الخردل.. قبل التوابل

رمز الفحولة والهيبة والحظ السعيد

الخردل.. قبل التوابل
TT

الخردل.. قبل التوابل

الخردل.. قبل التوابل

عثر على حبوب الخردل الصفراء الصغيرة في الكثير من التجمعات السكنية القديمة والعصر الحجري في أوروبا والعالم. وجاء ذكر الخردل في الكثير من الأمثال الأجنبية للترميز إلى المال والطيبة والتحدي وغيره. وللخردل رمزيات كثيرة في الحضارات القديمة؛ فقد كان الفراعنة يعتبرونه رمزا لحسن الحظ؛ ولذا وضعوه في قبور الملوك، مثل قبر توت عنخ آمون.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن زراعة حبوب الخردل بدأت في الهند في عام 300 قبل الميلاد، أي ما قبل خمسة آلاف سنة تقريبا.
وقد درج العبرانيون على استخدام الخردل في الطبخ، وكان الخليل إبراهيم يستخدمه في تحضير طبق لسان البقر. كما استخدمه الإغريق في الطبخ ولغايات طبية أيضا، كما هو الحال مع الكثير من المواد والتوابل. ووصفه الفيلسوف فيثاغوروس لعلاج لسعة العقرب، واستخدمه أبقراطوس في صناعة الكمادات. ومن الإشارات المبكرة للدلالة على طبيعة بذور الخردل القوية، كانت في أحد التبادلات بين ملك الفرس داريوس والإسكندر المقدوني، حيث أرسل داريوس إلى الإسكندر كيسا من حبوب السمسم للدلالة على عدد جنوده الرهيب، رد الإسكندر بكيس من حبوب الخردل للدلالة على العدد والطبيعة الحارقة لجنوده.
ورغم أن الرومان بشكل عام كانوا يفضلون صلصة السمك المخثر، فإن الأغنياء منهم، وكما كان يفعل السومريون في العراق من قبلهم، كانوا يطحنون حب الخردل الطازج في صحونهم على مائدة الطعام ويضيفون إليه عصير العنب أو الحصرم المعروف بالـ«مست» - must لتحضير العصير الحارق (المز القوي الطعم) - burning must أو - mustum ardens، ومن هناك جاء الاسم بالإنجليزية ماسترد - Mustard. وكلمة mustarde الإنجليزية التي تتدرج من الفرنسية moutarde تعني التوابل. وكان الرومان يضيفون إلى خلطة الخردل بهارات الكراوية والكزبرة المحمصة، والفلفل الأسود المطحون، والزعتر والكاشم الرومي، والشبت والكرفس، والبصل والعسل، والخل وصلصة السمك والزيت.
وبشكل عام، تابع الرومان ما بدأه الإغريق مع الخردل، وقد جاء ذكر أول وصفات صناعة الخردل في كتب المؤرخ بليني الأكبر في عام 42 للميلاد. ويذكر بليني الطعم القوي للخردل المصنوع من الخل وحبوب الخردل.
وكان الخردل من المواد أو التوابل الأولى التي استخدمها الناس قديما مع اللحم، وقبل وصول البهارات والتوابل المختلفة عبر طريق الحرير، وانتشارها في أنحاء المعمورة.
لكن رهبان بلاد الغال (المناطق الأوروبية التي تقطنها الشعوب الكلتية قديما، مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا) هم الذين حولوا صناعة الخردل إلى فن بحد ذاته، كما يقال، بعد أن أدخل الرومان حبوب الخردل إلى هذه المناطق أثناء غزواتهم الشهيرة بين عامي 51 و58 للميلاد، فكان الرهبان يزرعون شجر الخردل إلى جانب العنب؛ لاستخدامه في الطعام ومداواة الجروح أثناء الحروب.
وواصل الرهبان زراعته والاعتناء به في القرنين التاسع والعاشر، وبعد أن أصبح تداوله عاديا بين تجار مدينة باريس في القرن الثالث عشر، أغرم الباباوات بالخردل؛ مما عزز صناعته وطور سبل تحضيره. وتقول القصة إن البابا يوحنا الثاني والعشرين (جاك ديوز - 1244 - 1334) من سلسلة بابوات أفينيون كان يحب الخردل حبا جما، لدرجة أنه أوجد وظيفة خاصة لصانعه في الفاتيكان، وقد منح الوظيفة إلى ابن أخيه الذي كان يعيش في ديجون القريبة؛ ولهذا أصبح يعرف الخردل الفرنسي عالميا بخردل ديجون، وأصبحت ديجون عاصمة الخردل حول العالم. وقد أقر البرلمان الفرنسي قانونا خاصا عام 1634 يمنح أهالي البلدة الحق الحصري بصناعة الخردل الفرنسي.
وكان الملك الفرنسي لويس الحادي عشر يحمل معه في رحلاته الخردل؛ خوفا من عدم توافره عند مضيفه. وقامت الملكة فيكتوريا في بريطانيا أيضا بتعيين طباخ خاص بالخردل في قصرها نهاية القرن التاسع عشر؛ لغرامها الكبير به.
هناك ما لا يقل عن 40 نوعا من أنواع شجر الخردل، وأن الحبوب التي تستخدم لصناعة الخردل التجاري هي الحبوب السوداء (Brassica nigra) والبنية (Brassica juncea) والبيضاء (Sinapis alba). الحبوب البيضاء التي ينتهي لونها أصفر وتستخدم مع الـ«هوت دوغ» جاءت من مناطق البحر الأبيض المتوسط. أما الحبوب البنية التي جاءت من جبال الهملايا والهند، فهي الحبوب التي تستخدم لصناعة الخردل في أميركا وأوروبا بشكل عام، وهي التي تنتشر في المطاعم الصينية أيضا. أما الحبوب السوداء، فهي مرغوبة أكثر في بلاد المتوسط وتركيا التي زرعتها أنتجتها قديما.
* كيف يحضر الخردل؟
يتم طحن الحبوب، إن كانت صفراء أم سوداء أم بنية، حسب الرغبة خشنة أم ناعمة، ثم يضاف إلى الحبوب الماء أو عصير الحصرم، أو الخل أو الجعة، أو كلها مجتمعة مع الملح والبهارات، خصوصا الكركم الذي يمنحه لونه والقرنفل، وأحيانا يطعم أيضا بأنواع التوت وبالعسل وبالطرخون.
الدول التي تصنع معجون الخردل هي: كندا، الهند، الولايات المتحدة الأميركية، هنغاريا، بريطانيا، باكستان، نيبال، روسيا، تشيكيا، ألمانيا، الصين، فرنسا، مينمار وأوكرانيا.
* من أنواع الخردل
- MOUTARDE À L’ANCIENNE، وهو من أنواع الخردل التقليدية والقديمة والخشنة التي تطحن الحبوب بشكل كبير، وتخلطه بالنبيذ الأبيض والأعشاب والبهارات. وعادة ما يستخدم أنواع عدة من الحبوب، ويكون طعمه حلوا بعض الشيء. ويعتبره البعض مزيجا من الخردل الفرنسي والخردل الإنجليزي ويستخدم للسمك والنقانق.
- MOSTARDA or MOSTARDA DI FRUTTA، خردل إيطالي مصنوع من الفاكهة المنقوعة بالماء والسكر وزيت الخردل. وهو خردل حلو مع لذعة خاصة، وتعود أصوله إلى الإمبراطورية الرومانية القديمة. يستخدم مع اللحوم والجبنة.
- MOUTARDE DE MEAUX or WHOLE GRAIN MUSTARD، يسمى هذا الخردل بـ«ملك الخردل»، وهو نوعان غني وقوي، مصنوع من خليط من حبوب الخردل مع الخل والبهارات، ويستخدمه الطباخون منذ مئات السنين في صلصات السلطة، ودهن اللحوم والأسماك قبل الطبخ.
- WASABI MUSTARD، وهو خردل ياباني يعتمد على نبتة الوسابي الجذرية التي تشبه الفجل الأبيض الطويل.
- Sweet mustard، يصنع هذا الخردل في بافاريا في ألمانيا مع السكر وعصير التفاح أو العسل.
- Hot mustard، يستخدم الحبوب البنية الهندية وهو قاسي الطعم، يستخدم كثيرا في روسيا.
- Honey mustard، وهو من أنواع الخردل التي تستخدم العسل في الخلطة، وعادة ما يستخدم في السندويشات والدجاج. ويستخدم كثيرا مع الخل وزيت الزيتون لتحضير صلصة السلطة.
- French mustard، وهو خردل حلو ولاذع وداكن اللون ومعتدل الطعم بشكل عام، وهو من منتجات بريطانيا وشركة كولمن في الثلاثينات من القرن الماضي، ويستخدم مع شرائح اللحم.
- Dijon mustard، هذا الخردل المصنوع في بلدة ديجون الفرنسية منذ زمن طويل، وقد أعاد أمجاده جان ناجيون في منتصف القرن التاسع عشر. وعادة ما يستخدم فيه الحب البني، ويصنع حاليا خارج فرنسا.
- English mustard، الخردل الإنجليزي أقوى أنواع الخردل في العالم من ناحية الطعم، وهو عادة أصفر اللون وسميك العجينة.
- MOUTARDE À L’ANCIENNE، وهو من أنواع الخردل التقليدية والقديمة والخشنة التي تطحن الحبوب بشكل كبير، وتخلطه بالنبيذ الأبيض والأعشاب والبهارات. وعادة ما يستخدم عدة أنواع من الحبوب، ويكون طعمه حلوا بعض الشيء. ويعتبره البعض مزيجا من الخردل الفرنسي والخردل الإنجليزي ويستخدم للسمك والنقانق.
- MOSTARDA or MOSTARDA DI FRUTTA، خردل إيطالي مصنوع من الفاكهة المنقوعة في الماء والسكر وزيت الخردل، وهو خردل حلو مع لذعة خاصة، وتعود أصوله إلى الإمبراطورية الرومانية القديمة. يستخدم مع اللحوم والجبنة.
- MOUTARDE DE MEAUX or WHOLE GRAIN MUSTARD، يسمى هذا الخردل بـ«ملك الخردل» وهو نوعان غني وقوي، مصنوع من خليط من حبوب الخردل مع الخل والبهارات، ويستخدمه الطباخون منذ مئات السنين في صلصات السلطة، ودهن اللحوم والأسماك قبل الطبخ.
* معلومات حديثة عن الخردل
جاء ذكر الخردل في الكثير من الأمثال الأجنبية للترميز إلى المال والطيبة والتحدي وغيره.
فقد اعتبره الصينيون القدماء مقويا للشهوة الجنسية، وينشره بعض الناس حاليا خارج باب المنزل لطرد الأرواح الشريرة، كما هو الحال في الدانمارك والهند، وتحيكه البنات في فساتين أعراسهن للتأكيد على سلطاتهن في المنزل.
لقد جلب السفير الأميركي لدى فرنسا ببنيامين فرانكلين الخردل إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1758.
قدم الفرنسيون الخردل الأصفر الفرنسي المعروف حاليا، في عام 1904 أثناء معرض سانت لويس العالمي في فرنسا، ومن ذلك الحين وهو رفيق متواصل للـ«هوت دوغ».
يستخدم ملعب أو استاد «اليانكيز» في نيويورك 1600 غالون من الخردل، و2 مليون حزمة فردية خلال المباراة الواحدة.
يحب الأميركان الخردل المعتدل الطعم، وهم من أكثر شعوب العالم استهلاكا له؛ إذ يصل استهلاك الفرد نحو نصف كيلو في السنة. وكان شخص يدعى جورج فرنش أول من بدأ في تصنيعه وتوزيعه في أميركا. ولهذا؛ أيضا هناك يوم وطني للاحتفال بالخردل في أول يوم سبت من شهر أغسطس (آب) في ويسكونسين. ويضم متحف الخردل في ويسكونسين 5000 مرطبان خردل من 60 دولة وخمسين ولاية أميركية.
كما تشير المعلومات المتوافرة إلى أن الخردل ثاني أهم المتبلات التي يستخدمها الأميركيون بعد الفلفل الأسود.
318 مليون كيلو من الخردل المستهلك في العالم كل سنة حسب إحصاءات عام 2015، ويزداد حاليا استخدام الخردلل؛ لأنه غني بالصوديوم، ولا يحتوي على الكثير من السكر كالكاتشاب، ولا يحتوي على الكثير من الدهون كالمايونيز.



صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.


مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
TT

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الطراز المستخدم عادة في التخييم، تضم فرناً طينياً يماثل تلك الأفران، التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية.

وفي المواقع التاريخية الممتدة من ماساتشوستس إلى فلوريدا، يعكف شيري على صنع أرغفة خبز تشبه تلك التي أمر الجنرال جورج واشنطن بتوفيرها لرجاله. ونظراً لأنه يقيم في «ماونت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثفاً هذا العام، تزامناً مع احتفال البلاد بمرور 250 عاماً على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قادمة من فعاليات إحياء الذكرى في مواقع رئيسة شهدت معارك حرب الاستقلال. وقد حُجزت خدماته بالفعل في موقع «واشنطن كروسينغ» ببنسلفانيا، وموقع معركة «مونموث» في نيوجيرسي، حيث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع.

معجنات طازجة (نيويورك تايمز)

وقال شيري في تصريحات أدلى بها مطلع هذا الشهر في «ماونت فيرنون»: «يشتكي الناس اليوم من أن خبز الأكل في المنزل يستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر».

ومن خيمته المنصوبة في الحقل الممتد على مساحة اثني عشر فداناً أمام قصر واشنطن، يشارك شيري زبائنه تفاصيل عمليته التي تستغرق عشر ساعات كاملة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين على شيري التعامل مع تقلبات الطقس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة، وكذلك في برد قارس، فضلاً عن الرياح والأمطار والعواصف الثلجية، وكافح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية.

وفي أوقات ذروة العمل، يشارك والدا شيري وزوجته وابنته ذات الـ11 عاماً في عمليات البيع، بينما يرتدون جميعاً ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الحديث مع الزبائن حول تاريخ الخبز في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي ينهمك شيري في إدخال المخبوزات وإخراجها من الفرن بـسرعة.

وإلى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلاً واحداً وتماثل الحصص التموينية التي كان يتلقاها جنود «الجيش القاري» خلال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماماً كما كان يفعل نظراؤه في الماضي. وتتضمن هذه المنتجات أجباناً مصنوعة محلياً والزبدة والأسماك المملحة. أما خبز الزنجبيل الذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدوياً من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام.

وقد سُمي مخبزه بهذا الاسم؛ لأن رطل الخبز كان يكلف نصف كراون أو اثني عشر بنساً ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، اليوم. وتباع أرغفته الحالية بنحو خمسة عشر دولاراً، وعادة ما تنفد بضاعته في أقل من ساعة، مع انجذاب الحشود إلى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية.

مخبز تاريخي يحيي خمسينيات القرن الثامن عشر (نيويورك تايمز)

من جهتها، تتابع باربرا أونوراتو وزوجها توني مسيرة شيري المهنية، منذ أن قرآ عنه للمرة الأولى عام 2018. ويعيش الزوجان أونوراتو، اللذان يمتلكان مزرعة تاريخية في ولاية بنسلفانيا، في منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران من زبائنه الدائمين في «ماونت فيرنون» ومواقع أخرى. وفي هذا الصدد، قالت باربرا أونوراتو: «خبزه ومنتجاته الأخرى رائعة للغاية، وأنا معجبة جداً بمشاركة عائلته بأكملها في هذا العمل».

جدير بالذكر أن شيري نشأ في غرب ولاية بنسلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيراً ما يحرص على ارتداء الملابس التاريخية والسفر إلى مواقع إعادة تمثيل معارك حرب الاستقلال مع والديه وشقيقه، منذ أن كان في الثامنة من عمره. وفي أثناء فترة عمله مع الطاهي شون بروك في مطعم «هاسك» بمدينة تشارلستون، أدرك شيري أنه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران.

وقال شيري: «نظراً لانغماسي الشديد في تجارب إعادة التمثيل التاريخي، والتي تتضمن الطهي على نيران المخيمات طوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لي صنع فرني الخاص». وبعد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» ـ جالية من خبازي ولاية جورجيا، كانوا يعملون بالقرب من نهر سافانا، في أربعينات القرن الثامن عشر.

في خبزه، يعتمد شيري على حبوب تُطحن خصيصاً بناءً على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، تماماً كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير.

وأضاف: «أحاول استخدام مكونات كانت شائعة في المناطق التي أعمل بها؛ لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله في ذلك الوقت». ويتضمن عمل شيري كذلك جمع وصفات طعام وأدوات خبز ومعدات ومخطوطات وكتب، تعود إلى القرن الثامن عشر. ويركز بشكل خاص على كريستوفر لودويك، مهاجر ألماني افتتح مخبزاً ومتجراً ناجحاً للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات القرن الثامن عشر، وشغل منصب مدير الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب.

وأوضح شيري أنه: «تولى لودويك إدارة عشرات الخبازين المحليين في مستودعات الإمداد والمواقع الرئيسة الأخرى القريبة نسبياً من القوات لتسهيل عمليات النقل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش».

ووفقاً لحسابات واشنطن، كان الأمر يتطلب مائة ألف رطل من الدقيق لإطعام 15 ألف رجل عن كل عام تستمر فيه الحرب، وكان واشنطن يدفع أجور الخبازين من جيبه الخاص. وكثيراً ما كان يراسل لودويك مباشرة بطلبات دقيقة لتسليم الخبز.

وأشار شيري إلى أنه «في حين جرى تجنيد العديد من هؤلاء الخبازين في خدمة قسم الخبز، فإن بعضهم كانوا محترفين يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب».

وكان سايروس بوستيل من بين هؤلاء؛ والذي كان خبازاً مستعبداً سابقاً في بنسلفانيا، وأدار مخبزاً تعاقدياً في نيوجيرسي عام 1782، وذلك في أثناء استمرار المناوشات بعد معركة يوركتاون. وافتتح مخبزاً ومصنعاً ناجحاً للبيرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضواً مؤسساً في «الجمعية الأفريقية الحرة» بفيلادلفيا، والتي دعمت المدارس المستقلة لذوي البشرة السمراء. ويُعد مغني الأوبرا والناشط في مجال الحقوق المدنية بول روبسون أحد أحفاده.

ويعتبر منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ويقع في منطقة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافةً حديثةً إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة.

وأضافت والاس: «إنّ تجربة المذاقات نفسها التي كان يتذوقها شخصٌ من القرن الثامن عشر، بخاصةً جنديّ في الجيش، تُعدّ وسيلةً رائعةً لتعريف الناس بتلك الحقبة».

وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة من إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباحٍ مشرقٍ من يونيو (حزيران) في القرن الـ21.

وقالت كيتشل، خبازةٌ منزليةٌ شغوفةٌ كانت تزور ماونت فيرنون للمرة الأولى: «كنتُ في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتذكرني رؤية هذا المكان بالهدف الحقيقي لمبادرة أميركا 250».

* خدمة «نيويورك تايمز»


وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
TT

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، يمكن أن نشاهد عشرات المقاطع لأطباق شهية ووصفات تبدو وكأنها خرجت من مطابخ أمهر الطهاة. لكن خلف بعض هذه الصور والمقاطع المثالية، تختبئ مشكلة متنامية: ليس كل ما نراه حقيقياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات شديدة الواقعية، بل إنشاء شخصيات تبدو كأنها طهاة محترفون. وقد تظهر وصفة على الشاشة بصورة مثالية، بينما تكون في الواقع غير مجربة أو غير قابلة للتنفيذ بالطريقة التي عُرضت بها. ولا تقتصر المشكلة على إعداد وجبة سيئة، بل قد تعني أيضاً إهدار الطعام والوقت والمال وشراء مكونات لوصفة لم يختبرها أحد أصلاً.

وقد أدركت حجم المشكلة بعدما وقعت شخصياً ضحية لهذا النوع من المحتوى. ظهر أمامي مقطع لتحضير خبز صحي مكون من الزبادي والأفوكادو والبيض والبايكنغ باودر وقليل من الملح والبطاطس المسلوقة. شككت في الوصفة وفي الطاهي الذي بدا واثقاً من نجاحها، لكنني قررت تجربتها، وكانت النتيجة كارثية. فمن شبه المستحيل أن تحل البطاطس محل الدقيق بهذه الطريقة، وانتهت التجربة بهدر المكونات واستهلاك الغاز والكهرباء من دون فائدة.

وصفات تبدو لذيذة ولكنها في الواقع مزيفة (بيكسيلز)

المشكلة لا تتوقف عند وصفة فاشلة. فقد نشاهد طاهياً يتحدث بثقة أمام الكاميرا، بوجه طبيعي وصوت مقنع وحركات واقعية، ويقدم طبقاً نهائياً مثالياً، بينما قد لا يكون هذا الطاهي موجوداً أصلاً. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الوجوه والأصوات والخلفيات والحركات، كما يستطيع إنتاج صور لأطعمة تبدو حقيقية بدرجة مذهلة، ما يجعل من الصعب على المشاهد العادي اكتشاف الخدعة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: نحن غالباً نحكم على مصداقية المحتوى من مظهره. فإذا بدا الشخص طاهياً محترفاً، وتحدث بثقة، وظهر أمام طبق مثالي، فمن السهل أن نفترض أن الوصفة مجربة وناجحة. لكن جمال الفيديو ليس دليلاً على نجاح الوصفة.

قد تكون المقادير غير دقيقة، أو أوقات الطهي ودرجات الحرارة غير منطقية، أو قد تُجمع مكونات لا تتفاعل بالطريقة المطلوبة. وقد يُقترح استبدال مكوّن بآخر من دون مراعاة تأثير ذلك في قوام الطبق أو طعمه. والمشكلة أن الفيديو يستطيع إخفاء هذه الأخطاء وإظهار نتيجة مثالية لم تحدث أصلاً. فقد تبدو الوصفة مقنعة على الشاشة، لكنها تفشل تماماً عند تنفيذها في مطبخ حقيقي.

وتزداد المشكلة مع طبيعة المحتوى الفيروسي. فالمنصات تكافئ ما يجذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، ولذلك قد يحظى طبق غريب أو وصفة تبدو مستحيلة أو طاهٍ مولد بالذكاء الاصطناعي بانتشار أكبر من وصفة بسيطة ومجربة. وكلما كان المقطع أكثر غرابة وإبهاراً، زادت فرص توقف المستخدم عنده ومشاركته، ما يحول الانتباه إلى مشاهدات وانتشار وربما أرباح.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع تقنيات التزييف العميق، التي يمكنها جعل أشخاص حقيقيين يبدون وكأنهم قالوا أو فعلوا أشياء لم يقوموا بها. وفي عالم الطعام، يمكن استخدام تقنيات مشابهة لإنشاء مقدمي محتوى وهميين أو تعديل مقاطع موجودة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يبدو هذا الشخص طاهياً محترفاً؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل قام أحد فعلاً بإعداد هذه الوصفة؟

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس أصل مشكلة الوصفات المضللة؛ فقد كانت هناك وصفات غير مجربة وصور معدلة ومبالغات في النتائج قبل ظهوره. الجديد هو قدرة التقنية على إنتاج كميات ضخمة من الصور والشخصيات والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى امتلاك الخبرة أو الوقت اللازم لاختبار كل وصفة في مطبخ حقيقي.

الوصفات الالكترونية الغير موثوقة بها كثيرة (بيكسيلز)

لذلك، لا يعني الأمر أن نتوقف عن الثقة بكل وصفة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك طهاة حقيقيون وصناع محتوى يقدمون وصفات ممتازة ومجربة. لكن من الحكمة التحقق قبل شراء مكونات وصفة غير معتادة: هل المقادير والتعليمات واضحة ومنطقية؟ هل جربها أشخاص آخرون؟ هل توجد نتائج حقيقية في التعليقات؟ وهل لدى صاحب الحساب تاريخ في نشر وصفات يمكن الوثوق بها؟ كما يمكن البحث عن الوصفة نفسها في مصادر طبخ موثوقة أو لدى طهاة معروفين.

ولا ينبغي أن تقع المسؤولية على المشاهد وحده. فعلى صناع المحتوى أن يكونوا واضحين بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن يميزوا بين الوصفة التي أُعدت واختُبرت فعلاً والمحتوى الذي تم توليده رقمياً. كما تواجه منصات التواصل تحدياً متزايداً في وضع علامات واضحة على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تراجع قدرة العين المجردة على اكتشافه.

في المرة المقبلة التي تظهر فيها أمامنا وصفة مذهلة، قد يكون من الأفضل أن نتوقف لحظة قبل وضع مكوناتها في عربة التسوق، ونسأل: هل أعدّها شخص فعلاً؟ وهل توجد أدلة على نجاحها؟ فالعالم الرقمي أصبح قادراً على تقديم وجبة مثالية المظهر لم تُطبخ أصلاً. وربما تكون هذه هي القاعدة الأهم: ما يبدو شهياً على الشاشة ليس بالضرورة شيئاً يمكن تحضيره في مطبخنا.