باريس تسعى لتنقية علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية

وزير الخارجية الفرنسي اتصل بالسراج ليؤكد دعم بلاده «التام» لحكومته

باريس تسعى لتنقية علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية
TT

باريس تسعى لتنقية علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية

باريس تسعى لتنقية علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية

سعى وزير الخارجية الفرنسي، أمس، لإغلاق ملف الخلاف المحتدم مع ليبيا الذي اندلع عقب اعتراف باريس بمقتل ثلاثة من ضباطها التابعين لجهاز المخابرات الخارجية في حادث تحطم، أو إسقاط، طوافة تابعة للجيش الليبي التابع للواء خليفة حفتر قريبًا من مدينة بنغازي شرقي ليبيا، في 17 من الشهر الماضي.
واتصل جان مارك أيرولت صباح أمس برئيس حكومة الوفاق فايز السراج ليجدد له، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية، «دعم فرنسا الكامل لحكومة الوفاق الوطني في سعيها لإعادة توحيد ليبيا ومؤسساتها». وأشار الوزير الفرنسي إلى رغبة حكومته في «تعزيز التعاون مع حكومة (السراج) في كل المجالات، بدءًا بالملف الأمني ومحاربة الإرهاب». كذلك أعرب أيرولت عن «ارتياح» بلاده لقرار السلطات الليبية طلب المساعدة الدولية، الأمر الذي تجلى في الضربات الأميركية الجوية في مدينة سرت ضد تنظيم داعش.
اللافت أن بيان الخارجية الفرنسية لم يأت من قريب أو بعيد على موضوع مقتل الجنود الفرنسيين، ولا على التنديد العلني العنيف الذي عبّر عنه السراج ومطالبته بـ«تفسير رسمي» حول أسباب وجود قوة فرنسية عاملة في ليبيا إلى جانب اللواء حفتر. واعتبر السراج، عقب الحادثة وفي ما يبدو أنه محاولة لاستيعاب الانتقادات العنيفة، وكذلك المظاهرات التي نزلت في الكثير من شوارع المدن الليبية، أن الوجود العسكري الفرنسي قائم دون التفاهم مع السلطات الليبية الرسمية، وبذلك فإنه «ينتهك سيادة ليبيا» ويعتبر «تجاوزا للأعراف الدولية». وعمد رئيس الوزراء الليبي إلى استدعاء السفير الفرنسي في ليبيا المقيم في تونس إلى نواكشوط، حيث كان يشارك في القمة العربية «لينقل له رسميًا احتجاجات ليبيا على الوجود الفرنسي العسكري شرق البلاد»، الذي وصفه بغير المقبول.
وكان السراج يشير إلى مدينة بنغازي، حيث ترابط قوة الكوماندوس الفرنسية في المطار العسكري القريب منها. وطالب السراج بـ«تفسير رسمي» يشرح أسباب وجود هذه القوة التي قال عنها الرئيس هولاند، في المناسبة عينها، إنها تعمل على «جمع المعلومات» عن التنظيمات الإرهابية الموجودة على الأراضي الليبية.
أما وزير الدفاع، جان إيف لو دريان، الذي كان أول من اعترف رسميًا بوجود قوة فرنسية في ليبيا، فقد اعتبر أن الثلاثة كانوا في مهمة تدخل في إطار «محاربة الإرهاب» الذي تتخوف منه فرنسا، باعتبار أن مكان وجود «داعش» على الساحل الليبي (محيط مدينة سرت) لا يبعد عن الشواطئ الأوروبية سوى 300 كلم.
الحقيقة أن كلام الدعم لحكومة الوحدة الوطنية سمعه السراج مباشرة من الوزير أيرولت عندما زاره الأخير في مقره في طرابلس، برفقة نظيره الألماني شتاينماير في 17 أبريل (نيسان) الماضي، بعد ثلاثة أسابيع فقط من وصول رئيس الحكومة الليبية إلى القاعدة البحرية في طرابلس.
لكن الأمر المحرج لفرنسا، وفق مصادر رسمية، يكمن في ما يعد «ازدواجية في اللغة والسياسة»، وغياب الانسجام في المواقف الرسمية. فباريس تؤكد رسميا أنها تعترف وتدعم حكومة الوحدة الوطنية وتدعو لتعزيز موقعها في الداخل والخارج، ولكنها في الوقت عينه، تمد يد المساعدة العسكرية للواء خليفة حفتر الذي يناوئ الحكومة المذكورة ويمنعها من أن تبسط نفوذها على شرق ليبيا لا بل يضغط على البرلمان الليبي المعترف به رسميًا للحيلولة دون تصويته على الثقة. وبالتالي، منعها من اكتساب الشرعية التامة التي تحتاج إليها كما جاء في اتفاق الصخيرات الموقع بوساطة الأمم المتحدة.
وترى أوساط فرنسية واسعة الاطلاع أن ما يحصل في ليبيا يجسّد غياب التوافق بين ما تريده الدبلوماسية الفرنسية ممثلة بوزارة الخارجية، وما تسعى إليه وزارة الدفاع. وبحسب هذه الأوساط، فإن الوزير جان إيف لو دريان المقرب جدا من الرئيس هولاند بحكم الصداقة التي تجمعهما منذ عشرات السنوات، قريب في تفكيره من العسكريين الذين يرون أنه لا بد من التدخل العسكري في ليبيا لمواجهة «داعش» من جهة، ومنع تمدد التنظيم الإرهابي إلى منطقة النفوذ الفرنسية في المغرب العربي وفي بلدان الساحل.
وسبق لفرنسا أن تدخلت منفردة بداية عام 2013 في مالي، وبعد ذلك بعام واحد في جمهورية وسط أفريقيا، بحجة الوقوف بوجه الإرهاب والمحافظة على الاستقرار والأمن في هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك ملف الهجرات الجماعية التي تنطلق من الشواطئ الليبية، والتي لم ينجح الاتحاد الأوروبي في إيجاد حل ناجع لها حتى الآن.
وبحسب أوساط عسكرية واسعة الاطلاع، فإن التعاون العسكري مع حفتر بدأ قبل قيام حكومة الوفاق واستمر بعدها، وسبب انطلاقته اعتبار باريس أنه يشكل «القوة الوحيدة المنظمة التي تقاتل (داعش) والتنظيمات الإرهابية الأخرى التي يمكن التعويل عليها». وليس سرًا أن حفتر يتلقى دعما سياسيا وعسكريا من دول أوروبية وعربية، لكن وضعه أصبح «هشًا» بعد قيام حكومة الوفاق والقرارات الدولية التي تدعو لدعمها.
والسؤال المطروح اليوم في باريس يتناول مستقبل العلاقات الفرنسية - الليبية التي يجهد أيرولت لتنقيتها وإعادتها إلى الطريق الصحيح. وليس سرًا أن قوات كوماندوس كثيرة، أميركية وأوروبية وعربية، موجودة على الأراضي الليبية وكلها تحت شعار محاربة الإرهاب. بيد أن المفارقة بين باريس وواشنطن تكمن في أن واشنطن عمدت إلى التفاهم العلني مع طرابلس، بصدد تدخّلها إلى جانب القوات التي تقاتل «داعش» في سرت من خلال الضربات الجوية بعد أن كانت تقوم بذلك سرا في السابق.
وفائدة اللجوء إلى العلنية والتفاهم المشترك أنها ترد سهام الانتقاد الحادة عن السراج، وتحمي وضعه الهش في العاصمة الليبية، وتمكنه من التصدي للأصوات المنتقدة التي لا تريد تكرار تجربة التدخل الغربي، كما حصل في عام 2011. ولكل هذه الأسباب، قد يكون «الخيار الأميركي»، أي التفاهم العلني مع طرابلس والتقيد بشروط التدخل العسكري المحدود، هو الطريق بالنسبة لباريس إذا أرادت التعاون مع حكومة السراج، شرط أن تجد مخرجًا لازدواجية المواقف والسياسات التي تجعلها مقسمة بين دعم سياسي للأولى، ودعم عسكري لعدوها اللدود، أي اللواء حفتر.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.