رئيس مجلس إدارة «أبيكورب»: قطاع البتروكيماويات لا يزال واعدًا.. ونستهدف الطاقة المتجددة

السعدون أكد لـ «الشرق الأوسط» أن الشركة تستهدف اقتناص الفرص الاستثمارية المجزية

الدكتور عابد بن عبد الله السعدون، رئيس مجلس  إدارة الشركة العربية للاستثمارات البترولية «أبيكورب»
الدكتور عابد بن عبد الله السعدون، رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمارات البترولية «أبيكورب»
TT

رئيس مجلس إدارة «أبيكورب»: قطاع البتروكيماويات لا يزال واعدًا.. ونستهدف الطاقة المتجددة

الدكتور عابد بن عبد الله السعدون، رئيس مجلس  إدارة الشركة العربية للاستثمارات البترولية «أبيكورب»
الدكتور عابد بن عبد الله السعدون، رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمارات البترولية «أبيكورب»

بعد يوم عمل طويل كشفت فيه شركتا «أبيكورب» و«النقل البحري» عن تأسيس صندوق استثماري كبير تبلغ قيمته نحو 1.5 مليار دولار، وفي حوار امتد لأكثر من 40 دقيقة، أكد الدكتور عابد بن عبد الله السعدون، رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمارات البترولية «أبيكورب»، أن تأثير الانخفاضات الحادة في أسعار النفط لم يطل أداء «أبيكورب» المالي والتشغيلي.
والشركة العربية للاستثمارات البترولية «أبيكورب» هي بنك تنموي متعدد الأطراف مملوك من قبل الدول العربية الأعضاء في منظمة (الأوابك)، الذي تأسس في العام 1974 بهدف تعزيز تنمية قطاعات النفط والغاز في العالم العربي. وأوضح الدكتور السعدون، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «أبيكورب» تسعى باستمرار إلى اقتناص الفرص الاستثمارية المجزية متى ما توافرت، مؤكدًا أن الاستثمار في قطاع البتروكيماويات ما زال واعدا، خصوصا فيما يتعلق بالصناعات التحويلية والمتفرعة، على الرغم من انخفاض أسعار النفط.
وقال الدكتور السعدون إن «أبيكورب» تدير أصولاً تبلغ قيمتها نحو 6 مليارات دولار موزعة بين قطاعات أعمال الشركة الرئيسية الثلاثة، فيما تبلغ حاليا قيمة محفظة الاستثمارات المباشرة لـ«أبيكورب» ما يقارب المليار دولار، في المقابل، بلغت قيمة محفظة الإقراض حدود 3 مليارات دولار، في حين يبلغ حجم أعمال قطاع الخزانة والأوراق المالية نحو ملياري دولار. وفي سؤال مباشر للدكتور السعدون عن حجم الفرص المتوقعة نتيجةً لتوجهات خصخصة القطاع النفطي السعودي، وما إذا كان ذلك سيولد فرصا استثمارية كبرى، أجاب: «بحكم قربنا من هذا القطاع، فإننا لن نتوانى في أبيكورب عن اقتناص الفرص الاستثمارية المجزية، سواءً أكانت في السعودية أو خارجها»، فإلى نص الحوار:

* ما مدى تأثر نشاط «أبيكورب» بالانخفاضات الحادة التي شهدتها أسعار النفط؟
- تدير «أبيكورب» أنشطتها في إطار استراتيجية أقرها مجلس إدارتها في عام 2014. وقد قطعنا شوطًا كبيرًا في تطبيق أسس تلك الاستراتيجية التي تهدف - فيما تهدف - إلى الالتزام بإطار نحرص من خلاله إلى تنويع مستويات المخاطر، يتم من خلاله العمل باستمرار على توسيع النطاق الجغرافي للأصول المستهدفة، وتنويع المنتجات المالية التي تلبي احتياجات عملائنا.
وللإجابة بشكل مباشر على السؤال، يمكن القول إن أنشطة الشركة مقسمة بين ثلاثة قطاعات رئيسية (الاستثمارات، وتمويل الشركات، والخزانة والأوراق المالية)، لا يتأثر بتقلبات أسعار النفط منها إلا قطاع الاستثمارات الذي يتفاعل بشكل غير مباشر من خلال انعكاس أسعار النفط (سلبا أو إيجابًا) على حجم أعمال ونتائج شركات القطاع التي تستثمر فيها «أبيكورب».
* هل هذا يعني أن «أبيكورب» لم تتأثر على الإطلاق بانخفاض أسعار النفط الحاد؟
- لا أقول إننا لم نتأثر، ولكن التأثير كان بسيطا ولله الحمد، وبطبيعة الحال هذا التأثر، وإن كان بسيطًا، هو أقل من تأثر كثير من شركات العالم وبعض اقتصادات الدول، والفضل يعود أولاً لتوفيق الله ثم لعدد من القرارات التي اعتمدها المجلس بالتشاور مع الإدارة التنفيذية التي اتسمت بالحصافة وحسن التقدير.
* هل لديكم أرقام تؤكد محدودية حجم تأثير انخفاض أسعار النفط على نشاط «أبيكورب» وأدائها المالي والتشغيلي؟
- رغم التحديات، التي يمثل - دون شك - انخفاض وتذبذب أسعار النفط أحد أركانها، فقد جاءت نتائج «أبيكورب» خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة لتؤكد صلابة وضعها المالي ونجاحاتها المتتالية من خلال الالتزام بالعمل في إطار استراتيجيتها، فقد بلغت حصيلة إجمالي الأرباح للأعوام 2013 و2014 و2015 ما قيمته 150 و156 و162 مليون دولار على التوالي، فيما سجل صافي الأرباح 112 و105 و107 ملايين دولار أميركي للأعوام نفسها على التوالي.
وأود هنا أن أوضح أن صافي الأرباح قبل خصم المخصصات قد سجل في عام 2015 رقمًا قياسيا جديدًا بوصوله إلى 124 مليون دولار، إلا أننا، تحسبًا للتداعيات السياسية والاقتصادية الإقليمية الجارية في بعض دول المنطقة، قمنا بإضافة مخصصات لمحفظة الاستثمارات والتمويل بمقدار 17 مليون دولار، مما أدى إلى وصول صافي الربح إلى 107 ملايين للعام 2015.
* هل يؤثر التذبذب العالي في أسعار النفط على بوصلة استثماراتكم؟
- الفروقات العالية في أسعار النفط تغير بعض معادلات الاستثمار لدينا، وأؤكد أن الفرق في حدود 20 دولارا لا يؤثر، ولكن حينما تكون الفروقات أكثر من 50 دولارًا، فإن العملية تؤثر على النشاط الاقتصادي، وعلى وفرة التمويل، وتعدد فرص الاستثمار، حتى إن شركات الاستكشاف تتأثر من خلال عدم وجود مشاريع كثيرة.
* هل أسعار النفط اليوم دون مستويات الـ50 دولارًا للبرميل تعتبر مشجعة للمستثمرين؟
- نحن وصلنا إلى أسعار غير مشجعة للشركات العاملة في النفط، ولكنني أعتقد أن التحسن في الأسعار سيكون تدريجيًا ولكن بشكل بطيء إلى حد ما، خصوصا أن التأرجح في بحر الـ40 إلى 50 دولارا، يبقي الوضع محيرا لأغلب المستثمرين في هذا القطاع، وغير مشجع، ومع هذا فنحن في «أبيكورب» منذ سنوات قمنا بالتركيز على قطاعات فرعية لا تتأثر بأسعار النفط المنخفضة، أو قد تستفيد من أسعار النفط المنخفضة، وذلك كإحدى وسائل التنويع الاستثماري التي تقلل المخاطر وترفع العوائد، مثال على ذلك، الاستثمار في قطاع النقل البحري وأنشطة توليد وتوزيع الكهرباء.
* ما أبرز الأسواق التي تستهدفها «أبيكورب» في نشاطها التشغيلي؟
- ينصب تركيز أعمال «أبيكورب» في الاستثمار وتمويل المشاريع القائمة في العالم العربي بشكل عام، مع إعطاء الأولوية للمشروعات العربية المشتركة، كما تمتد أعمال الشركة خارج نطاق العالم العربي، وذلك من خلال خدمة الشركات التي تتعامل أو تستثمر في المنطقة، أو يمكن أن تقدم إضافة في المستقبل لقطاع الطاقة في العالم العربي من خلال نقل التقنية.
* هل قامت «أبيكورب» بعملية استثمار مباشر في رؤوس أموال شركات عالمية؟
- نعم، في شهر أبريل (نيسان) من هذا العام أنهينا بنجاح الاستحواذ على حصة في رأس مال شركة في بريطانيا، وهي شركة تقدم خدمات فنية دقيقة لكبرى الشركات العاملة في مجال خدمات حقول النفط البحرية، ونستهدف بذلك تنويع الاستثمار، وجذب هذه الخبرات إلى المنطقة، وتوسيع دائرة العملاء، وأؤكد لك أننا نحاول أن نقتنص الفرص المناسبة التي تعود بالفائدة على الشركة اقتصاديا وعلى المنطقة تنمويا، بغض النظر إن كانت في المنطقة أو خارجها.
* تتجه السعودية إلى مزيد من الخصخصة في القطاع النفطي، كيف تنظرون إلى ذلك في «أبيكورب»؟
- من المتوقع أن تثمر خصخصة القطاع النفطي في أي دولة كثيرا من الفرص الاستثمارية المميزة، وبحكم قربنا من هذا القطاع لن نتوانى في الاستفادة من الفرص الاستثمارية المجزية، سواء أكانت في السعودية أو خارجها.
* أبرمتم صفقة مع شركة النقل البحري السعودية، على ضوئها سيتم تأسيس صندوق بقيمة 1.5 مليار دولار... ماذا تستهدفون من هذه الخطوة؟
- كل استثمار مباشر تقوم به «أبيكورب» لا بد من أن يحقق غاية تنموية وبطريقة تجارية تضمن نمو أصول «أبيكورب» بشكل يكفل لها الاستمرار في لعب دورها التنموي البارز في قطاع الطاقة في المنطقة، وجوابا على السؤال، فإن هدف «أبيكورب» التنموي من هذه الصفقة هو تقديم الدعم لقطاع النقل البحري من خلال تقديم هيكلة مبتكرة تساعد أحد أهم العاملين في هذا القطاع، وهي شركة «البحري»، في تمويل خططها التوسعية وتجاوز كثير من القيود التي تفرضها طبيعة اشتراطات التمويلات التجارية، في المقابل فإن هذا الصندوق من شأنه تحقيق عوائد مجزية من التشغيل التجاري لناقلات النفط الكبيرة التي سيتملكها الصندوق، ولا شك أن التعاون بين «أبيكورب»، بخبراتها وقدراتها في توفير التمويل بشروط تفضيلية والاستثمار، وإمكانيات «البحري» في إدارة أساطيل النقل على أفضل المستويات العالمية، يشكل عاملاً مهمًا لجذب المستثمرين وإتاحة الفرصة لهم للاستثمار في هذا القطاع الحيوي والمهم.
* لكن كيف ستتم هيكلة هذا الصندوق الضخم؟ ومن الذي سيدير الصندوق ماليًا وإداريًا؟
- يستهدف الصندوق استثمار أصوله على ثلاث مراحل، يبلغ حجم الاستثمار في كل مرحلة ما يعادل 500 مليون دولار، وهناك عدد من الاشتراطات الواجب تحققها قبل الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التي تليها، وذلك لضمان تحقيق الصندوق لأهدافه الاستثمارية المحددة. وسيتولى الطرفان مهمة إدارة الصندوق، وستكون «أبيكورب» مديرًا ماليًا للصندوق ومسؤولاً عن ترتيب التمويل، في المقابل ستكون «البحري» المدير الفني والتجاري الحصري لأسطول الناقلات المملوكة للصندوق.
* كيف سيتم توزيع الحصص بين الشركتين في هذا الصندوق؟
- اكتتبت أبيكورب بـ(85 في المائة) من رأس مال الصندوق في حين ستكون الحصة المتبقية من رأس مال الصندوق البالغة (15 في المائة) لشركة النقل البحري.
* ولكن كيف سيستفيد مساهمو «أبيكورب»؟
- تهدف سياسة الاستثمار في «أبيكورب» إلى المساهمة في تطوير وتنمية قطاع الطاقة والنفط والغاز في الدول الأعضاء في «أوابك»، وهذا المشروع يحقق الهدف المرجو، بالإضافة إلى أن مثل هذه الشراكات الاستراتيجية مع شركات كبرى كـ«البحري» سيكون إضافة قيمة لمحفظة «أبيكورب» الاستثمارية وستحقق عوائد مادية جيدة.
* على صعيد استثمارات «أبيكورب»، هل توجهتم إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة؟
- لقد قمنا بتمويل عدد كبير من مشروعات الطاقة المتجددة، كما قمنا بدراسة عدد من المشروعات بقصد الاستثمار المباشر فيها، ولكن حتى الآن لم تتح الفرصة المناسبة، والجدير بالذكر أن «أبيكورب» سبق أن وقعت في عام 2014 اتفاقية استثمار مشترك مع شركة «أكوا باور»، وهي شركة لها ثقلها في هذا المجال، وذلك بقصد الوصول إلى فرص متميزة في هذا القطاع الواعد والمهم لمستقبل الطاقة في المنطقة.
* كم قيمة الأصول التي تديرها «أبيكورب» حاليًا؟
- تدير أبيكورب أصولاً تبلغ قيمتها نحو 6 مليارات دولار مقسمة إلى استثمارات مباشرة بحدود مليار دولار، ومحفظة تمويل في حدود 3 مليارات دولار، ومحفظة أعمال الخزانة والاستثمار في الأسواق المالية بنحو ملياري دولار.
* هل هناك نسب تعثر كبيرة من الجهات التي قمتم بإقراضها؟
- نسبة التعثر لدينا متدنية جدًا، ويرجع ذلك أولا إلى توفيق الله، ثم لخبرة العاملين في «أبيكورب» وإلمامهم الكبير وتخصصهم في هذا القطاع.
* هل تقرضون حكومات الدول الأعضاء أو دول من الخارج؟
- نعم، نُقدم القروض للدول العربية المساهمة في رأس مال «أبيكورب» بالإضافة إلى غيرها من الدول خارج المنطقة، متى ما وجد هدف تنموي يستدعي ذلك.
* هل تستثمرون في شركات مدرجة في سوق الأسهم السعودية؟
- في محفظة الاستثمارات المباشرة كانت «أبيكورب» شريكا مؤسسا في شركة ينساب، وهي مثال الاستثمار المباشر الوحيد المدرج في الأسواق المالية، ولكن محفظة الخزينة أيضًا تستثمر في الأوراق المالية والأسهم، ولكن في جزء بسيط جدًا من حجم المحفظة.
* هذا يعني أنكم تستثمرون في قطاع البتروكيماويات الذي يُعاني من تقلبات في أسعار النفط؟
- قطاع البتروكيماويات في المنطقة ما زال قطاعًا واعدا، والأقل من حيث تكلفة التصنيع في العالم، بسبب الدعم الحكومي المُقدم، مثله مثل أي قطاع آخر لديه ارتباط بأسعار النفط وتقلباته، لكننا نستثمر بنظرة طويلة المدى، وفق استراتيجية واضحة، وقبل الدخول في أي استثمار تتم دراسة الجدوى والأخذ بجميع الفرضيات الممكنة، وبفضل الله جميع استثماراتنا كانت ناجحة، باستثناء بعض الاستثمارات في الدول التي عانت من بعض الاضطرابات الأمنية.
* تترقب الأسواق المحلية والعالمية خطوة السعودية نحو طرح جزء من شركة «أرامكو» للاكتتاب العام، في حال تم الطرح، هل ستستهدفون الاستثمار في الشركة؟
- طرح جزء من أسهم شركة «أرامكو» سيمثّل فرصة استثمارية كبيرة، ونحن في «أبيكورب» لن نتوانى عن دراسة واقتناص الفرص الاستثمارية المتاحة.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».