الموصل تنتظر معركة تحريرها

بين التحضيرات الأميركية وحروب بغداد الجانبية

الموصل تنتظر معركة تحريرها
TT

الموصل تنتظر معركة تحريرها

الموصل تنتظر معركة تحريرها

طبقا لمجريات الأمور في بغداد، لا تبدو معركة الموصل هما عراقيا خالصا، بالقياس إلى الاهتمام العالي المستوى الذي يبديه الجانب الأميركي لهذه المعركة التي يراد لها أن تكون آخر المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش، لا سيما بعد سلسلة خسائره في الأنبار بدءا من مدينة الرمادي والفلوجة وأخيرا جزيرة الخالدية.
وعلى الرغم من أن هدف كل من بغداد وواشنطن هو تحرير الموصل (محافظة نينوى - ثاني أكبر المحافظات بعد بغداد وتبعد عن العاصمة مسافة 405 كيلومترات)، فإن لكل منهما أولوياته. ففيما تبدو الأولوية الأميركية تحرير الموصل التي ترتبط طبقا للاستراتيجية الأميركية مع الرقة السورية في مسعى لتحقيق انتصار للديمقراطيين يسبق انتخابات الرئاسة الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وهو ما قد يفيد في معركة هيلاري كلينتون الديمقراطية ضد الجمهوري دونالد ترامب، فإن أولوية سلطات بغداد هي «مرحلة ما بعد تحرير الموصل» نظرا للجغرافية السياسية المعقدة في المدينة، وخصوصًا على صعيد العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان لجهة المناطق المتنازع عليها بين الجانبين، أو لجهة محاولات مد النفوذ لكل طرف سواء للمناطق المسيحية (من قبل الأكراد) أو المناطق المختلطة مذهبيا (شيعة وسنة) على صعيد مساعي إشراك ميليشيا «الحشد الشعبي» في معركة الموصل من أجل تحقيق موطئ قدم في تلك المناطق.
«مرحلة ما بعد تحرير الموصل» تثير مخاوف أهالي الموصل وأبرز قياداتها السنية، أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق، وشقيق الزعيم السني البارز أسامة النجيفي، بالذات، في ضوء الجغرافية السياسية والإثنية والدينية والمذهبية المعقدة في المدينة ومحيطها، وخصوصًا في ضوء سوابق ميليشيا «الحشد الشعبي» بوجهها الشيعي، وقوات البيشمركة الكردية بناء على مواقف معلنة ومقلقة لغير الأكراد صدرت في الأمس القريب عن بعض أبرز قادة إقليم كردستان، إزاء مصير المناطق المختلطة بعد إنجاز التحرير.

التمدد الإيراني
أثيل النجيفي يقود حاليا فصيلا مسلحا من نحو 3 آلاف مقاتل تحت مسمى «الحشد الوطني السني» للمشاركة في معركة الموصل. وهو يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «كل الأطراف باتت تتصرف باتجاه خلق حالة تلائمها لمرحلة ما بعد (داعش) وهو أمر يمثل خطورة بحد ذاته على التنوع السكاني في محافظة كبيرة بحجم نينوى». وبشأن ما إذا كان أهالي نينوى الذين يرفضون مشاركة «الحشد الشعبي» بنسخته الشيعية خشية حصول تمدد شيعي في المناطق المختلطة في الموصل، وأبرزها قضاء تلعفر، يقول النجيفي إن «أهالي الموصل لا يخشون التمدد الشيعي بالمفهوم المذهبي بل يخشون تمدد النفوذ الإيراني وهو ما يؤسس لحالة جديدة في الموصل في مرحلة ما بعد (داعش) تجعل من الموصل بؤرة توتر دائمة في المستقبل». ويرى النجيفي أن «الحل الصحيح لكل الأطراف إذا ما أردنا تحرير الموصل بأيد عراقية، هو أن يكون الجيش العراقي هو الأصل في التحرير بمشاركة التحالف الدولي، بينما سيكون لأهالي الموصل الدور الأبرز في تهيئة كل مستلزمات المعركة حين تقترب المعارك من الموصل».
وردا على سؤال للنجيفي بشأن دعوته أهالي الموصل لعدم مغادرة المدينة، وهو ما أثار لغطا في مختلف الأوساط، يقول النجيفي إنه «يكرر هذه الدعوة الآن لسببين: الأول هو أن تحرير الموصل لا يمكن أن يتم إلا من داخلها ومن قبل أهلها المستعدين الآن للقتال في حال اقتربت قطعات الجيش من المدينة، والثاني هو عدم قدرة الحكومة على تلبية نزوح أكثر من مليون ونصف مليون إنسان، وهي التي فشلت في إغاثة نازحي الشرقاط الذين لم يزد عددهم عن 50 ألفا. وبالتالي فإن من يخرج بناء على دعوات الحكومة للخروج سوف يتعرض للموت جوعا وعطشا وذلا».

الرؤية الأميركية
أميركيا، فإن واشنطن التي كان لها دور بارز في حسم معركتي الرمادي والفلوجة من خلال استخدام الطيران بكثافة في ضرب أهداف «داعش»، وذلك للتحضير لمعركة الموصل، بدأت الآن في مضاعفة جهودها السياسية والعسكرية والاستخبارية من أجل تهيئة الأجواء لمعركة الموصل. فعلى صعيد التسليح والتجهيز، فإن واشنطن أرسلت خلال الفترة الأخيرة كثيرا من الوفود الرفيعة المستوى إلى بغداد، مثل وزراء الخارجية والدفاع وقائد القيادة المركزية الأميركية والناطق باسم التحالف الدولي ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية، وذلك بهدف تهيئة الاستعدادات كافة للمعركة الفاصلة. وفي حين رعت واشنطن مؤخرا مؤتمرا للمانحين وصفه سعد الحديثي، الناطق الرسمي باسم المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنه «واحد من أهم المؤتمرات التي أكدت حرص المجتمع الدولي على منح العراق مزيدا من الأموال لمواجهة أعباء الحرب ضد (داعش)، إضافة إلى إغاثة النازحين والبدء بإعادة البنى التحتية للمدن التي تم تحريرها من تنظيم داعش».
الحديثي يؤكد أن «الاهتمام الأميركي بتحرير الموصل يتمثل في مستوى الدعم المتواصل الذي بدأت تقدمه واشنطن للعراق، وهو ما يتضح من خلال ما تجريه الإدارة الأميركية من اتصالات مع رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي تعده واشنطن شريكا رئيسيا لها في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى أنها تدرك أن العراق بات يمثل الخط الأمامي في المواجهة ضد تنظيم داعش. وبالتالي فإن هناك طمأنة أميركية مستمرة للعراق بالوقوف إلى جانبه في مختلف الجوانب وهو ما ترك أثره على طبيعة ومستوى الإعداد للمعركة من مختلف جوانبها».

صراعات داخلية متعددة
ومع استمرار الصراعات الداخلية في العراق على مختلف المستويات، وهي التي يمكن أن تترك تأثيراتها على مسار معركة الموصل، فإن الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع رئيس الوزراء حيدر العبادي وضعت الأولويات العسكرية واللوجستية على صعيد المعركة بمختلف جوانبها. وفي مجال شرح الآلية التي سوف تعتمد في عملية تحرير الموصل، فإنه طبقا لما كشفه مصدر مطلع رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، فإن واشنطن ستبدأ باستخدام طائرات الأباتشي المتطورة في معركة الموصل بدءًا من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، هذا إضافة إلى النصيحة التي قدمها الأميركان للقيادة العراقية بالإبقاء «على قضاء الشرقاط محاصرا دون قتال، الأمر الذي سوف يجبر عناصر تنظيم داعش الموجودين فيه على الهرب، كما أن من شأن ذلك تجنب عمليات النزوح الهائلة التي يمكن أن ترافق العمليات القتالية مما يؤخر عملية التقدم نحو الموصل».
وبينما رجح المصدر بدء معركة الموصل «خلال شهر سبتمبر المقبل حين ستشرك واشنطن طائرات الأباتشي العسكرية المتطورة فضلا عن المدفعية ومضاعفة الطلعات الجوية لثلاث مرات» فقد أشار إلى أن «العمليات ستبدأ بتحرير مناطق الشورة وحمام العليل مع مطلع الشهر التاسع على أن تصل إلى اقتحام الموصل نهاية الشهر، في حال مضت الأمور بشكل طبيعي».

مشكلتا «الحشد» والبيشمركة
وفي سياق الإشكالية التي لا تزال تمثلها عملية مشاركة كل من قوات «الحشد الشعبي» الشيعي والبيشمركة الكردية في معركة الموصل، يقول المصدر المطلع إن «هناك نحو 15 ألف مقاتل من عناصر الحشد الشعبي الشيعي سوف يشاركون، على أن يشارك 10 آلاف مقاتل من الحشد السني في المعركة، على أن يرتبط الحشد الشيعي بالشرطة الاتحادية بينما يرتبط الحشد السني بقيادة عمليات نينوى». وأردف موضحا أن «دور الحشد الشعبي الشيعي سيقتصر على معارك القيارة وحمام العليل وتلعفر والحضر، وهو ما يعني أنه لن يدخل الموصل. كذلك لن تدخل قوات البيشمركة هي الأخرى الموصل بل تقتصر مشاركتها على مناطق الكسك وزمار والكوير».
ولكن إذا كانت المخاوف من قبل أهالي الموصل بشأن «الحشد الشعبي» مثلما يراها أثيل النجيفي بأنها لا ترتبط بالتمدد المذهبي بل بالتمدد الإيراني، وهو مما يغير قواعد اللعبة في المنطقة الغربية من العراق وخصوصا في ظل توغل إيراني مشابه في محافظتي ديالى (56 كيلومترا شرق بغداد) وصلاح الدين (180 كيلومترا شمال شرقي بغداد)، فإن المخاوف من إشراك البيشمركة الكردية في تحرير الموصل تتمثل في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل بموجب المادة 140 من الدستور العراقي. ففي نينوى يدّعي الأكراد أن هناك عدة مناطق تعود لهم مع أنها ذات غالبيات سريانية مسيحية وتركمانية وشُبكية ويزيدية وعربية في سهل نينوى، وتشمل أقضية الشيخان والحمدانية وتلكيف. وكذلك هناك منطقة الوجود الأيزيدي في بلدة سنجار الواقعة في محيط عربي، وأيضًا ناحية زمار من قضاء تلعفر وناحية القحطانية في قضاء البعاج.

الحسابات الكردية الخاصة
وهكذا، بالنسبة لمفهومي الاختلاط والتمدد في الموصل شيعيًا وكرديًا، فإنه في الوقت الذي تبدو فيه خطة إيران غير واضحة المعالم وهي تعتمد على التمدد والتوغل تحت أغطية مختلفة، منها حماية أبناء المذهب الشيعي في تلك المناطق ذات الغالبية السنية، فإن الوضع الكردي مختلف. ذلك أنه يقوم على أساس ما يعتبره عائدية جغرافية لتلك المناطق بصرف النظر عن التنوع السكاني فيها، حيث يتواجد فيها الأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون. وبالتالي، فإن الجغرافية هي التي تحكم العلاقة المستقبلية مع إقليم كردستان في تلك المناطق. وفي ظل وحدة الموقف الكردي حيال المناطق المتنازع عليها بوصفه «استحقاقا كرديا غير قابل للتصرف» فإن الخلافات بين الأحزاب الكردية، لا سيما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني وبين «حركة التغيير» الكردية، بدأ يطغى حتى على العلاقة مع بغداد.
فبينما أعلن مسعود بارزاني عام 2014، بعد احتلال «داعش» للموصل وتمكن قوات البيشمركة الكردية من استعادة مناطق واسعة بمساعدة أميركية، أن «الحدود الجديدة إنما رسمت بالدم، وإن مرحلة ما بعد (داعش) هي غير مرحلة ما قبلها»، فإن رئيس «برلمان كردستان» يوسف أحمد، الذي ينتمي إلى حركة التغيير، رفض هذا المنطق قائلا إن «الحدود لا ترسم بالدم» مبديًا الاستعداد «للتفاهم عن طريق الحوار بشأن المناطق المتنازع عليها».

عاصفة العبيدي
على صعيد آخر، فجأة خلال الأسبوع الماضي حصل ما لم يكن متوقعا. وبعد سلسلة تأجيلات تم استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي، وهو الاستجواب الثاني له في غضون أقل من سنة.
في العام الماضي حين كانت جلسة الاستجواب سرية قدم الوزير أجوبة بدت مقنعة لأعضاء البرلمان، الأمر الذي حال دون سحب الثقة منه. ولكن بعدما بدأ سلسلة نجاحات تحققت على صعيد المعارك ضد «داعش» خلال العام الماضي، فإنه عندما بدأت الأصوات ترتفع باتجاه تغيير وزاري شامل، اتفقت الكتل السياسية على استثناء حقيبتي وزارتي الدفاع والداخلية من التغيير لأسباب تتعلق بالأولويات الأمنية. بيد أن الأوضاع سرعان ما تغيرت في أعقاب سلسلة تداعيات أمنية في بغداد، لا سيما، تفجير الكرادة مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، الذي راح ضحيته 500 شخص بين قتيل وجريح. وكان وزير الداخلية الضحية السياسية لهذا الحادث، إذ قبل حيدر العبادي استقالته فور تقديمها له.
أما وزير الدفاع العبيدي، الذي كان هو الآخر غير مشمول بمبدأ التغيير الوزاري، فقد حامت حوله شبهات الفساد. وبين الإصرار على استجوابه من قبل رئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري – على الرغم من انتمائهما إلى كتلة واحدة هي «تحالف القوى العراقية» ومكون مذهبي واحد (المكون السني) - ومحاولات التأجيل سواء من قبل الوزير أو أطراف أخرى، فإن الاستجواب وقع لكنه كان له وقع الصاعقة.
وفي خلفيات ما جرى، فإن وزير الدفاع كان قد زار قادة الكتل السياسية كلها تقريبا، لا سيما الشيعية والكردية، وكشف لهم عن أدلة يملكها حيال أطراف وشخصيات، غير أنه أبلغهم أنه لن يعلن أسماء الشخصيات التي تنتمي إلى كتلهم، بل سيتحدث عن رئيس البرلمان طالما هو مُصرّ على الاستجواب. رئيس البرلمان الدكتور الجبوري، من جانبه، قدم رواية لـ«الشرق الأوسط» على مائدة غداء في منزله في المنطقة الخضراء بوسط بغداد، وهو أحد قصور صدام السابقة الفخمة، مفادها أن «وزير الدفاع كان قد طلب تأجيل استجوابه ثلاث مرات، لكنني كنت أرفض ذلك مع أنني كنت أعلم أنه سيتحدث بما هدد بأنه سيتحدث به». وأضاف الجبوري أن «ما قدمه العبيدي لا أساس له من الصحة، بل العكس تماما هو الصحيح، حيث إنه أراد من خلال هذه الطريقة الاستعراضية التهرب من الملفات التي بحوزتنا ضده» كاشفا عن «تقديم 16 ملفا ضد العبيدي إلى رئيس الوزراء العبادي الذي لم يكن موافقا على استجوابه».

استجوابات.. وتساؤلات
المبررات هي التي تختلف على صعيد استجواب العبيدي. ففيما يرى العبادي ومعظم قادة التحالف الوطني الشيعي أن استجواب العبيدي في هذه المرحلة التي يعد فيها العراق لمعركة الموصل يمكن أن تمثل إرباكا على صعيد هذه المعركة، فإن لجنة الأمن والدفاع في البرلمان لا ترى أي أهمية لذلك. ويقول العضو فيها والنائب عن تحالف القوى العراقية محمد الكربولي - الذي كان أبرز المتهمين في قائمة العبيدي – لـ«الشرق الأوسط»، إن «العبيدي، حتى ولو كان وزيرا للدفاع فلا دور حقيقيًا له، سواء في معركة الموصل أو المعارك السابقة... لأننا ومن خلال لجنة الأمن والدفاع نعرف كل التفاصيل المرتبطة بذلك، لجهة كون المعارك ترتبط بالقيادة المشتركة التي يشرف عليها القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء». وأضاف الكربولي قائلا، إن «العبيدي طالما أكد لنا بوصفنا لجنة أمن ودفاع أنه - أي العبيدي - لا يستطيع تحريك القوات، وبالتالي ليس له دور أساسي في المعارك... لكنه أراد من خلال ما عمله خلال الاستجواب الهرب إلى الأمام، من خلال رمي التهم شمالاً وجنوبًا».

واشنطن مع العبادي
والآن، بينما تبدو الإدارة الأميركية مصممة على تحرير الموصل، على الرغم من تشتت الجهد العراقي وفتح معارك جانبية هي جزء من أمراض العملية السياسية في البلاد منذ عام 2003 وإلى اليوم، فإنها جددت دعمها لرئيس الوزراء حيدر العبادي. وهذه الخطوة فُسّرت على أن واشنطن رمت بثقلها خلفه حتى في إطار صراعه الداخلي مع خصومه. وكان سياسي مطلع قد أبلغ «الشرق الأوسط» أن «العبيدي وزير الدفاع قد لا يكون هو الرأس المطلوب في سياق صراع الكبار في العراق، بل هناك من هو أهم منه وهو رأس العبادي نفسه». ومضى السياسي قائلا إن «العبادي أخذ على الجبوري محاولته استجوابه لغرض سحب الثقة منه، وهو ما يعني فتح معركة داخل البيت الشيعي باتجاه البديل الممكن للعبادي، بينما تسعى أطراف إلى إزاحة رئيس البرلمان سليم الجبوري، وبالذات من قبل أطراف داخل جبهة الإصلاح التي يهيمن عليها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. والغاية إعداد العدة بعد تغيير الجبوري للتحرك لتغيير العبادي وهو ما يفتح الطريق مجددا أمام المالكي لاختيار بديل من حزبه... لكن هذه المرة مرضي عنه ممن بقوا مع المالكي في أوج أزمته بعد تغييره واختيار العبادي بديلا له».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.