إردوغان للدول الغربية: أنا رئيس منتخب بـ52 %

هاجم واشنطن بسبب غولن وانتقد المنظمات الحقوقية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في طريقه لاستقبال وفد من المستثمرين الأجانب، لعقد اجتماع اقتصادي رفيع المستوى معهم في العاصمة أنقرة أمس (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في طريقه لاستقبال وفد من المستثمرين الأجانب، لعقد اجتماع اقتصادي رفيع المستوى معهم في العاصمة أنقرة أمس (أ.ب)
TT

إردوغان للدول الغربية: أنا رئيس منتخب بـ52 %

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في طريقه لاستقبال وفد من المستثمرين الأجانب، لعقد اجتماع اقتصادي رفيع المستوى معهم في العاصمة أنقرة أمس (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في طريقه لاستقبال وفد من المستثمرين الأجانب، لعقد اجتماع اقتصادي رفيع المستوى معهم في العاصمة أنقرة أمس (أ.ب)

واصل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هجومه على الدول الغربية بسبب موقفها من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وما شهدته البلاد من حملات اعتقالات وإقالات لعشرات الآلاف، متهما بعضها بالوقوف وراء هذه المحاولة ووراء الإرهاب في تركيا.
وأضاف إردوغان في كلمة ألقاها خلال اجتماع للمستثمرين الأتراك بالقصر الرئاسي في العاصمة أنقرة: «للأسف، بعض الدول الأوروبية تضع إعلانات في مطاراتها من قبيل: (لا تذهبوا إلى تركيا.. ذهابكم إلى تركيا يعزز قوة إردوغان)، (في إشارة إلى النمسا)، ما هذه الديمقراطية؟ أنا لست رئيسا تولى منصبه بانقلاب عسكري، وإنما أنا رئيس جمهورية منتخب بأصوات 52 في المائة من الشعب».
وأبدى إردوغان أسفه لمواقف بعض الدول التي وصفها بالصديقة، قائلا: «علي أن أقول بصراحة، وبحزن، إننا لم نلقَ الدعم المنتظر من أصدقائنا خلال المحاولة الانقلابية وبعدها، كما لم نلقَ منهم الدعم في حربنا ضد المنظمات الإرهابية الأخرى، فإن إلقاء نظرة على ردود الفعل أثناء وقوع المحاولة الانقلابية وبعدها يكون كافيًا لرؤية هذه الحقيقة».
وقال: «للأسف، الغرب يدعم الإرهاب ومدبري الانقلاب»، مضيفا: «هؤلاء الذين كنا نظن أنهم أصدقاء، يقفون إلى جانب مدبري الانقلاب والإرهابيين».
وانتقد إردوغان من يعربون عن «قلقهم من محاسبة الانقلابيين»، مضيفا: «إذا أشفقنا على هؤلاء القتلة منفذي الانقلاب، فسنجد أنفسنا في موضع الإشفاق».
وتابع: «منظمة العفو الدولية تتحدث عن قيامنا بعمليات تعذيب (للانقلابيين)، ربما خلال ذروة الأحداث والقلاقل، تعرضوا لبعض الركلات والصفعات فقط ليس إلا، فلو لم يحصل ذلك، لكانوا قتلوا شرطتنا. ألا يحق للشرطي الدفاع عن نفسه، أم إنه سيقول لهم: تعالوا اقتلوني؟».
وانتقد إردوغان منظمة العفو الدولية لإطلاقها تصريحات من لندن، مؤكدًا أنها لو زارت الأماكن المستهدفة من قبل الانقلابيين في تركيا، لرأت الحقيقة.
وقال إن سيناريو الانقلاب الفاشل في تركيا «تم تدبيره من الخارج.. هذا الانقلاب لم يكن فقط حدثا خطط له من الداخل. إن المنفذين تحركوا في البلاد بحسب سيناريو تم تدبيره من الخارج».
وكان الرئيس التركي أعلن من قبل أن دولا أجنبية قد تكون ضالعة في الانقلاب الفاشل لكن دون تحديدها.
ويتهم إردوغان الداعية فتح الله غولن المقيم في المنفى في الولايات المتحدة بأنه مدبر الانقلاب. وكثفت أنقرة ضغوطها على السلطات الأميركية لكي تسلمه.
وتساءل إردوغان بغضب متوجها إلى واشنطن: «كيف يعقل، حين نكون شركاء استراتيجيين وأطلب منكم باسم بلدي تسليم شخص على أساس وثيقة استراتيجية أمن قومي، وتواصلون إخفاءه وإيواءه؟».
وقال إردوغان إن غولن يجني من 200 إلى 300 مليون دولار من المدارس التي تديرها مؤسسات تابعة له.
وحاول إردوغان تهدئة المستثمرين الأجانب، مشددا على أنهم لم ولن يتدخلوا بأي شكل من الأشكال في عمل الاقتصاد استنادا إلى حالة الطوارئ، مبينًا أن تطبيقها في تركيا يتوافق تماما مع معايير الاتحاد الأوروبي.
وأعلن إردوغان أنه سيتم إغلاق رئاسة الاتصالات السلكية واللاسلكية التابعة للمخابرات والتي تتولى مراقبة الاتصالات والتنصت عليها بأوامر من المحكمة.
في سياق آخر، قال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، إنه وضع كمال كيليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، بصورة المراسيم التي أصدرتها الحكومة منذ بداية تطبيق حالة الطوارئ.
والتقى يلدريم رئيسي حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو، والحركة القومية دولت بهشلي الاثنين، وتمت مناقشة موضوع التعديلات الدستورية، وأوضح يلدريم أنه تم الاتفاق مع كيليتشدار أوغلو، على اعتماد خطة عمل تلقى توافقا بين الأحزاب، وتشمل تعديلات على بعض المواد الملحة، وأن الاجتماع جرى فيه تناول بعض تلك المواد وجرى النقاش حولها.
وعقب الاجتماع عقد كيليتشدار أوغلو اجتماعا مع اللجنة المركزية للحزب بعد مغادرة رئيس الوزراء لمقر الحزب، من أجل تقييم ما دار في الاجتماع.
كما عقد يلدريم، اجتماعًا مع رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي في مكتبه بالبرلمان التركي، وقال يلدريم خلال الاجتماع، إن الغرض من المراسيم التي تصدرها الحكومة في ظل قانون الطوارئ الذي أقره البرلمان في 21 يوليو (تموز) الماضي هو القضاء على مخاطر أي محاولة انقلابية مستقبلية، وتطبيع الحياة السياسية.
وأوضح رئيس الوزراء أن تركيا عادت ليلة 15 يوليو الماضي، من على شفا كارثة كبرى إثر المحاولة الانقلابية، وأن ذلك جاء بفضل تمسك الشعب بالإرادة السياسية والديمقراطية؛ ووقوف رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان والحكومة ورؤساء أحزاب المعارضة بحزم إلى جانب الإرادة الوطنية.
من جهته، قال بهشلي خلال الاجتماع، تعقيبًا على إعلان الرئيس التركي سحب جميع الدعاوى بحق كل من أساء لشخصه، وعفوه عنهم: «بالنظر إلى التطورات التي شهدتها تركيا والمحاولة الانقلابية الفاشلة، فإن تلك المبادرة تصب في مصلحة عملية تطبيع الحياة السياسية وتنعكس إيجابًا على التعاون بين الأحزاب وتساهم في إذكاء روح الوحدة والتضامن وإرساء نهج جيد، لذا أنا أشكره».
من جانبه، قرر رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو سحب جميع الدعاوى والشكاوى التي كان قد رفعها ضد رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان لدى المحاكم التركية.
وأفاد جليل تشليك، محامي كيليتشدار أوغلو، بأن رئيس الحزب أبلغه بقراره سحب جميع الدعاوى والشكاوى المرفوعة ضد إردوغان، مؤكدًا أن خطوات سحب تلك الدعاوى ستتم في أقرب فرصة.
ووجه إردوغان مساء أول من أمس الدعوة إلى رئيسي حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية لحضور التجمع الختامي لنوبات حراسة الديمقراطية الذي سيقام في ميدان يني كابي في إسطنبول الأحد المقبل.
في الوقت نفسه، تواصلت حملات التوقيف والاعتقال التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة وطالت المستشفيات العسكرية والأكاديميات الطبية.
وأصدرت السلطات التركية مذكرات توقيف بحق مائة من العاملين بأكاديمية «جولهانة» العسكرية (جاتا) في أنقرة التي نقلت تبعيتها منذ أيام إلى وزارة الصحة، من بينهم أطباء بالمستشفى.
كما اعتقلت قوات الأمن 65 شخصا في مدينة إسبرطة جنوب غربي البلاد بتهمة الترويج لمحاولة الانقلاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأفادت مصادر أمنية بأن قوات الأمن نفذت أمس الثلاثاء حملات أمنية متزامنة على كثير من المنازل ومراكز الأعمال في المدينة، واعتقلت 65 شخصا بتهمة نشر منشورات تستهدف أمن الدولة والقيام بدعاية داعمة لمحاولة القضاء على النظام الدستوري.
وشنت قوات الأمن حملة اعتقالات على جهاز مدينة مرسين في إطار التحقيقات التي انطلقت في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة.
وأسفرت الحملة عن اعتقال 14 شخصا، من بينهم نائب رئيس الجهاز والسكرتير العام ورؤساء الدوائر والحاجب.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».