ابن صانع القنابل لأسامة بن لادن: «داعش» تريدني غنيمة حرب

نجل أبو خباب {كيميائي القاعدة» : لاسم والدي تأثير كبير ومعنى عميق بين المتشددين

محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})
محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})
TT

ابن صانع القنابل لأسامة بن لادن: «داعش» تريدني غنيمة حرب

محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})
محمد نجل أبو خباب اقترب من بن لادن وأيمن الظواهري خلال وجوده مع العائلة في أفغانستان ({الشرق الأوسط})

كان لا يزال مراهقا عندما تجول في أحد المباني الواقعة في مجمع التلال لترابية القريبة؛ بحثا عن الأقفاص التي توجد فيها الأرانب. وفي الداخل، عثر على مختبر مجهز، مع أنابيب الاختبار، والأقنعة الواقية، وصفوف من الجرار السوداء.
وأثناء تجوال محمد نجل أبو خباب المصري في الغرفة ذات المحتويات المبعثرة، جاء والده ودخل الغرفة وراءه.
يقول المصري «سألت والدي، ما الذي تفعله هنا؟»، متذكرا حادثة وقعت قبل عشرين عاما في شرق أفغانستان. وكانت إجابة والده غامضة؛ إذ قال: «عندما تكبر إن شاء الله سوف تعرف بنفسك».
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في عام 2001 كان والد المصري يعتبر أحد أهم الشخصيات البارزة في تنظيم القاعدة: المواطن المصري الذي يحمل درجة جامعية في الكيمياء والتي تولى مهمة الإشراف على جهود الشبكة الإرهابية لتصنيع الأسلحة التي تسبب الكثير من الإصابات بين الناس.
ثم أصبح أبو خباب المصري مطلوبا القبض عليه ووضعت الولايات المتحدة مكافأة تبلغ 5 ملايين دولار لمن يرشد عنه. وتظهر الفيديوهات المستردة من معسكر التدريب الذي أشرف عليه أن الكلاب تسقط في حالة إعياء شديدة عندما تتعرض لرذاذ من بعض المكونات الغامضة، كما أنه كان ضالعا في سلسلة من المؤامرات – بما في ذلك محاولة تنظيم القاعدة إسقاط طائرة ركاب مدنية بواسطة قنبلة مخبأة في حذاء – وذلك قبل أن تقتله الاستخبارات المركزية الأميركية في هجمة بطائرة من دون طيار.
وغادر محمد نجل أبو خباب، البالغ من العمر الآن 35 عاما، أفغانستان بعد وقت قصير من تلك الحادثة التي وقعت في منتصف التسعينات في المختبر المتواجد في مجمع معسكرات دارونتا، ولم ير والده مرة أخرى بعد ذلك. ولكن تلك السمعة السيئة قد ارتبطت بالشاب اليافع كمثل المخلفات السامة، حيث زادت من تعقيد جهوده ليضع بصمته الخاصة على صفحات التطرف، وكان آخرها في سوريا.
وساعده اسمه المعروف في بناء قاعدة من الأتباع بلغت مئات عدة من المقاتلين بعدما وصل إلى سوريا عام 2012، كما قال في واحدة من سلسلة مقابلات صحافية مع صحيفة «واشنطن بوست». ولكن منذ ذلك الحين، انشغل في صراع عنيف بين أولئك الموالين لتنظيم والده «القاعدة» وأنصار التنظيم الأكبر والأكثر وحشية والمصمم على أن يحل محل القاعدة – تنظيم داعش.
يجسد المصري حالة الصراع البارزة ما بين الأجيال ربما أكثر من أي مقاتل آخر في سوريا. بدأ تنظيم داعش ذراعا رافدة عن تنظيم القاعدة، ولكن كلا التنظيمين يدخل الآن في منافسة حادة وشرسة من أجل تحديد من منهما سيسود ويحوز العلامة التجارية الشهيرة للتطرف العالمي. على أحد المستويات، يجري القتال بينهما على الموارد والمجندين. ولكنهما لديهما أيضا الرؤية المتنافسة حيال كيفية إقامة عصر جديد من الحكم، ويحمل تنافسهم قدرا كبيرا من الجرأة الكافية لتغذية سباق التسلح الإرهابي واستهداف الغرب.
ونجل أبو خباب من بين القلائل الذين يزعمون بأنهم قضوا فترات مطولة في معسكرات «القاعدة» في أفغانستان إلى جانب العاصمة المزعومة للخلافة في الرقة بشمال سوريا، وهو الشخص الوحيد حتى الآن الذي مر بكل هذه التجارب ويمكنه الحديث عنها بالتفصيل.
ومن بعض النواحي، فإنه يمثل الحمض النووي المشترك بين هذين التنظيمين، فضلا عن الخلافات العنيفة حول التكتيكات والأهداف، التي جعلتها غير متوافقة. ويبدو مسار هذه المنافسة خلال العامين الماضيين مائلا وبقوة إلى صالح تنظيم داعش. ولكن تنظيم القاعدة، الذي نجا من الإبادة لمدة 15 عاما منذ هجمات سبتمبر، قد أظهر مرارا وتكرارا مقدرته على إعادة التجمع والتنظيم.
ولقد أعلنت جبهة النصرة، الذراع الوحيدة الموالية لـ«القاعدة» في سوريا، مؤخرا استقلالها عن التنظيم الأم، وهو القرار الذي قوبل بترحيب مشوب بالكثير من الشكوك من قبل الولايات المتحدة ومسؤولي الاستخبارات فيها.
وفي تسجيل صوتي نشر في مايو (أيار) الماضي، حث أيمن الظواهري زعيم «القاعدة» تنظيم جبهة النصرة في سوريا على إقامة محيطها الإقليمي الخاص بها لكي تتمكن من المنافسة مع تنظيم داعش، وهي الخطوة التي طالما قاومها تنظيم القاعدة من قبل. كما دعا الظواهري أيضا إلى «الوحدة الجديدة» بين مختلف الفصائل المعارضة، التي تقاتل جميعها تنظيم داعش والحكومة السورية على حد سواء، حيث وصفها بأنها مسألة «حياة أو موت».
ويحل محمد المصري، الذي تعرف إلى الظواهري في أفغانستان، محل القلب من الجمهور المقصود بخطاب زعيم القاعدة الأخير.
بعد فشله في تفادي ظهور تنظيم داعش، انحاز محمد نجل أبو خباب المصري إلى التنظيم الذي يحمل الفكر المتطرف العنيف في عام 2013، حيث جاء بالكثير من الأتباع وقبل الكثير من الامتيازات الممنوحة من قبل الخلافة المزعومة، بما في ذلك شقة سكنية في مدينة الرقة، ورواتب شهرية منتظمة، وزوجة جديدة.
غير أن التنظيم أصبح مدركا على نحو تدريجي بحدود الولاء الظاهر من جانب محمد المصري، كما قال بنفسه. بما في ذلك رفضه المشاركة في الهجمات التي يشنها «داعش» على ذراع القاعدة في سوريا، ورفضه أيضا الظهور في الفيديوهات الدعائية التي تشهّر بالتنظيم الذي كان والده عضوا فيه. وفي منتصف عام 2014 اتهم المصري بالخيانة، وتم نقله خارج مساكن الرقة في نسخة تنظيم داعش من الإقامة الجبرية.
كان ولاء المصري السبب الرئيسي في فترات السجن الطويلة خلال حياته، بما في ذلك ثماني سنوات من الاعتقال في مصر. ولكن كان هناك شخص موال لوالد محمد المصري، وهو تاجر من الرقة، ذلك الذي يعمل ضد «داعش» في الخفاء، هو الذي ساعد على ترتيب هرب المصري من قبضة «داعش».
يقول محمد المصري عن ذلك «كان لاسم والدي تأثير كبير ومعنى عميق بين المتشددين»، مشيرا إلى الآلاف من المقاتلين الذين هاجروا إلى أفغانستان في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وأضاف المصري يقول: «إن تنظيم داعش يحاول نزع العباءة من على أكتاف (القاعدة) ويريد أن يستخدموني غنيمة حرب».
تحدث المصري بشرط عدم الكشف عن موقعه أو انتماءاته الحالية، كما أنه رفض التصوير تماما، بسبب قوله: إنه يخشى استهدافه من قبل تنظيم داعش، كما أنها مخاطرة تعرضه للاعتقال من قبل مختلف الأجهزة الأمنية في المنطقة.
أكد الزملاء السابقون لوالده ولأسامة بن لادن على هوية المصري، وأنه استخرج جواز سفره باسم عائلته. وفي المقابلة الصحافية، «كان يرتدي قميصا منقوشا وقبعة سوداء».
وافق المصري على الحديث إلى صحيفة «واشنطن بوست»، كما قال، في جزء منه للتعبير عن رفضه الحكم الاستبدادي الذي يمارسه تنظيم داعش على السكان في العراق وسوريا، على الرغم من أنه أحجم عن إدانة وحشية التنظيم ضد الغرب.
وقال عن ذلك خلال المقابلة «ليس الأمر أنهم قطعوا رأس أحد الأشخاص ممن ارتكبوا إحدى الجرائم، لم تكن تلك هي قضيتي معهم، بل كانت في أسلوبهم للحكم».
وألقى المصري باللوم على سياسات الولايات المتحدة وحملاتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وأنها السبب وراء اندفاع الآلاف من المسلمين وراء دعاية «داعش». وأضاف يقول: «بالقدر الذي احتقر به (داعش) للطريقة التي يعاملون بها الناس، فإن أحد الأسباب الرئيسية في قوة هذا التنظيم هو الغرب نفسه».
إنها صدى إحدى المظالم الرئيسية التي أطلقها تنظيم القاعدة من قبل، وهو التنظيم الإرهابي الذي كان أعضاؤه المؤسسون في وقت من الأوقات بمثابة الأسرة الكبيرة بالنسبة إلى محمد المصري.
انتقل المصري بصحبة عائلته إلى باكستان وهو في سن التاسعة، على الرغم من مولده في الأردن، حيث قضى والده – واسمه الحقيقي مدحت مرسي السيد عمر – أغلب وقته عبر الحدود في أفغانستان بين كوكبة من معسكرات التدريب بالقرب من سد دارونتا على مسافة 70 ميلا إلى الشرق من كابل وبالقرب من جلال أباد.
وافتتح الوالد مطعما في بيشاور لكي يبقي أسرته منشغلة، وهي المدينة الباكستانية التي كانت بمثابة نقطة انطلاق للآلاف من الرجال المسلمين الذين يصلون من الشرق الأوسط لقتال القوات السوفياتية في أفغانستان.
عمل المصري برفقة والدته وأخواته الخمس في المطعم، والذي كان يحمل اسم مقهى «الإخوة». وكان رواد المطعم عبارة عن كبار رجال تنظيم القاعدة، كما يقول المصري، ومن بينهم أيمن الظواهري، الزعيم الثاني لفترة طويلة في التنظيم، الذي تولى زعامة التنظيم الإرهابي إثر مقتل أسامة بن لادن في عام 2011.
* خدمة: «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».