أدت مجموعة من الحوادث، مثل الاعتداءات الكثيرة التي وقعت في كولونيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 ضد عدد من السيدات وارتكبها لاجئون رجال ، وارتفاع معدل الجرائم الصغيرة في بعض المدن الألمانية، إلى هجوم وتشكك في التسامح الذي يبديه كثير من الألمان، وهو هش بالفعل في كثير من الحالات. ما حدث أيضا، وإن لم يتم رصده علنا، هو أن بعض الذين حصلوا على اللجوء لم يرتكبوا جرائم فقط، بل أعمالا إرهابية في الخارج، ثم عادوا إلى ألمانيا. وأحد الأمثلة الموثقة كانت لقيادي يمني في ألمانيا حصل على حق اللجوء ثم عاد إلى اليمن حيث ارتكب جريمة عنف. ولكن لو كانت أجهزة الاستخبارات الألمانية تتابع عن كثب ذلك النوع من المجرمين، لم يكن من الممكن أن يرتكب «المرشحون للحصول على اللجوء» أعمالا إرهابية ثم يعودون إلى الاستقرار في ألمانيا.
إصلاح قانون اللجوء
لعبت الأحداث الجغرافية السياسية دورا أساسيا في التغيير الكبير الذي طرأ على ديموغرافية معظم الدول الأوروبية. ومن المؤكد أن نتائج استفتاء المملكة المتحدة مرتبطة بنشر الخوف والفزع تجاه الهجرة. في ألمانيا، أثار ارتفاع أعداد اللاجئين كثيرا من التساؤلات حول الإجراءات الراهنة وإصلاح قانون اللجوء. في عام 2015 تقدم أكثر من 361 ألف شخص بطلبات لجوء إلى ألمانيا، يأتي أكثر من ثلثهم من سوريا. وأحيانا ما تكون الأرقام الحقيقية أعلى من تلك الأرقام الرسمية. ولكن ما معنى كل ذلك عمليا؟
إذا عدنا خطوة إلى الوراء سنجد أن طالبي اللجوء أو اللاجئين أو المهاجرين في العموم لا يمثلون ظاهرة جديدة بالنسبة لألمانيا. ولا يعد مجيء المسلمين إلى ألمانيا على وجه التحديد خبرا جديدا على الإطلاق. جاء المسلمون إلى ألمانيا في إطار العلاقات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية بين ألمانيا والإمبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر. وتم إنشاء قسم لألمانيا في المؤتمر الإسلامي العام وأول مؤسسة تعليمية إسلامية ألمانية للأطفال في عام 1932. في ذلك الوقت كان هناك ثلاثة آلاف مسلم في ألمانيا وكان 300 منهم من أصل ألماني.
ولكن الوضع في القرن الحادي والعشرين لعالم متغير تماما. جاء كثير من طالبي اللجوء، وأغلبهم من دول ذات أغلبية مسلمة، هربا من حروب تسببت في تفاقمها، بدرجة ما، تدخلات من قوى غربية (مثلما يحدث في سوريا والعراق وأفغانستان). وهكذا في قبول أعداد كبيرة من طالبي اللجوء، رأت ألمانيا أنها تتحمل المسؤولية عن مشكلة ساهمت أوروبا والغرب في حدوثها إلى حد ما.
سياسة ميركل المرحبة باللاجئين
ولكن اتضح بعد سياسة ميركيل المرحبة باللاجئين القادمين إلى ألمانيا أن النظام لم يتحمل. ولم يقتصر الأمر على النظام البيروقراطي، بل أيضا التشريع يحتاج إلى تعديل للتكيف مع التدفق البشري الهائل. كذلك أصبحت القضية أكثر تعقيدا من مجرد كونها ترحيبا بلاجئين من دول مختلفة في الشرق الأوسط. ففي أثناء الفوضى، استطاعت عصابات إجرامية استغلال حركة البشر الهائلة عبر الحدود ودخلوا إلى غرب أوروبا بطريق غير شرعية.
قدرة الشرطة الألمانية
فاق الأمر قدرة الشرطة الألمانية، التي كانت في الطبيعي أكثر اعتيادا على معالجة الجريمة وليس مكافحتها، لذلك أصبح الأمر أكبر من قدرات أفرادها تماما. لم يجهزهم التدريب على مثل هذا النوع من الأعمال. وما يمثل تحديا أيضا هو عدم سلاسة عملية التنسيق وتبادل المعلومات بين كثير من الأجهزة الرسمية في ألمانيا. في بعض الأحيان، لم تتوفر للمسؤولين الألمان معلومات استخباراتية تفصيلية عن الأشخاص الذين يمنحونهم حق اللجوء. ولم تتعاون الشرطة الجنائية بما يكفي مع أجهزة الاستخبارات والعكس صحيح.
في مطلع العام الحالي، بدأت إجراءات مهمة في وزارة الداخلية الألمانية تهدف إلى معالجة مشكلات، مثل هل يجب السماح لطالب اللجوء بالبقاء في البلاد إذا ارتكب جرائم، وماذا سيكون وضعه؟ وهل ستتم إعادة طالبي اللجوء إلى بلادهم إذا تحسنت الظروف التي تمر بها تلك البلاد أو استقرت أوضاعها؟ في فبراير (شباط)، تم البدء في إجراءات تتعلق بمشروع قانون جديد خاص باللجوء. يهدف القانون إلى الإسراع بعملية منح اللجوء وأيضا لتسهيل عملية التخلص من طالبي اللجوء الذين يرتكبون جرائم.
في 19 فبراير، ألقى وزير الداخلية توماس دي ميزير خطابا تاريخيا أمام البوندستاغ الألماني، قال فيه: «تظل ألمانيا دولة ذات قلب ولكن أيضا بها قوانين». وأعلنت الحكومة الألمانية أنها تعتزم إيجاد حلول وطنية وأوروبية ودولية لأزمة اللاجئين، ولكنها في الوقت ذاته، تحتاج إلى وضع مصالح ألمانيا في الحسبان.
توجد ثلاث رسائل أساسية. أولا، من الواضح أن الحكومة الألمانية سوف تتبنى إجراءات أكثر صرامة في التعامل مع من يدّعون أنهم جاءوا إلى ألمانيا طلبا للحماية ولكنهم في الحقيقة جاءوا إلى البلاد لأسباب أخرى ويمارسون جميع أنواع الخدع والأكاذيب للبقاء في ألمانيا. سوف تتم زيادة الإجراءات لتمكين عملية الترحيل السريع لغير مستحقي اللجوء. كذلك سوف يتم على الفور إعادة الأشخاص الذي يأتون مما يطلق عليها «دولا آمنة» (يطلق ذلك على سبيل المثال على الجزائر والمغرب وتونس) أو من يرفضون التعاون مع عملية اللجوء الرسمية.
وأوضح الوزير أيضا أن الحكومة الألمانية لن تقبل أن تتجنب دول أوروبية أخرى تحمل مسؤولياتها وأن تحول عبء اللاجئين على ألمانيا بمفردها، ولكنه لم يذكر أي دولة أوروبية شقيقة.
أما بالنسبة للغالبية العظمى ممن يأتون إلى ألمانيا ويلتزمون بقوانين البلاد، فسوف يتلقون معاملة منصفة بهدف اتخاذ قرار السماح لهم بالبقاء في البلاد أو لا في أسرع وقت ممكن.
وتتعلق الرسالة الثالثة الأساسية بطالبي اللجوء الذين يرتكبون جرائم. وهي رسالة واضحة: «ليس لكم مكان في ألمانيا».
في الوقت ذاته، تم تحويل إجراءات اللجوء إلى نظام رقمي مما يجعل من الأيسر والأسرع تعقب طلبات اللجوء ومعالجتها. وهناك وزارة مخصصة فقط لشؤون الهجرة واللاجئين. كما يتم ضخ استثمارات هائلة تهدف إلى الاندماج، حيث تم تعيين ثمانية آلاف معلم لتقديم دورات دراسية عن الاندماج للاجئين. يهدف القانون الجديد إلى تحقيق توازن بين سلامة الحدود والمسؤوليات تجاه الآخرين الذين يحتاجون إلى الحماية بصدق. أصبحت اتفاقية شنغن أكثر أهمية اليوم من ذي قبل، مما يعني حماية الحدود الخارجية مع تطبيق أقل قدر من الضوابط والقيود داخل أوروبا ذاتها.
في حالة رفض أي طلب للجوء، ولم يحصل الطالب على «تصريح إقامة استثنائي»، فيجب عليه أن يغادر البلاد. وإذا لم يغادرها طواعية، سوف تستخدم السلطات قواتها لإجباره على الرحيل. في بعض الحالات، يتحجج طالبو اللجوء بأنهم في حاجة إلى رعاية صحية غير متوفرة في بلدهم الأصلي. وسوف يتم وضع ذلك في الاعتبار في المستقبل.
بالإضافة إلى ذلك، سوف يكون القانون أقل تقبلا لفكرة لم شمل العائلات. أي أنه إذا كان فرد في الأسرة (غالبا رجل) موجودا بالفعل في ألمانيا، فلا يعني ذلك أن أسرته تستطيع اللحاق به تلقائيا. من المأمول أن يساعد ذلك الإجراء على التخفيف من الضغط على النظام الذي أوشك على نقطة الانهيار.
والأهم من ذلك أن القانون الجديد يعني أنه سيكون من الأسهل رفض وضع طالب اللجوء إذا كان متورطا في عمل إجرامي معين. وهكذا من وجهة نظر قانونية ستكون مخالفتهم القانون أكبر من طلبهم الحماية. وفي حالة اليمني الذي ارتكب أعمالا إرهابية، وإن كانت في الخارج، سيكون من الأسهل كثيرا بموجب القانون الجديد ترحيل مثل هذا الشخص إلى بلده.
الرسالة واضحة، إذا كنت طالب لجوء صادق، ستخضع لإجراءات عادلة وستكون لديك فرصة جيدة للبقاء. ولكن إذا لم تلتزم بالقوانين، أو الأسوأ من ذلك إذا ارتكبت جرائم كبيرة، لن تجد تسامحا في المعاملة. إنها دولة ذات قلب ولكن أيضا بها قوانين، وربما تكون القوانين صاحبة الكلمة الأخيرة.
* باحثة حقوقية متخصصة في التنمية الدولية مقيمة في برلين
















