«كابتن فانتاستك».. مجابهة سينمائية للتمدن

عمل يتحدى العالم من خلال الوعي بواقعه

مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}
مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}
TT

«كابتن فانتاستك».. مجابهة سينمائية للتمدن

مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}
مشهد من الفيلم {كابتن فانتاستك}

أثناء مشاهدتي للفيلم الأميركي «كابتن فانتاستك»، الذي يعرض حاليًا في دور السينما الأميركية، كان ذهني يستدعي كتابًا شهيرًا من الأدب الأميركي هو «والدن» (1854) لهنري ديفيد ثورو، أحد أعلام المرحلة الرومانسية. فالكتاب يلتقي مع الفيلم في تجربة مشتركة هي مقاومة الحياة المدنية واختيار الطبيعة مكانًا للعيش بدلاً منها. في الفيلم يقرر زوجان العيش مع أولادهما الستة في بيئة طبيعية من ولاية واشنطن شمال غربي الولايات المتحدة، حيث يتربون في تآلف مع الكائنات ويتلقون معرفة رفيعة وجادة تتراوح بين كارل ماركس وليو تولستوي ونعوم تشومسكي. فالفيلم لا يقدم صورة مناهضة للحضارة في صورها الفكرية والإبداعية الرفيعة وإنما ضد المدنية الصناعية في صورتها الرأسمالية الاستهلاكية التي سطحت الإنسان وأفرغته من العمق الفكري والروحي. لكن التجربة التي تقف خلف تلك الصورة لا تلبث أن تدخل في مجابهة مباشرة وخاسرة مع الحياة التي رفضتها، تمامًا مثلما حدث في كتاب ثورو، حيث قضى الكاتب أكثر من عامين في أحراش ماساتشوستس بالقرب من مكان يعرف بهذا الاسم وذلك تقربًا من الطبيعة واحتجاجًا على بعض الأوضاع السياسية والاجتماعية ليعود فيما بعد إلى ما رفضه واحتج عليه. فالحياة المدنية بواقعها الزاخر بالتناقضات والسطحية والاستهلاك والعادات المتبناة دون اختيار أو تفكير ما تلبث أن تفرض نفسها على تجربة العيش بعيدًا عنها.
ذلك الانفصال بين نوعين من العيش لا يربط فيلم «كابتن فانتاستك» بكتاب ثورو فحسب وإنما يربطه بأعمال كثيرة في الأدب الأميركي وغيره، ويربطه بأعمال سينمائية أخرى منها التي تناولت في مقالة سابقة، أقصد الفيلم الأميركي «ولاية جونز الحرة»، حيث تتحقق قيم عليا مثل الحرية والعدالة بعيدًا عن الحياة المدنية أو الاجتماعية بشكلها التقليدي. إنه الانفصام الذي ما فتئت الثقافات تتخيله لخلق البدائل الممكنة أو المأمولة، البدائل الأكثر جمالاً أو نبلاً أو كمالاً، ابتداء بجمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي ومرورًا بما لا يحصى من الأعمال الفكرية والإبداعية.
على الرغم من حضور الفانتازيا في اسم الفيلم، فإن «كابتن فانتاستك» ليس عملاً شاطحًا في الحلم، أو عملاً حالمًا، أي رومانسيًا بالمعنى الشائع، أي الهروب السهل من تحديات العالم. هو عمل يتحدى العالم من خلال الوعي بواقعه: رفض الأبوين تعليم أبنائهما في مدارس يريان أنها لا تعلم ما هو مهم، وعزلهم عن ثقافة هي أبعد ما تكون عن الثقافة الجادة، وإغراقهم في طبيعة من الجبال والأشجار والأنهار هي النقيض لكل ما في المدينة من بيئة مصطنعة وملوثة، إلى غير ذلك من مظاهر الوعي بإشكاليات المدنية المعاصرة في مجتمع صناعي استهلاكي وطقوس دينية زائفة أو غير مقنعة للأبوين. لكن الأبوين ما يلبثان أن يكتشفا أن مشروعهما محدود أيضًا وأنه لا يخلو من ضعف ومشكلات خاصة به، أن الجنة والبيئات الفاضلة لها منغصاتها أيضًا.
المنغص الرئيسي الذي يواجهه مشروع الأبوين وأولادهما هو موت الأم وبطريقة غير طبيعية. يكتشف الأب مبكرًا في الفيلم أن زوجته التي ذهبت إلى المدينة منذ ثلاثة أشهر ماتت منتحرة. ليس ذلك فقط، وإنما يتضح فيما بعد أنها لم تكن على قناعة تامة بصحة المشروع نفسه. فالابن الأكبر، الذي علمه أبوه طقوس الحياة البرية وعلمه إلى جانب ذلك كثيرًا من فكر الحضارة المعاصرة، كان بمساعدة أمه -كما يتضح لاحقًا - يراسل كبرى الجامعات الأميركية للحصول على قبول وأنه حصل فعلاً على قبول، بل وترحيب من ييل وهارفرد وبرنستون إعجابًا منها بما حصله من معرفة واكتسبه من لغات. فالأم التي رأت دون شك نجاح مشروعها مع زوجها في تربية أبنائهما تربية استثنائية لم تكن على قناعة تامة بأن ذلك المشروع يجب أن يستمر وأن للحياة والمعرفة متطلبات أخرى. من تلك المتطلبات ما يصرخ به الابن الأكبر في وجه أبيه: «كل معرفتي جاءت من الكتب»، أي أن ثمة معرفة تنقصني هي التجربة المباشرة لما تتحدث عنه الكتب نفسها.
ذلك الفشل تعقبه عودة تدريجية للمدنية المرفوضة تبدأ بحضور مراسم تأبين ودفن الأم. غير أن ذلك الحضور لا يخلو من مجابهة أخرى مع الديانة المسيحية، مع العقيدة والطقوس التي تقتضيها. يقول الزوج إن زوجته المتوفاة تركت وصية تطالب بحرق جثتها بدلاً من دفنها وأنها طلبت أن يوضع رمادها في المرحاض وأنه يطالب بتنفيذ ذلك. وحين يقابل طلب الزوج، بل حضوره في الكنيسة بالرفض من قبل أهل زوجته، ومنهم جد أولاده الثري والرافض للأسلوب الذي اختارته ابنته وزوجها لتربية أبنائهما، فإنه يعمد هو والأولاد إلى سرقة الجثة من مدفنها وإحراقها في الطبيعة التي عاشوا فيها ثم يعودون لتنفيذ بقية الوصية والتخلي نهائيًا عن مشروع الحياة خارج أسوار المدنية.
من المشاهد الطريفة والغريبة في الفيلم مشهد الاحتفال بعيد ميلاد عالم اللغة والمفكر الأميركي الشهير نعوم تشومسكي بدلاً من الاحتفال بالكريسماس. وتشومسكي اسم لا يتوقع من يعرفه أن يتردد في صالة سينما، ومع أنني كنت أشاهد الفيلم في محيط جامعي، حيث إن دار السينما واقعة بالقرب من جامعة كاليفورنيا في إرفاين، حيث يتوقع أن يكون معظم الحضور من الأساتذة والطلاب، فإنه كان من الصعب تصور أن يتعرف بعض صغار السن على الأقل على تشومسكي وأفكاره التي صارت رمزًا لمعارضة السياسة الأميركية ونقدها بشكل متواصل في كتبه ومحاضراته الكثيرة، غير أن الفيلم زج باسم تشومسكي بوصف ذلك جزءا من الاحتفاء بما يعرف بالثقافة المضادة التي يعد المفكر الأميركي رمزًا كبيرًا من رموزها. ولست أدري كيف سيكون رد فعل تشومسكي حين يعرف عن حضوره في الفيلم وهو الذي يؤكد أنه مغيّب عن وسائل الاتصال الجماهيري، ويرى أن ذلك التغييب جزء من الرقابة الضمنية التي تفرضها عليه المؤسسات الأميركية بوصفها شريكة للحكومة فيما يسميه «تصنيع الموافقة»، أو إيجاد الموافقة العامة على السياسات والآيديولوجيات السائدة عبر وسائل مختلفة.
لكن الفيلم الأميركي يثبت هنا أن ثمة أصواتًا تبحث عن أمثال تشومسكي وأن صوت المعارضة تتردد أصداؤه. السؤال: ما مدى انتشار تلك المعارضة ناهيك عن تقبلها وتأثيرها في مشهد سياسي يهيمن عليه أمثال ترامب وكلينتون وتستمر فيه سطوة الشركات الكبرى ورؤوس الأموال دون خيارات أخرى تذكر؟ على أن القضية المطروحة تتجاوز البعد الأميركي لأنها قضية إنسانية وتحدٍ حضاري كبير، وأهمية الفيلم تكمن في إثارته للسؤال حول ما يمكن للإنسان بشكل عام أن يفعله إزاء ظروف تحيط به وتفرض أنماطًا من التربية والتعليم والسلوك إن أمكن له الاعتراض عليها فليس من السهل أن يصل باعتراضه إلى النجاح المرجو أو إلى نتائج مقنعة. إنها إشكالية الفرد أمام مجتمع ونظام ومؤسسات تتبنى آيديولوجيات غير مقنعة لذلك الفرد. وإذا كان الفيلم يطرح حلاً «فانتازيًا» لا يتيسر لكل أحد أو لا يرغب كل أحد أن يتبناه لو لم يعجبه نظام المجتمع أو مؤسساته أو آيديولوجياته، فإن ما في وسع الكثيرين عمله ليس مثل ذلك الحل المتطرف وإنما تبني حلول توفيقية تعدل ما هو قائم برفد التعليم مثلاً بتعليم آخر، أو بتقوية الضعف وتصحيح الخاطئ. لكن تلك الحلول ليست مما يصنع فكرًا أو ينشأ منه عمل فني. لا بد من فانتازيا لصناعة الفن.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.