قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها

الطبيعة لم تعد رحمًا لكل نظام اجتماعي وأخلاقي ولا هي انعكاس ولا مقياس للانسجام

قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها
TT

قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها

قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها

لم يعد هناك مجال للشك أو الاختلاف في أن الاقتصاد أصبح اليوم يحتل صدارة الاهتمام، وأن الإمكانات الواسعة والخارقة التي وفرها العلم الحديث والتقدم التكنولوجي الباهر، هي بالأساس، آليات لخدمة أهداف الاستثمار والربح، ومن ثم فإن سلطة الاستهلاك تستمد نفوذها من هيمنة الصورة باختراقها لكل الحدود والحواجز، ونفاذها إلى كل العقليات والذهنيات والثقافات. السماء تمطر صورا، ومشهد الهوائيات على أسطح البنايات في كل أرجاء العالم يعكس استسلام إنسان القرن الحادي والعشرين لهذه الأمطار، واستزادته الطوعية منها. وقد شهد القرن التاسع عشر ظهور الأنظمة التقنية الأساسية للاتصال، وتكريس مبدأ التبادل الحر، إذ احتضن القرن هذا، ميلاد رؤى وأفكار تأسيسية، ترى في الاتصال عامل اندماج وتواصل للمجتمعات الإنسانية، بعد أن تمركز، في البداية، في مسألة الشبكات الفيزيائية (المادية)، وصار أساسا لآيديولوجية التقدم. وقد تم استيحاء التصورات الأولى «لعلم الاتصال»، من الفكر الذي يرى في المجتمع كيانا عضويا، أو مجموعة أعضاء تؤدي وظائف متكاملة محددة بدقة.
وكما يرى عالم الاجتماع الأميركي والمؤرخ - بروس مازليش - الذي كان يدير برنامج الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في مؤسسة (MIT): أنه لم يعد بمقدورنا أن نفكر في الإنسان بمعزل عن الآلة.
لقد كان للتطور التقني تأثير عميق وجذري على بنية المجتمع وعلى الحياة الاجتماعية للأفراد أيضا. وكان لتطور الاقتصاد، وكذلك تغير أسلوب الإنتاج، تأثيره على المجتمع، حيث أسهم التطور الذي عرفته الآلة، في التأثير على العلاقات الاجتماعية، فكان لحلول الآلة والتقنية في الفضاء الاجتماعي، تأثير على الوظيفة الاجتماعية للعلاقات بين الأفراد، وعلى منظومة القيم والاستهلاك. وهذا ما يؤكده ألفن تفلر (AlvinToffler)، بقوله: «لقد مرت البشرية، حتى الآن، بموجتين عظيمتين من التحول، محت كل منهما، ثقافات وحضارات الأولى، وحلت وأحلت أساليب حياتية جديدة محلها، لم يكن يتخيلها أحد من قبل. بالنسبة للموجة الأولى، فهي الثورة الزراعية، التي استغرق إنجازها آلاف من السنين. أما الموجة الثانية، فهي نشوء الثورة الصناعية. وقد استغرق إنجازها ثلاثمائة عام. ومن المرجح أن تكتمل الموجة الثالثة خلال عقود فقط، حيث يسير التاريخ بتسارع كبير. هذه الموجة ستؤثر في كل فرد منا. فالأسرة مجزأة، والاقتصاد محطم، والأنظمة السياسية مشلولة، والقيم تضرب بعرض الحائط، وهي تتحدى علاقات القوى السابقة، وامتيازات النخب المعرضة لخطر تقدم الأرضية التي ستتصارع عليها قوى المستقبل». غير أن هذه النزعة المفرطة في الإيمان بالعقلانية التقنية والروح التقنية، كمكون جوهري لها، كانت في اتجاه سالب لثوابت الحداثة، حيث بدأت التقنية تشغل الحيز وتحطم حدود الفضاءات الاجتماعية. لقد تحولت إلى شيطان العصر وإلهه في الوقت نفسه. لقد أسهمت التقنية في الرفع من الإنتاجية في المصنع ومضاعفاتها، وفي ظهور وسائل إنتاج جديدة وأدوات اتصال جديدة، ما غير بشكل جذري، طبيعة الحياة الاجتماعية للأفراد، وكذلك نمط العلاقات فيما بينهم. لقد ضرب كل من مفهوم الزمان والمكان. لقد أضحى الزمان آينشتاينيا. لذلك فإن معرفة العامل الحاسم في هذه التحولات السريعة، التي أشار إليها ألفن توفر، يقتضي منا التمييز بين دلالات الحداثة على مستويين:
- على المستوى التقني الاقتصادي: تحدد الحداثة نوع العلاقة مع الطبيعة الذي يحث عليه البحث المنظم الإنتاجية. ويرى ريمون آخرون، أن هناك تحديدا واحدا اليوم - وهو الشائع والبديهي - يتناول الحداثة بوصفها معرفة عملية محققة تساعد على تنظيم الإنتاج عقلانيا، وذلك في سبيل إنتاجية تبلغ حدها الأقصى، إن تحويل البيئة الطبيعية هو في الأساس، تغيير شروط الحياة المتعاقبة من جيل إلى آخر، وفي العصر الحديث لم تعد الطبيعة رحم كل نظام اجتماعي وأخلاقي ولم تعد انعكاسا، ولا مقياسا للانسجام.
- على المستوى القانوني السياسي: تكمن الحداثة في الفصل القائم بين دائرة الحياة العامة ودائرة الحياة الخاصة. وهذا الفصل بين الدائرة العامة (حيث استعمال العقل يجب أن يكون حرا دائما)، والدائرة الخاصة (التي يمكن لاستعمالها أن يكون محدودا جدا)، في قلب الصيرورة التي يخرج عبرها الإنسان من قصوره المسؤول هو عنه، هذا الانفصال يحدده كان، في الإجابة الشهيرة عن سؤال ما عصر الأنوار؟ وتكتمل هذه الصيرورة المزدوجة، فيما يمكن تسميته بالحداثة التقنية، أي من خلال طريقة تساعد الإنسان على مراجعة نفسه كفرد، وعلى العمل على اكتساب هويته. غير أن التطور الذي عرفته تكنولوجيا وسائل الاتصال وتوظيفها في الإعلام، الذي كان له دور حاسم في إحداث نقلة نوعية، وتغيير في طبيعة المجتمع وتثويره لمنظومة القيم التي أسستها الحداثة. في هذا الصدد، يلاحظ جان بودريار أيضا، أن العصر الحديث إذا ما قيس مع التوافق السحري والديني والرمزي للمجتمع التقليدي، يتميز بظهور الفرد بوعيه المستقل ونفسيته ونزعاته الشخصية ومصلحته الخاصة.
إن الإيمان بقدرة وسائل الإعلام - كقوة جديدة - على التوجيه والتحكم والتأثير على الجمهور، ممثلة في تقنيات وسائل الإعلام: كالتلفزيون، الصحافة وغيرهما، كان يتم في إطار مرحلة تاريخية تسمى ما بعد الحداثة، حددت في مجموعة من الخصائص والقيم، التي كان لوسائل الإعلام الدور الحاسم في تسريع وثيرة تحولها. وقد حدد محمد حسام الدين إسماعيل، في أهم كتبه المتخصصة في الدراسات الإعلامية المعاصرة، هذه القيم فيما يلي:
• النسبية الاجتماعية: لا توجد المعاني أو الأخلاقيات أو الحقيقة بشكل موضوعي في العالم. ولكن يكونها المجتمع. لذلك لا يمتلك أحد الحقيقة المطلقة أو جوهر معرفة الأشياء. كما أن الاتفاق بين البشر أفضل من معرفة الحقيقة.
• الحتمية الثقافية: تشكل القوى الاجتماعية الأفراد بالكامل، وتحدد اللغة بشكل خاص ما الذي تفكر فيه، إذ إننا محبوسون في «سجن اللغة»، وعلى ذلك، فإن الهوية ليست فردية، فهي جماعية واجتماعية، ولهذا لا بد لإنسان ما بعد الحداثة، من أن يتكيف مع الآخر المختلف عنه ثقافيا، من دون أن يكون ذلك مدعاة لتسيد نموذج ثقافي وحيد، على أن يحتفظ كلاهما، في الوقت نفسه، باختلافه في إطار التفاهم المشترك. كذلك تستبعد ثقافة ما بعد الحداثة، أن يكون هناك ما يطلق عليه ثقافة المركز لإيمانها بإيجابية الاختلاف بين البشر.
• رفض النزعة الإنسانية: لقد تم إساءة فهم قيم التقدم، والسيطرة على الطبيعة، وأولوية الإنسان، إلى حد فقدها. فليست هناك أممية إنسانية طالما تشكل كل ثقافة حقيقتها الخاصة. والقيم الإنسانية الحداثية هي: أدوات للقهر والاستعباد والجريمة ضد الطبيعة والآخر الثقافي. لذلك لا بد أن تقوّي كل مجموعة نفسها، لتؤكد على قيمها، وتأخذ مكانها مع المجموعات الأخرى من دون مفاضلة.
• إنكار الميتافيزيقا والأديان: ترفض مرحلة ما بعد الحداثة، وجود معايير علوية مفارقة للواقع الإنساني، تدعي لنفسها القدرة على الحكم والاختيار بين القيم المختلفة. كما أنه ليست هناك مطلقات، وحتى لو وجدت، فإننا لا نستطيع الوصول إليها ما دمنا عبيدًا لثقافتنا ومسجونين في لغتنا.
• رفض الأنساق المغلقة: ترفض ثقافة ما بعد الحداثة، الحكايات الكبرى، أو الخطابات الكلية التي تقوم بعمليات توحيد مستمر لما هو متعدد، كالخطابات الدينية والاشتراكية والتنوير. ويتطلع تيار ما بعد الحداثة، إلى الخطابات المفتوحة، المرحة والطموحة، المؤسسة على تجارب شخصية، لتكوين خطاب مؤلف من شظايا، أو تكوين آيديولوجية التصدع التي تعمد إلى فض ما هو كلي وحلّه. وقد انعكس ذلك على رؤية الذات، فيراها مفكرو ما بعد الحداثة متعددة، مفككة، ومتشظية، تسائل نفسها باستمرار.
• رفض العقلانية: ترى حركة ما بعد الحداثة، أن العقلانية والنزوع إلى موضعة الحقيقة (أي جعلها موضوعية)، هي مجرد أقنعة للقوى الاجتماعية، والقبول الاجتماعي يتحقق في إخفاء الذات في جماعة أكبر. وفي سياق هذا الرفض للعقلانية، تحث حركة ما بعد الحداثة، على إطلاق العنان للمشاعر الأمينة والغرائز الطبيعية، والتأسيس للذاتية، وتطوير انفتاح ثوري على الوجود برفض تطبيق أي نظام على حياة الفرد.
• رفض كلية المعرفة: ترفض حركة ما بعد الحداثة، مقولات الحداثة التي تؤكد على أن العلم هو السبيل الوحيد للمعرفة، أو أن العلم محايد، لأنها - من وجهة نظرهم - تغفل المحتوى السياقي للمعرفة. فالنظرية الاجتماعية تستمد قوتها الجبرية ومنطقها، بسبب أنها تعد جزءا من التقاليد الاجتماعية والثقافية. وعلى ذلك، فإن الحقائق والمعارف الجمالية والأخلاقية، تستمد قوتها من ثقافة محددة. وعلى هذا فإن الفن والدين هما رافدان هامان للمعرفة من دون الادعاء بأفضلية دين على آخر أو احتكار دين ما الحقيقة المطلقة.
• تفسير كل شيء من خلال القوة: كل المؤسسات الإنسانية والقيم الأخلاقية والإبداع، ما هي إلا تعبيرات وأقنعة للإرادة الأولية للقوة. ولا يوجد يقين حقيقي، إلا يقين الجسد، لأنه المكون الأولي والأساسي للقوة.
• نقد غير ثوري للنظم القائمة: يجب أن يختفي المجتمع الحداثي، بعقلانيته ونظامه، ونظرته الأحادية للحقيقة. ولا بد من أن توضع التكنولوجيا الحديثة، خصوصا في مجال الاتصال والإعلام، في خدمة تعددية الحقيقة، بدلا من استخدامها في قهر الإنسان. ويتم ذلك بتفكيك خطاب أي سلطة دينية أو سياسية أو اجتماعية، ولكن من دون عنف.
• استحالة التحديث: تركز حركة ما بعد الحداثة، على اتساع الوعي البشري نتيجة لتكنولوجيا الاتصال، بما لا يمكن معه تحديد المعرفة بشيء معين في نموذج صوري للحقيقة. ومن هنا أصبح الوعي عبارة عن معلومات، والتاريخ عبارة عن أحداث، وعلى كل جماعة أن تضفي المعنى الذي تريده على المعلومات والأحداث.

إحالات
1. المنجي الزيدي، ثقافة الشباب في مجتمع الإعلام، عالم الفكر، المجلد 35، السنة 2006
2. أرمان وميشال ماتلار، تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة نصر الدين لعياضي والصادق رابح، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2005
3. آسا بريغر - بيتربروك، التاريخ الاجتماعي للوسائط، ترجمة مصطفى محمد قاسم، العدد 315
4. محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية
5. محمد حسام الدين إسماعيل، الصورة والجسد، دراسات نقدية في الإعلام المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008



من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
TT

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بوابلٍ من الشتائم العنصرية الفاضحة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بأنّه فرنسي»، و«أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة»، بل بلغت حدّ القول إنّه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإنّ أكثر ما سمعه ثقافةً كان أصوات الشمبانزي». وقد يبدو الأمر مجرّد انفعالٍ فرديّ عابر صدر عن سياسيةٍ معروفة بإثارة الجدل. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف عن أنّ ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعاً جديداً، بل صدى لخطابٍ ظلّ يلاحق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطابٌ يُنكر على لاعبين من أصولٍ أفريقية أو مغاربية حقّهم في تمثيل الأمة، رغم أنّهم يحملون جنسيّتها ويرتدون قميصها. وليست حادثة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلةٍ جعلت من كرة القدم مرآةً مكبّرة لجدلٍ فرنسيّ لا ينتهي حول الانتماء.

من الملعب إلى المختبر السياسي

لفهم هذا الجدل؛ ينبغي تجاوز الرياضة. فالمنتخب الوطني ليس فريقاً فحسب؛ إنّه تمثيلٌ رمزيّ للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعاً سياسياً بامتياز. وقد بيّنت دراسات لعلم الاجتماع الرياضي أنّ تشجيع المنتخب فعلٌ سياسيّ صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه، في دراساته الرائدة عن «شغف الجماهير»، إلى أنّ كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حين يهتف للفريق إنّما يهتف لصورةٍ عن ذاته الجماعية، ويعلن عبر اللعبة عمّن يَعُدّه منتمياً إلى «الـنحن». ويؤكّد الكتاب الجماعي «كرة القدم والهويّات»، بإشراف الباحث جان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبيّن أنّ المنتخبات أصبحت أدواتٍ لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هي أسئلةٌ تتحوّل سريعاً مادّةً للصراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته».

هذا الصراع ليس وليد اليوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المؤرّخ جيرار نوارييل وعالم الاجتماع ستيفان بو ما سمّياه «أَعرقة الخطاب الاجتماعي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين يحبسون الأفراد في هويةٍ عرقية جامدة، على حساب هويتهم الاجتماعية والطبقية. وحين انفجرت عام 2011 «قضية الحصص» في مراكز التكوين، إثر كشف موقع «ميديابارت» عن مشروعٍ لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الباحثان في «ليبيراسيون» إلى أنّ مسؤولي الاتحاد لم يبتكروا هذا المعجم العنصري، بل ورثوه بعد عقودٍ من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجتماع إيريك فاسان المفارقة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنيةٌ تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحدٌ بأنّه عنصريّ.

ليس اليمين المتطرف وحده

واللافت، أنّ الطعن في انتماء اللاعبين لم يبقَ حبيس خطاب اليمين المتطرّف وحده، بل تبنّاه أحياناً مثقّفون مرموقون. ففي خريف 2005، في حوارٍ مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ذهب الفيلسوف آلان فينكلكروت إلى أنّ «الناس يقولون إنّ منتخب كرة القدم محبوبٌ لأنّه أسود- أبيض -عربي، لكنّه في الحقيقة صار اليوم أسود -أسود -أسود؛ وهو ما يجعله أضحوكةً في عيون أوروبا كلّها». عبارةٌ صادمة لأنّها لم تصدر عن سياسيّ متطرّف، بل عن مفكّرٍ محسوبٍ طويلاً على اليسار، وهي العبارة التي حوّلت لون بشرة اللاعبين مقياساً لـ«فرنسية» الفريق.

على أنّ هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ 1996، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرف قد فتح الباب حين اتهم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرضٍ واحد هو اللعب في الفريق»، مستدلّاً على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يحفظونه». ومنذ ذلك الوقت، صار أداء «المارسييز» أو النشيد الوطني الفرنسي من عدمه اختباراً علنياً لوطنية اللاعب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، حين قُوطع النشيد الفرنسي بأصوات صفير الجمهور في ملعبٍ باريسي، فصار الحدث ذخيرةً دائمة في يد كلّ من أراد التشكيك في ولاء الفرنسيين من أصولٍ مهاجرة.

«أسود - أبيض - عربي»

في صيف 1998، حين توّجت فرنسا بكأس العالم بمنتخبٍ متعدّد الأصول، بدا أنّ التصوّر الجمهوري قد انتصر نهائياً؛ إذ رُفع شعار «أسود- أبيض- عربي» صورةً لفرنسا التي تتصالح مع تنوّعها، وأعلن الرئيس جاك شيراك أنّذالك أن «هذا الفريق متعدّد الألوان يرسم صورةً جميلة لفرنسا». لكنّ ذلك الإجماع كان أهشّ ممّا بدا، وسرعان ما تحوّل الشعار في نظر كثيرٍ من الباحثين «أسطورةً مستهلكة» تُخفي وراءها استمرار التهميش والتمييز في أحياءٍ بأكملها.

ومنذ ذلك الحين، عاد سؤال الهوية ليطلّ عند كلّ منعطف. ففي كلّ أزمة، من فضيحة إضراب اللاعبين في مونديال 2010 التي أثارت سيلاً من التعليقات عن «فريقٍ فقد روحه الوطنية»، إلى «قضية بنزيمة» حين اتّهم المهاجم الفرنسي من أصلٍ جزائري المدرّب ديدييه ديشان بأنّه «رضخ لضغط جزءٍ عنصريّ من فرنسا» بعد إبعاده عن القائمة؛ ليظلّ السؤال نفسه يفرض ذاته: من يملك حقّ تمثيل فرنسا؟ وهل تكفي الجنسية والموهبة، أم يجب أن يكون اللون واللقب والدين مطابقين لصورةٍ بعينها عن «الفرنسي الأصيل»؟ هذا السؤال الأخير هو ما دأب عليه اليمين المتطرّف، حيث جعل من المنتخب أداةً دائمةً للطعن، بفتح الجدل تارةً حول من لا ينشدون «المارسييز»، وتارةً حول من يرفعون راية بلدٍ آخر، ليبقى السؤال المسموم معلّقاً: «هل هؤلاء يمثّلوننا حقّاً؟».

فخّ الهوية

ما يجعل حادثة مبابي أبلغ من مجرّد إهانةٍ عابرة هو أنّها تكشف «فخّ الهوية» المزدوج الذي تقع فيه كرة القدم وفرنسا معاً. فخ تقع فيه كرة القدم حين تُحمَّل بما لا تحتمل من رموز، فتتحوّل مباراةٌ رياضية استفتاءً على معنى الانتماء، وفخاً تقع فيه فرنسا حين تترك صورتها تتحدّد بلون لاعبيها أكثر ممّا تتحدّد بقيمها المعلنة. واللافت، أنّ الاعتداء هذه المرّة جاء من الخارج، من سياسيةٍ في أميركا اللاتينية، لكنّه استعاد حرفياً المفردات ذاتها التي تتردّد في الداخل الفرنسي؛ وكأنّ الخطاب العنصريّ لغةٌ عابرة للحدود، تجد في جسد اللاعب الأسود شاشةً مشتركة تُسقط عليها مخاوفها من الآخر.

تبقى لردّ مبابي، في حزمه ووضوحه دلالة تتجاوز شخصه. فحين يرفض لاعبٌ أن تُترك الكراهية بلا جواب، يعيد بطريقته طرح سؤال المفكّر إرنست رينان في محاضرته الشهيرة بالسربون عام 1882: هل الأمة إرادةٌ في العيش المشترك تُجسّدها القيم، أم انغلاقٌ على لونٍ وعرق؟ الفيلسوف الفرنسي شرح آنذاك بأن الأمة لا تُبنى على العرق أو اللغة أو الدين، بل على «استفتاءٍ يوميّ» تصنعه الرغبة المشتركة في مواصلة الحياة معاً. وبين هذا التعريف المفتوح وذاك الانغلاق الضيّق، سيظلّ المنتخب الفرنسي مرآةً حسّاسة لصراعٍ لم يُحسم بعد حول مسألة الانتماء والهوية.

عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته


خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية
TT

خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية، من خلال سيرة الشخصية الرئيسية «فرح» التي يتقاطع مصيرها مع خمس حكايات نسائية لخمس شخصيات تتعرف عليهن في رحاب مسجد السيدة نفيسة.

تمر البطلة بتجربة خاصة مربكة، ورواية متعثرة تحاول أن تجد لها فكرة، وورطة ترتبط باتفاق غريب مع صديقة والدتها، ولكنها سرعان ما تكتشف أن المكان يفتح أمامها أبواباً إلى وجوه وحكايات لم تكن في الحسبان؛ إذ تتبدى لها مشكلات الآخرين بوصفها مرايا تكشف هشاشتها وأسئلتها المؤجلة.

يحمل عنوان الرواية دلالة مركزية، فالقطة ليست مجرد تفصيلة عابرة في فضاء المكان، وإنما هي رمز لكائن صامت يراقب ويتحرك بين الناس ويلتقط ما يخفونه. ومن هذه الزاوية تبدو البطلة شبيهة بالقطة: تقترب من الشخصيات، تنصت إلى اعترافاتهم، وتتعرف على ما وراء الأقنعة اليومية، كما تبدو في بحثها عن روايتها، كأنها تبحث في الوقت نفسه عن لغة جديدة لفهم حياتها ومواجهة مخاوفها.

وعبر رصد تنوع الطبقات الاجتماعية والهموم الصغيرة والأسئلة الوجودية، تقترب الرواية من معاناة النساء وضغوطهن الخفية، عبر الحاجة الإنسانية الدائمة إلى من يسمع ويمنح الأمل، وهي بذلك تقدم حكاية عن الخلاص الممكن، بعيداً عن المعجزات الجاهزة، ومن خلال الإنصات بصدق لصوت الذات والتماس المباشر والحميم مع أرواح الآخرين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سامح كان الحياة بالنسبة لي، كنت لا أتوقف لحظة عن تمجيده والاستماع إلى كل ما يطلبه مني وأنفذه، فهو لا يخطئ أبداً. حبيبي وصديقي وسيكون قريباً زوجي. كانت مشاكله كلها مع أسرته. كان والده نموذجاً للشخصية الشريرة التي يمكن أن نراها في السينما. شخص لا يتوقف لحظة عن إهانة والدتهم وضربها كلما أتيحت له الفرصة ولأتفه الأسباب، مع السخرية والتقليل من أولادهم.

لا يتذكر سامح -وهو الابن الأصغر- أن والده قد احتضن أبناءه الثلاثة يوماً، أو فرح بنجاحهم، كانت أمهم السيدة التي تتعرض للإهانة والخوف ليلاً ونهاراً نموذجاً للشخص المغلوب على أمره. تتحمل مسؤوليتهم بكل طاقتها، ولا تسمع كلمة شكر واحدة أو تقدير لمجهودها، في حين يذكِّرها والدهم في كل مناسبة بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة في فيلا ضخمة وكل طلباتها مجابة، يأكلون جيداً وفي وضع اجتماعي يحسدهم عليه الجميع.

ولكن سامح كان يجد أن هؤلاء الخدم لم يكونوا يسمعون سوى إهانات والدهم له ولإخوته وأمه، وكيف يمن عليهم طوال الوقت بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة بأمواله، ولكن الخبر الجيد -تبعاً لوصف سامح- أن والدهم أصيب منذ عدة سنوات بجلطة تسببت في النهاية بجعله يعاني من شلل نصفي، وبالتالي صارت الأمور أكثر هدوءاً؛ خاصة أنهم الثلاثة أصبحوا يتولون إدارة الشركة بأنفسهم.

لم تكن مرحلة الإعلان عن كل ما يتعلق بوضع أسرتي مسألة سهلة بالنسبة لسامح أو أسرته، فإخوانه الذين كانوا يعرفونني من خلال التدريب في شركتهم، وكانوا على علم بارتباطي بأخيهم، وكانوا شديدي اللطف معي، تحولوا لكائنات سخيفة عديمة الذوق في كل ما يتعلق بي وبأمي وأختي».


رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث