قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها

الطبيعة لم تعد رحمًا لكل نظام اجتماعي وأخلاقي ولا هي انعكاس ولا مقياس للانسجام

قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها
TT

قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها

قيم المجتمعات ما بعد الحداثية وخصائصها

لم يعد هناك مجال للشك أو الاختلاف في أن الاقتصاد أصبح اليوم يحتل صدارة الاهتمام، وأن الإمكانات الواسعة والخارقة التي وفرها العلم الحديث والتقدم التكنولوجي الباهر، هي بالأساس، آليات لخدمة أهداف الاستثمار والربح، ومن ثم فإن سلطة الاستهلاك تستمد نفوذها من هيمنة الصورة باختراقها لكل الحدود والحواجز، ونفاذها إلى كل العقليات والذهنيات والثقافات. السماء تمطر صورا، ومشهد الهوائيات على أسطح البنايات في كل أرجاء العالم يعكس استسلام إنسان القرن الحادي والعشرين لهذه الأمطار، واستزادته الطوعية منها. وقد شهد القرن التاسع عشر ظهور الأنظمة التقنية الأساسية للاتصال، وتكريس مبدأ التبادل الحر، إذ احتضن القرن هذا، ميلاد رؤى وأفكار تأسيسية، ترى في الاتصال عامل اندماج وتواصل للمجتمعات الإنسانية، بعد أن تمركز، في البداية، في مسألة الشبكات الفيزيائية (المادية)، وصار أساسا لآيديولوجية التقدم. وقد تم استيحاء التصورات الأولى «لعلم الاتصال»، من الفكر الذي يرى في المجتمع كيانا عضويا، أو مجموعة أعضاء تؤدي وظائف متكاملة محددة بدقة.
وكما يرى عالم الاجتماع الأميركي والمؤرخ - بروس مازليش - الذي كان يدير برنامج الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في مؤسسة (MIT): أنه لم يعد بمقدورنا أن نفكر في الإنسان بمعزل عن الآلة.
لقد كان للتطور التقني تأثير عميق وجذري على بنية المجتمع وعلى الحياة الاجتماعية للأفراد أيضا. وكان لتطور الاقتصاد، وكذلك تغير أسلوب الإنتاج، تأثيره على المجتمع، حيث أسهم التطور الذي عرفته الآلة، في التأثير على العلاقات الاجتماعية، فكان لحلول الآلة والتقنية في الفضاء الاجتماعي، تأثير على الوظيفة الاجتماعية للعلاقات بين الأفراد، وعلى منظومة القيم والاستهلاك. وهذا ما يؤكده ألفن تفلر (AlvinToffler)، بقوله: «لقد مرت البشرية، حتى الآن، بموجتين عظيمتين من التحول، محت كل منهما، ثقافات وحضارات الأولى، وحلت وأحلت أساليب حياتية جديدة محلها، لم يكن يتخيلها أحد من قبل. بالنسبة للموجة الأولى، فهي الثورة الزراعية، التي استغرق إنجازها آلاف من السنين. أما الموجة الثانية، فهي نشوء الثورة الصناعية. وقد استغرق إنجازها ثلاثمائة عام. ومن المرجح أن تكتمل الموجة الثالثة خلال عقود فقط، حيث يسير التاريخ بتسارع كبير. هذه الموجة ستؤثر في كل فرد منا. فالأسرة مجزأة، والاقتصاد محطم، والأنظمة السياسية مشلولة، والقيم تضرب بعرض الحائط، وهي تتحدى علاقات القوى السابقة، وامتيازات النخب المعرضة لخطر تقدم الأرضية التي ستتصارع عليها قوى المستقبل». غير أن هذه النزعة المفرطة في الإيمان بالعقلانية التقنية والروح التقنية، كمكون جوهري لها، كانت في اتجاه سالب لثوابت الحداثة، حيث بدأت التقنية تشغل الحيز وتحطم حدود الفضاءات الاجتماعية. لقد تحولت إلى شيطان العصر وإلهه في الوقت نفسه. لقد أسهمت التقنية في الرفع من الإنتاجية في المصنع ومضاعفاتها، وفي ظهور وسائل إنتاج جديدة وأدوات اتصال جديدة، ما غير بشكل جذري، طبيعة الحياة الاجتماعية للأفراد، وكذلك نمط العلاقات فيما بينهم. لقد ضرب كل من مفهوم الزمان والمكان. لقد أضحى الزمان آينشتاينيا. لذلك فإن معرفة العامل الحاسم في هذه التحولات السريعة، التي أشار إليها ألفن توفر، يقتضي منا التمييز بين دلالات الحداثة على مستويين:
- على المستوى التقني الاقتصادي: تحدد الحداثة نوع العلاقة مع الطبيعة الذي يحث عليه البحث المنظم الإنتاجية. ويرى ريمون آخرون، أن هناك تحديدا واحدا اليوم - وهو الشائع والبديهي - يتناول الحداثة بوصفها معرفة عملية محققة تساعد على تنظيم الإنتاج عقلانيا، وذلك في سبيل إنتاجية تبلغ حدها الأقصى، إن تحويل البيئة الطبيعية هو في الأساس، تغيير شروط الحياة المتعاقبة من جيل إلى آخر، وفي العصر الحديث لم تعد الطبيعة رحم كل نظام اجتماعي وأخلاقي ولم تعد انعكاسا، ولا مقياسا للانسجام.
- على المستوى القانوني السياسي: تكمن الحداثة في الفصل القائم بين دائرة الحياة العامة ودائرة الحياة الخاصة. وهذا الفصل بين الدائرة العامة (حيث استعمال العقل يجب أن يكون حرا دائما)، والدائرة الخاصة (التي يمكن لاستعمالها أن يكون محدودا جدا)، في قلب الصيرورة التي يخرج عبرها الإنسان من قصوره المسؤول هو عنه، هذا الانفصال يحدده كان، في الإجابة الشهيرة عن سؤال ما عصر الأنوار؟ وتكتمل هذه الصيرورة المزدوجة، فيما يمكن تسميته بالحداثة التقنية، أي من خلال طريقة تساعد الإنسان على مراجعة نفسه كفرد، وعلى العمل على اكتساب هويته. غير أن التطور الذي عرفته تكنولوجيا وسائل الاتصال وتوظيفها في الإعلام، الذي كان له دور حاسم في إحداث نقلة نوعية، وتغيير في طبيعة المجتمع وتثويره لمنظومة القيم التي أسستها الحداثة. في هذا الصدد، يلاحظ جان بودريار أيضا، أن العصر الحديث إذا ما قيس مع التوافق السحري والديني والرمزي للمجتمع التقليدي، يتميز بظهور الفرد بوعيه المستقل ونفسيته ونزعاته الشخصية ومصلحته الخاصة.
إن الإيمان بقدرة وسائل الإعلام - كقوة جديدة - على التوجيه والتحكم والتأثير على الجمهور، ممثلة في تقنيات وسائل الإعلام: كالتلفزيون، الصحافة وغيرهما، كان يتم في إطار مرحلة تاريخية تسمى ما بعد الحداثة، حددت في مجموعة من الخصائص والقيم، التي كان لوسائل الإعلام الدور الحاسم في تسريع وثيرة تحولها. وقد حدد محمد حسام الدين إسماعيل، في أهم كتبه المتخصصة في الدراسات الإعلامية المعاصرة، هذه القيم فيما يلي:
• النسبية الاجتماعية: لا توجد المعاني أو الأخلاقيات أو الحقيقة بشكل موضوعي في العالم. ولكن يكونها المجتمع. لذلك لا يمتلك أحد الحقيقة المطلقة أو جوهر معرفة الأشياء. كما أن الاتفاق بين البشر أفضل من معرفة الحقيقة.
• الحتمية الثقافية: تشكل القوى الاجتماعية الأفراد بالكامل، وتحدد اللغة بشكل خاص ما الذي تفكر فيه، إذ إننا محبوسون في «سجن اللغة»، وعلى ذلك، فإن الهوية ليست فردية، فهي جماعية واجتماعية، ولهذا لا بد لإنسان ما بعد الحداثة، من أن يتكيف مع الآخر المختلف عنه ثقافيا، من دون أن يكون ذلك مدعاة لتسيد نموذج ثقافي وحيد، على أن يحتفظ كلاهما، في الوقت نفسه، باختلافه في إطار التفاهم المشترك. كذلك تستبعد ثقافة ما بعد الحداثة، أن يكون هناك ما يطلق عليه ثقافة المركز لإيمانها بإيجابية الاختلاف بين البشر.
• رفض النزعة الإنسانية: لقد تم إساءة فهم قيم التقدم، والسيطرة على الطبيعة، وأولوية الإنسان، إلى حد فقدها. فليست هناك أممية إنسانية طالما تشكل كل ثقافة حقيقتها الخاصة. والقيم الإنسانية الحداثية هي: أدوات للقهر والاستعباد والجريمة ضد الطبيعة والآخر الثقافي. لذلك لا بد أن تقوّي كل مجموعة نفسها، لتؤكد على قيمها، وتأخذ مكانها مع المجموعات الأخرى من دون مفاضلة.
• إنكار الميتافيزيقا والأديان: ترفض مرحلة ما بعد الحداثة، وجود معايير علوية مفارقة للواقع الإنساني، تدعي لنفسها القدرة على الحكم والاختيار بين القيم المختلفة. كما أنه ليست هناك مطلقات، وحتى لو وجدت، فإننا لا نستطيع الوصول إليها ما دمنا عبيدًا لثقافتنا ومسجونين في لغتنا.
• رفض الأنساق المغلقة: ترفض ثقافة ما بعد الحداثة، الحكايات الكبرى، أو الخطابات الكلية التي تقوم بعمليات توحيد مستمر لما هو متعدد، كالخطابات الدينية والاشتراكية والتنوير. ويتطلع تيار ما بعد الحداثة، إلى الخطابات المفتوحة، المرحة والطموحة، المؤسسة على تجارب شخصية، لتكوين خطاب مؤلف من شظايا، أو تكوين آيديولوجية التصدع التي تعمد إلى فض ما هو كلي وحلّه. وقد انعكس ذلك على رؤية الذات، فيراها مفكرو ما بعد الحداثة متعددة، مفككة، ومتشظية، تسائل نفسها باستمرار.
• رفض العقلانية: ترى حركة ما بعد الحداثة، أن العقلانية والنزوع إلى موضعة الحقيقة (أي جعلها موضوعية)، هي مجرد أقنعة للقوى الاجتماعية، والقبول الاجتماعي يتحقق في إخفاء الذات في جماعة أكبر. وفي سياق هذا الرفض للعقلانية، تحث حركة ما بعد الحداثة، على إطلاق العنان للمشاعر الأمينة والغرائز الطبيعية، والتأسيس للذاتية، وتطوير انفتاح ثوري على الوجود برفض تطبيق أي نظام على حياة الفرد.
• رفض كلية المعرفة: ترفض حركة ما بعد الحداثة، مقولات الحداثة التي تؤكد على أن العلم هو السبيل الوحيد للمعرفة، أو أن العلم محايد، لأنها - من وجهة نظرهم - تغفل المحتوى السياقي للمعرفة. فالنظرية الاجتماعية تستمد قوتها الجبرية ومنطقها، بسبب أنها تعد جزءا من التقاليد الاجتماعية والثقافية. وعلى ذلك، فإن الحقائق والمعارف الجمالية والأخلاقية، تستمد قوتها من ثقافة محددة. وعلى هذا فإن الفن والدين هما رافدان هامان للمعرفة من دون الادعاء بأفضلية دين على آخر أو احتكار دين ما الحقيقة المطلقة.
• تفسير كل شيء من خلال القوة: كل المؤسسات الإنسانية والقيم الأخلاقية والإبداع، ما هي إلا تعبيرات وأقنعة للإرادة الأولية للقوة. ولا يوجد يقين حقيقي، إلا يقين الجسد، لأنه المكون الأولي والأساسي للقوة.
• نقد غير ثوري للنظم القائمة: يجب أن يختفي المجتمع الحداثي، بعقلانيته ونظامه، ونظرته الأحادية للحقيقة. ولا بد من أن توضع التكنولوجيا الحديثة، خصوصا في مجال الاتصال والإعلام، في خدمة تعددية الحقيقة، بدلا من استخدامها في قهر الإنسان. ويتم ذلك بتفكيك خطاب أي سلطة دينية أو سياسية أو اجتماعية، ولكن من دون عنف.
• استحالة التحديث: تركز حركة ما بعد الحداثة، على اتساع الوعي البشري نتيجة لتكنولوجيا الاتصال، بما لا يمكن معه تحديد المعرفة بشيء معين في نموذج صوري للحقيقة. ومن هنا أصبح الوعي عبارة عن معلومات، والتاريخ عبارة عن أحداث، وعلى كل جماعة أن تضفي المعنى الذي تريده على المعلومات والأحداث.

إحالات
1. المنجي الزيدي، ثقافة الشباب في مجتمع الإعلام، عالم الفكر، المجلد 35، السنة 2006
2. أرمان وميشال ماتلار، تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة نصر الدين لعياضي والصادق رابح، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2005
3. آسا بريغر - بيتربروك، التاريخ الاجتماعي للوسائط، ترجمة مصطفى محمد قاسم، العدد 315
4. محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية
5. محمد حسام الدين إسماعيل، الصورة والجسد، دراسات نقدية في الإعلام المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».