روسيا تعلن وقف إطلاق النار في حلب 3 ساعات يوميًا.. عبر النظام فقط

المعارضة تتمسك بـ«وقف فوري».. والأمم المتحدة تقول إن المهلة غير كافية

سحب الدخان ترتفع من معمل الإسمنت في الشيخ سعيد قرب حلب حيث تسيطر قوات النظام (رويترز)
سحب الدخان ترتفع من معمل الإسمنت في الشيخ سعيد قرب حلب حيث تسيطر قوات النظام (رويترز)
TT

روسيا تعلن وقف إطلاق النار في حلب 3 ساعات يوميًا.. عبر النظام فقط

سحب الدخان ترتفع من معمل الإسمنت في الشيخ سعيد قرب حلب حيث تسيطر قوات النظام (رويترز)
سحب الدخان ترتفع من معمل الإسمنت في الشيخ سعيد قرب حلب حيث تسيطر قوات النظام (رويترز)

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس الأربعاء، أنه سيتم وقف إطلاق النار ثلاث ساعات يوميا في حلب، بدءا من اليوم، الخميس، للسماح بدخول القوافل الإنسانية للمدينة، وهو ما اعتبرته المعارضة السورية «غير كافٍ».
وقال الجنرال سيرجي رودسكوي، مدير قسم العمليات في هيئة الأركان العامة للجيش الروسي، في بيان، إن وقف القتال سيبدأ من الساعة العاشرة صباحا حتى الواحدة ظهرا بالتوقيت المحلي. وأضاف أن «جميع العمليات العسكرية والضربات الجوية وضربات المدفعية» ستتوقف خلال تلك الفترة، وأن روسيا، إلى جانب السلطات السورية، على استعداد لمساعدة جميع المنظمات المعنية على تسليم المساعدات الإنسانية بسلام إلى سكان حلب.
وقالت الأمم المتحدة إن الهدنة التي أعلنت عنها روسيا لمدة ثلاث ساعات للسماح بوصول المساعدات إلى حلب لن تكون كافية لتلبية احتياجات المدنيين في المدينة التي تشهد معارك عنيفة.
وفي عرض له أمام الصحافيين، أمس، للوضع حول مدينة حلب، قال رودسكوي إن ما وُصف بـ«نوافذ إنسانية» سيتم العمل بها في مدينة حلب، موضحًا أنه تم إقرار هذه الخطوة بغية «ضمان الأمن التام لعبور قوافل المساعدات الإنسانية إلى داخل حلب»، ومؤكدًا أن «كل العمليات القتالية والقصف المدفعي والطلعات الجوية ستتوقف خلال العمل بتلك النوافذ الإنسانية». كما تم تنظيم نقطة تجمع وتشكيل قوافل المساعدات الإنسانية المخصصة لسكان حلب في منطقة حندرات، حسب قوله.
وأكد المسؤول أنه وبالنظر إلى الظروف التي تمت تهيأتها، «فإننا مستعدون للتعاون مع السلطات السورية لضمان الأمن لكل المنظمات المهتمة بإيصال المساعدات الإنسانية لسكان حلب». إلا أن الجنرال رودسكوي لم يقدم أي تفاصيل إضافية حول الممرات التي يدور الحديث عنها، والمناطق في حلب التي ستدخل إليها المساعدات. وزاد الأمور غموضا حول المناطق التي يمكن أن تصلها المساعدات الإنسانية عبر «النوافذ الإنسانية»، عندما أشار رودسكوي، وفق ما نقلت وكالة ريا نوفوستي عنه، إلى أن «المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين تتعرض بشكل مستمر لنيران القوات الحكومية وقوات المقاومة. وهذا يستثني بشكل تام إمكانية إيصال المساعدات للإرهابيين».
وفي الشأن الإنساني نفسه، أعلن رودوسكوي عن تأييد روسيا لاقتراح هيئة الأمم المتحدة بتشكيل رقابة مشتركة لإيصال المساعدات الإنسانية عبر طريق الكاستيلو، معربا عن استعداده لإطلاق «حوار بناء مع جميع الأطراف المهتمة بتسوية الأزمة السورية»، منوهًا إلى أن «الخبراء العسكريين الروس يواصلون العمل على هذا الموضوع مع ممثلين عن الأمم المتحدة والزملاء الأميركيين».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، تصريح المسؤول البارز في المنظمة ستيفين أوبرايان، قوله: «لتلبية هذا الحجم من الاحتياجات نحتاج إلى ممرين ونحتاج إلى 48 ساعة تقريبا لإدخال عدد كاف من الشاحنات».
ورحبت المعارضة السورية بقرار روسيا بوقف القصف، لكنها اعتبرت إيقافه لمدة زمنية محددة وقصيرة «غير كافٍ». وقال عضو الائتلاف الوطني السوري أحمد رمضان لـ«الشرق الأوسط»: «نرحب بوقف القصف بأي شكل، لكننا نعتبر مهلة الثلاث ساعات غير كافية»، مضيفًا: «يجب أن يكون هناك التزام بقرار مجلس الأمن 2254 والبنود 12 و13 و14 التي تنص على توقف فوري لاستهداف المدنيين، ونعتقد أن الأهداف الروسية بأغلبها هي أهداف مدنية».
وقال رمضان إن حصر وقف إطلاق النار بـ3 ساعات «يعني أن هناك 21 ساعة يتم فيها قصف المدنيين السوريين وقتلهم»، موضحًا أن «التجارب السابقة حول إعلان هدن يتم تحديدها مكانيا وزمانيا، أثبتت أنها ليست فاعلة وتوظف لأسباب إعلامية وسياسية». وأشار إلى أن موسكو «عطلت قبل قليل صدور بيان عن مجلس الأمن اقترحته بريطانيا يدعم إقرار هدن إنسانية ذات جدوى في حلب، بداعي إجراء مزيد من المفاوضات حول مضمونه»، لافتًا إلى أنه «حتى الآن لم تقدم روسيا الجدية الكافية بأنها تريد تطبيق القرارات الأممية وتحييد القضايا ذات البعد الإنساني مثل قضية المعتقلين والمحاصرين عن الابتزاز السياسي لصالح أهداف أخرى».
وقال رمضان: «ندعو لأن يتم تحييد القضايا الإنسانية مثل إيصال المساعدات الإغاثية وفك الحصار عن المناطق والإفراج عن المعتقلين ووقف القصف للأهداف المدنية بشكل كامل عن مسألة المفاوضات وعن أن توظف لأهداف سياسية»، معتبرًا أن ذلك سيكون «جزءًا من تطبيق قرارات مجلس الأمن المنصوص عليها مثل القرار 2254 وغيره».
وقال رودسكوي أيضا إن «نحو 7000 متشدد من جبهة فتح الشام احتشدوا جنوب غربي حلب خلال الأسبوع الماضي ولا يزال مقاتلون جدد ينضمون إليهم». وأضاف أن المتشددين يملكون دبابات وعربات قتال ومدفعية.
وتتعدد سيناريوهات النسخة الجديدة من معركة حلب، في ظل حشد طرفي الصراع في العدة والعتاد لما يسمونها «المعركة المصيرية»، ورغم المعلومات التي تتحدث عن دفع إيران بالآلاف من عناصر الميليشيات العراقية واللبنانية الموالية لها لدعم النظام، تبدو الصورة واضحة بالنسبة لفصائل المعارضة المسلّحة التي تؤكد استكمال استعداداتها لبدء مرحلة تحرير كامل المدينة من بقايا النظام وحلفائه، لكنها تحاذر إعلان توقيت إطلاق هذه المرحلة، باعتباره مرتبطًا بسرية الخطط العسكرية وبعنصر المفاجأة الذي تحتفظ به. ومع ارتفاع منسوب الكلام عن فتور معركة حلب، ودخولها في دوامة المراوحة الطويلة، وربطها بعوامل إقليمية ودولية، منها ما يتصل بإصرار الأمم المتحدة على إدخال مساعدات إنسانية للمدنيين، وأخرى تتعلق بالمساعي الدولية لفرض وقف لإطلاق النار يمكن الأطراف من العودة إلى طاولة المفاوضات، أكد العقيد عبد الجبار العكيدي، القائد الميداني للجيش السوري الحرّ في حلب، أن «معركة حلب مستمرة بالوتيرة نفسها حتى تحرير كامل المدينة من بقايا النظام السوري». وأعلن أن «قوات النظام تنهار بشكل كبير»، كاشفًا أن «ضباط بشار الأسد وعناصره بدأوا يطلقون النار على أيديهم وأرجلهم لنقلهم إلى المشافي وإبعادهم عن الجبهات». وقال العكيدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «منذ أربع سنوات والنظام يحشد من الميليشيات ومن كلّ شذاذ الآفاق، حتى إنهم استجدوا التدخل الروسي، ولم يستطيعوا تحقيق أي شيء، كما عجزوا عن الحفاظ على وضعيتهم التي كانوا عليه، وقد اضطر النظام أخيرًا إلى تغيير رئيس اللجنة الأمنية في حلب». لافتًا إلى أن النظام «بدأ يجبر الموظفين على ارتداء الملابس العسكرية ويدفع بهم إلى جبهات القتال تحت وطأة التهديد».
أضاف العكيدي، وهو قائد المجلس العسكري الثوري السابق في حلب، أن المدينة «متجهة نحو التحرر من النظام المجرم، وما يحكى عن استقدام مقاتلين مما يسمّى (حركة النجباء) العراقية، ونخب (حزب الله) لن تستطيع إعادة ترميم معنويات جيش الأسد المنهارة». وتابع: «على النظام أن يستعدّ للمفاجآت، سنأتيه من فوق الأرض ومن تحت الأرض، ولن ينفعه الطيران الروسي وكل شذاذ الآفاق».
وكانت وسائل إعلام موالية للنظام، أفادت بأن «القوات الحكومية السورية وحلفاءها استعادوا مناطق من قبضة المعارضة المسلحة في جنوب غربي حلب الثلاثاء (أول من أمس) قرب منطقة فتحت فيها الفصائل المعارضة قبل فترة وجيزة طريقا يقود إلى مناطق سيطرتهم في شرق المدينة»، غير أن فصائل المعارضة نفت أي تقدم للقوات الأسد في مناطق سيطرتها في حلب. ودحضت معلومات وسائل إعلام النظام عن «إعادة قطع الطريق الرئيسية التي تستخدمها الفصائل». ومع تزايد الحديث عن حشود عسكرية من جانب النظام، جزم العكيدي باستحالة قدرة النظام على استعادة أي نقطة محررة، وقال: «الثوار هاجموه في مقتله، أي من أقوى نقاطه وتحصيناته، عبر معسكرات سيف الدولة وكلية المدفعية وكلية التسليح والكلية الفنية، وهذه قلاع عسكرية محصنة تعجز جيوش كبرى عن إسقاطها، لكن الله مكّن الثوار من تحريرها»، لافتًا إلى أن «النظام وحلفاءه أيقنوا بأنهم لن يتمكنوا من الصمود في حلب، وهم سيخرجون منها مهزومين قريبًا بإذن الله».
وإذا كان تجميد المعركة يطرح تساؤلات عن قدرة فصائل المعارضة على إنجاز التحرير الكامل، أشار العكيدي إلى أن «النظام يحشد منذ ثلاث سنوات، ويحضر لحصار مناطق حلب المحررة»، وسأل «هل يعقل أن نحرر حلب بالكامل في غضون أسبوع أو أسبوعين؟». وقال: «عندما نتقدم إلى نقطة، نحتاج إلى بعض الوقت لتدشيمها وتحصينها لنبدأ التقدم إلى نقطة أخرى، الثوار الآن في مرحلة تحصين المناطق التي حرروها، واستحداث مواقع دفاعية». وأوضح أنه «في ظلّ غياب المعدات اللازمة، وتدمير الطيران للمعدات المتوافرة، نحن نعتمد الوسائل البدائية لأشغال التحصين والتدشيم». إلى ذلك، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أمس، أن فصائل المعارضة «تمكنت من إدخال سيارات تحمل مواد غذائية من جنوب غربي حلب إلى أحياء حلب الشرقية». وقال المرصد: «لقد تم إدخال هذه المواد عبر الممر الذي تمكنت فصائل المعارضة من فتحه قبل نحو أربعة أيام، ووصل كلية التسليح في جنوب غربي مدينة حلب بحي العامرية مرورًا بمنطقة الراموسة، والذي قطع طريق الراموسة المنفذ الوحيد لمناطق سيطرة قوات النظام في السابق إلى المناطق السورية الأخرى». وأشار المرصد إلى أن الفصائل «تمكنت من رفع ساتر ترابي في طرفي الممر وتأمين عدم استهداف المساعدات الغذائية من قبل قوات النظام».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.