادية.
10 / 04 / 2016: ديبي يفوز بالانتخابات الرئاسية ويبدأ فترته الرئاسية الخامسة.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.