ترامب يتهم أوباما «بتأسيس» تنظيم داعش بمساعدة «المحتالة» كلينتون

منافسته الديمقراطية تتقدم عليه في استطلاعات الرأي.. وتحاول التقرب من الجمهوريين

مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون خلال حملتها الانتخابية في دي موين (ولاية أيوا) أمس (ا.ف.ب)
مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون خلال حملتها الانتخابية في دي موين (ولاية أيوا) أمس (ا.ف.ب)
TT

ترامب يتهم أوباما «بتأسيس» تنظيم داعش بمساعدة «المحتالة» كلينتون

مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون خلال حملتها الانتخابية في دي موين (ولاية أيوا) أمس (ا.ف.ب)
مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون خلال حملتها الانتخابية في دي موين (ولاية أيوا) أمس (ا.ف.ب)

لم يتراجع المرشح الجمهوري الأميركي المثير للجدل دونالد ترامب عن تصريحاته النارية، التي حرض فيها على استخدام السلاح ضد منافسته هيلاري كلينتون، كما فسر كلماته كثير من المراقبين. وقد حاول ترامب الدفاع عن نفسه، وشرح ما قاله، إلا أن شطحاته أخذته إلى منحنى آخر، ليثير زوبعة أخرى مثل التي أثارها منذ بداية حملته الانتخابية، التي هاجم فيها المسلمين والمكسيكيين والنساء. وفي آخر خطاباته «المقززة»، اتهم المرشح الجمهوري، في تجمع انتخابي في ولاية فلوريدا، الرئيس الأميركي باراك أوباما «بتأسيس» تنظيم داعش، كما اتهم منافسته مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون بأنها «شريكة في تأسيس» هذا التنظيم الإرهابي.
ويأتي هذا الجدل الجديد في وقت حساس لترامب، الذي يسجل تراجعا في استطلاعات الرأي، حيث تتصدر هيلاري كلينتون النتائج في آخر 19 استطلاعا للرأي أجراه موقع «ريل كلير بوليتيكس». وقد حصلت في المعدل على 48 في المائة من الأصوات، مقابل 40 في المائة للمرشح الجمهوري.
ويستغل المعسكر الديمقراطي الوضع السيئ لترامب منذ أسبوعين، بسبب الجدل الذي أثارته تصريحاته حول روسيا ووالدي عسكري أميركي مسلم قتل في العراق، للحصول على تأييد شخصيات جمهورية.
وقد حاولت كلينتون استغلال تصريحاته للتقرب من الأميركيين الجمهوريين والوسطيين الذين يشعرون بالاستياء من سلوك رجل الأعمال الذي سيخوض الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ورأت المرشحة الديمقراطية أن خصمها الجمهوري «تخطى الحدود»، مكررة الرأي الذي تعبر عنه كل يوم، وهو أن دونالد ترامب لا يملك المؤهلات والصفات المطلوبة ليتولى أعلى منصب في البلاد، وهذا ما قاله أيضًا خبراء من قلب المؤسسة السياسية والعسكرية والاستخباراتية الأميركية، من الذين عملوا في الحزب الجمهوري سابقا.
وقالت كلينتون في تجمع عام في دي موين، بولاية أيوا، إن «للكلمات أهمية، يا أصدقائي.. عندما يكون الشخص مرشحا للرئاسة ورئيسا للولايات المتحدة، يمكن أن يكون للكلمات تأثير هائل.. أمس، كنا شهودا على آخر التعليقات من سلسلة التصريحات التي تخطت الحدود».
وتطرقت المرشحة الديمقراطية إلى «قسوة» خصمها حيال عائلة جندي أميركي مسلم قتل في العراق في 2004، وانفتاحه إلى دعوة دول أخرى لحيازة أسلحة نووية، والآن «تحريضه على العنف»، وتابعت: «كل من تلك الحوادث تظهر أن دونالد ترامب لا يملك الشخصية المطلوبة ليكون رئيسا وقائدا أعلى للولايات المتحدة».
واتهم الملياردير ترامب أولا أوباما بأنه زرع «الفوضى» في الشرق الأوسط، ثم قال إن تنظيم داعش «يكرم الرئيس أوباما»، وأضاف في تجمع انتخابي في فورت لودرديل، في ولاية فلوريدا (جنوب شرقي): «إنه مؤسس (داعش)». وتابع: «إنه مؤسس (داعش) في العراق وسوريا.. أليس كذلك؟»، مكررا: «إنه المؤسس! أسس (داعش) في العراق وسوريا»، مستطردا: «أقول إن الشريكة في التأسيس هي هذه (المحتالة) هيلاري كلينتون».
لكن من كل تصريحاته النارية، وفي بعض الأحيان غير المفهومة، يبدو ما قاله الثلاثاء في ويلمنغتون الأكثر إثارة للجدل، وقد تترتب عليه عواقب كبيرة.
فقد صرح رجل الأعمال الثري: «باختصار، كلينتون تريد إلغاء التعديل الثاني» للدستور الذي يضمن حق حيازة الأسلحة. وأضاف: «إذا كانت لديها إمكانية اختيار قضاتها، فلن تكونوا قادرين على فعل أي شيء»، مشيرا إلى أنه «هناك حل مع التعديل الثاني ربما، لست أدري»، دون أن يضيف أي تفاصيل.
ورأى عدد من وسائل الإعلام، وكلينتون كذلك، وعدد من المراقبين، أن هذه التصريحات تحريض على العنف.
وفي مواجهة سيل الانتقادات لهذه التصريحات، لم تتأخر حملة الملياردير عن نشر «بيان لحملة دونالد ترامب حول وسائل الإعلام غير النزيهة»، موضحة أن ترامب يريد أن يقول إن مجموعة المدافعين عن حق حيازة السلام المتماسكة جدا ستمنع انتخاب كلينتون إذا صوتت لمصلحته.
وكتب جيسون ميلر، كبير مستشاري ترامب للإعلام، أن «هذا يسمى القدرة على التوحيد»، مشيرا إلى أن «مؤيدي التعديل الثاني يتمتعون بحيوية كبيرة، ومتحدون جدا، مما يمنحهم سلطة سياسية كبيرة».
وكرر ترامب، الأربعاء، في ابينغدون في فيرجينيا، رأيه هذا أمام عمال في مناجم الفحم، قائلا: «علينا حماية التعديل الثاني»، وأضاف: «إنه حق محاصر».
وحتى حلفاؤه اعترفوا بأن صيغة تصريحاته كانت سيئة و«مثيرة للاشمئزاز».
وقال سام كلوفيس، العضو في فريق حملته، لشبكة «سي إن إن»، الأربعاء: «عندما يتحدث ترامب، فالأمر لا يتعلق بالمهارة التي يتوقعها الناس»، معترفا بأن رجل الأعمال يعاني من مشكلات في الانضباط، إلا أنه رأى أنه «ما زال هناك وقت طويل هذا الصيف (...) وأول مناظرة ما زالت بعيدة».
ويأسف الجمهوريون لأن قضية «التعديل الدستوري الثاني» طغت على نشر رسائل داخلية جديدة تكشف احتمال تضارب في المصالح بين وزارة الخارجية ومؤسسة كلينتون، عندما كانت هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية.
من جهة أخرى، اعتقلت الشرطة الأميركية شابا كان يتسلق برج ترامب في نيويورك بواسطة شفاطات، على أمل لقاء المرشح الجمهوري. وكان الشاب، البالغ من العمر 20 عاما، يستخدم 5 شفاطات لتسلق البرج الزجاجي الذي يملكه قطب العقارات.
ولم تكشف هوية الشاب، لكن في تسجيل فيديو وضع على موقع «يوتيوب»، ويحمل عنوان «رسالة إلى السيد ترامب: لماذا تسلقت برجك؟»، ولم تؤكد السلطات صحته بعد، يدعو شاب يصف نفسه بأنه «باحث مستقل» الأميركيين إلى التصويت للمرشح الجمهوري، مضيفا أن «السبب الذي تسلقت من أجله برجكم هو لفت انتباهكم»، متابعا: «إلى كل الذين يشاهدون هذا التسجيل.. أرجوكم ساعدوا في نشره، ليصل إلى السيد ترامب، واحرصوا على التصويت لترامب في يوم الانتخابات».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».