«كابتن فانتاستك».. مجابهة سينمائية للتمدن

عمل يتحدى العالم من خلال الوعي بواقعه

مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}
مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}
TT

«كابتن فانتاستك».. مجابهة سينمائية للتمدن

مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}
مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}

أثناء مشاهدتي للفيلم الأميركي «كابتن فانتاستك»، الذي يعرض حاليًا في دور السينما الأميركية، كان ذهني يستدعي كتابًا شهيرًا من الأدب الأميركي هو «والدن» (1854) لهنري ديفيد ثورو، أحد أعلام المرحلة الرومانسية. فالكتاب يلتقي مع الفيلم في تجربة مشتركة هي مقاومة الحياة المدنية واختيار الطبيعة مكانًا للعيش بدلاً منها. في الفيلم يقرر زوجان العيش مع أولادهما الستة في بيئة طبيعية من ولاية واشنطن شمال غربي الولايات المتحدة، حيث يتربون في تآلف مع الكائنات ويتلقون معرفة رفيعة وجادة تتراوح بين كارل ماركس وليو تولستوي ونعوم تشومسكي. فالفيلم لا يقدم صورة مناهضة للحضارة في صورها الفكرية والإبداعية الرفيعة وإنما ضد المدنية الصناعية في صورتها الرأسمالية الاستهلاكية التي سطحت الإنسان وأفرغته من العمق الفكري والروحي. لكن التجربة التي تقف خلف تلك الصورة لا تلبث أن تدخل في مجابهة مباشرة وخاسرة مع الحياة التي رفضتها، تمامًا مثلما حدث في كتاب ثورو، حيث قضى الكاتب أكثر من عامين في أحراش ماساتشوستس بالقرب من مكان يعرف بهذا الاسم وذلك تقربًا من الطبيعة واحتجاجًا على بعض الأوضاع السياسية والاجتماعية ليعود فيما بعد إلى ما رفضه واحتج عليه. فالحياة المدنية بواقعها الزاخر بالتناقضات والسطحية والاستهلاك والعادات المتبناة دون اختيار أو تفكير ما تلبث أن تفرض نفسها على تجربة العيش بعيدًا عنها.
ذلك الانفصال بين نوعين من العيش لا يربط فيلم «كابتن فانتاستك» بكتاب ثورو فحسب وإنما يربطه بأعمال كثيرة في الأدب الأميركي وغيره، ويربطه بأعمال سينمائية أخرى منها التي تناولت في مقالة سابقة، أقصد الفيلم الأميركي «ولاية جونز الحرة»، حيث تتحقق قيم عليا مثل الحرية والعدالة بعيدًا عن الحياة المدنية أو الاجتماعية بشكلها التقليدي. إنه الانفصام الذي ما فتئت الثقافات تتخيله لخلق البدائل الممكنة أو المأمولة، البدائل الأكثر جمالاً أو نبلاً أو كمالاً، ابتداء بجمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي ومرورًا بما لا يحصى من الأعمال الفكرية والإبداعية.
على الرغم من حضور الفانتازيا في اسم الفيلم، فإن «كابتن فانتاستك» ليس عملاً شاطحًا في الحلم، أو عملاً حالمًا، أي رومانسيًا بالمعنى الشائع، أي الهروب السهل من تحديات العالم. هو عمل يتحدى العالم من خلال الوعي بواقعه: رفض الأبوين تعليم أبنائهما في مدارس يريان أنها لا تعلم ما هو مهم، وعزلهم عن ثقافة هي أبعد ما تكون عن الثقافة الجادة، وإغراقهم في طبيعة من الجبال والأشجار والأنهار هي النقيض لكل ما في المدينة من بيئة مصطنعة وملوثة، إلى غير ذلك من مظاهر الوعي بإشكاليات المدنية المعاصرة في مجتمع صناعي استهلاكي وطقوس دينية زائفة أو غير مقنعة للأبوين. لكن الأبوين ما يلبثان أن يكتشفا أن مشروعهما محدود أيضًا وأنه لا يخلو من ضعف ومشكلات خاصة به، أن الجنة والبيئات الفاضلة لها منغصاتها أيضًا.
المنغص الرئيسي الذي يواجهه مشروع الأبوين وأولادهما هو موت الأم وبطريقة غير طبيعية. يكتشف الأب مبكرًا في الفيلم أن زوجته التي ذهبت إلى المدينة منذ ثلاثة أشهر ماتت منتحرة. ليس ذلك فقط، وإنما يتضح فيما بعد أنها لم تكن على قناعة تامة بصحة المشروع نفسه. فالابن الأكبر، الذي علمه أبوه طقوس الحياة البرية وعلمه إلى جانب ذلك كثيرًا من فكر الحضارة المعاصرة، كان بمساعدة أمه -كما يتضح لاحقًا - يراسل كبرى الجامعات الأميركية للحصول على قبول وأنه حصل فعلاً على قبول، بل وترحيب من ييل وهارفرد وبرنستون إعجابًا منها بما حصله من معرفة واكتسبه من لغات. فالأم التي رأت دون شك نجاح مشروعها مع زوجها في تربية أبنائهما تربية استثنائية لم تكن على قناعة تامة بأن ذلك المشروع يجب أن يستمر وأن للحياة والمعرفة متطلبات أخرى. من تلك المتطلبات ما يصرخ به الابن الأكبر في وجه أبيه: «كل معرفتي جاءت من الكتب»، أي أن ثمة معرفة تنقصني هي التجربة المباشرة لما تتحدث عنه الكتب نفسها.
ذلك الفشل تعقبه عودة تدريجية للمدنية المرفوضة تبدأ بحضور مراسم تأبين ودفن الأم. غير أن ذلك الحضور لا يخلو من مجابهة أخرى مع الديانة المسيحية، مع العقيدة والطقوس التي تقتضيها. يقول الزوج إن زوجته المتوفاة تركت وصية تطالب بحرق جثتها بدلاً من دفنها وأنها طلبت أن يوضع رمادها في المرحاض وأنه يطالب بتنفيذ ذلك. وحين يقابل طلب الزوج، بل حضوره في الكنيسة بالرفض من قبل أهل زوجته، ومنهم جد أولاده الثري والرافض للأسلوب الذي اختارته ابنته وزوجها لتربية أبنائهما، فإنه يعمد هو والأولاد إلى سرقة الجثة من مدفنها وإحراقها في الطبيعة التي عاشوا فيها ثم يعودون لتنفيذ بقية الوصية والتخلي نهائيًا عن مشروع الحياة خارج أسوار المدنية.
من المشاهد الطريفة والغريبة في الفيلم مشهد الاحتفال بعيد ميلاد عالم اللغة والمفكر الأميركي الشهير نعوم تشومسكي بدلاً من الاحتفال بالكريسماس. وتشومسكي اسم لا يتوقع من يعرفه أن يتردد في صالة سينما، ومع أنني كنت أشاهد الفيلم في محيط جامعي، حيث إن دار السينما واقعة بالقرب من جامعة كاليفورنيا في إرفاين، حيث يتوقع أن يكون معظم الحضور من الأساتذة والطلاب، فإنه كان من الصعب تصور أن يتعرف بعض صغار السن على الأقل على تشومسكي وأفكاره التي صارت رمزًا لمعارضة السياسة الأميركية ونقدها بشكل متواصل في كتبه ومحاضراته الكثيرة، غير أن الفيلم زج باسم تشومسكي بوصف ذلك جزءا من الاحتفاء بما يعرف بالثقافة المضادة التي يعد المفكر الأميركي رمزًا كبيرًا من رموزها. ولست أدري كيف سيكون رد فعل تشومسكي حين يعرف عن حضوره في الفيلم وهو الذي يؤكد أنه مغيّب عن وسائل الاتصال الجماهيري، ويرى أن ذلك التغييب جزء من الرقابة الضمنية التي تفرضها عليه المؤسسات الأميركية بوصفها شريكة للحكومة فيما يسميه «تصنيع الموافقة»، أو إيجاد الموافقة العامة على السياسات والآيديولوجيات السائدة عبر وسائل مختلفة.
لكن الفيلم الأميركي يثبت هنا أن ثمة أصواتًا تبحث عن أمثال تشومسكي وأن صوت المعارضة تتردد أصداؤه. السؤال: ما مدى انتشار تلك المعارضة ناهيك عن تقبلها وتأثيرها في مشهد سياسي يهيمن عليه أمثال ترامب وكلينتون وتستمر فيه سطوة الشركات الكبرى ورؤوس الأموال دون خيارات أخرى تذكر؟ على أن القضية المطروحة تتجاوز البعد الأميركي لأنها قضية إنسانية وتحدٍ حضاري كبير، وأهمية الفيلم تكمن في إثارته للسؤال حول ما يمكن للإنسان بشكل عام أن يفعله إزاء ظروف تحيط به وتفرض أنماطًا من التربية والتعليم والسلوك إن أمكن له الاعتراض عليها فليس من السهل أن يصل باعتراضه إلى النجاح المرجو أو إلى نتائج مقنعة. إنها إشكالية الفرد أمام مجتمع ونظام ومؤسسات تتبنى آيديولوجيات غير مقنعة لذلك الفرد. وإذا كان الفيلم يطرح حلاً «فانتازيًا» لا يتيسر لكل أحد أو لا يرغب كل أحد أن يتبناه لو لم يعجبه نظام المجتمع أو مؤسساته أو آيديولوجياته، فإن ما في وسع الكثيرين عمله ليس مثل ذلك الحل المتطرف وإنما تبني حلول توفيقية تعدل ما هو قائم برفد التعليم مثلاً بتعليم آخر، أو بتقوية الضعف وتصحيح الخاطئ. لكن تلك الحلول ليست مما يصنع فكرًا أو ينشأ منه عمل فني. لا بد من فانتازيا لصناعة الفن.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».