«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

تباين في الاتحاد الأوروبي حيال أسلوب التعامل مع لندن في «استفتاء الخروج»

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟
TT

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

طوت بريطانيا، إذن صفحة الصراع بين دعاة البقاء في الاتحاد الأوروبي والخروج منه بانتصار دعاة الخروج، ودفع رئيس الوزراء البريطاني (السابق الآن) ديفيد كاميرون الثمن بمغادرته مقر رئيس الحكومة 10 داونينغ ستريت، مستقيلاً من منصبه، وتولي تيريزا ماي قيادة الدفة في البلاد. وبالفعل لم تضع وزيرة الداخلية السابقة وقتها، بعيد فوزها بزعامة حزب المحافظين بالتزكية في أعقاب انسحاب منافسيها قبل التصويت، وإجرائها تعديلاً وزاريًا واسعًا وضعت فيه بصماتها على فريقها الحكومي. والآن تعيش بريطانيا مرحلة العد العكسي لعملية التفاوض حول آليات الخروج وتفاصيله. وهذه العملية مرتبطة بشكل أساسي بضرورة تقديم لندن طلبًا رسميًا بهذا المعنى، بموجب ما ورد في المادة 50 من معاهدة لشبونة.

حتى الآن يمكن القول إن الصورة غير واضحة حول توقيت إطلاق مفاوضات «الطلاق البريطاني الأوروبي»، لأنه عقب الاستفتاء، قال ديفيد كاميرون إن المفاوضات ستكون مهمة الحكومة الجديدة اعتبارًا من الخريف المقبل. أما رئيسة الوزراء الجديدة ماي فكانت قد صرّحت في وقت سابق بأن التفاوض قد ينطلق في مطلع العام المقبل 2017، مع العلم بأن هذا أمر رفضت المفوضية الأوروبية التعليق عليه، مؤكدة على الموقف المعلن في قمة بروكسل الأخيرة، بضرورة تقديم لندن طلبًا رسميًا للخروج، وتحديد موعد للتفاوض في أسرع وقت ممكن وذلك وفقًا للمادة 50 من المعاهدة الأوروبية.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قال ديفيد هيلبورن، مدير مؤسسة شومان لخطط مستقبل المشروع الأوروبي، ومقرها العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل، «إنها صدمة للنظام الأوروبي الذي وقع في أخطاء كثيرة خلال السنوات الماضية، شكلت بعض أسباب ما وصلت إليه الأمور الآن». وأردف: «لكنني أعتقد أن مسار خروج بريطانيا سيستغرق وقتًا، وستكون هناك ملفات معقدة سياسية وقانونية مرتبطة بالموضوع»، منوها بأن الاتفاقية الأوروبية تضمنت تفاصيل التحرك في هذا الاتجاه، وفقا للمادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.

حقيقة المادة 50

ولكن ما المادة 50 في اتفاقية الاتحاد الأوروبي؟ إنها مادة سارية المفعول منذ 2009، غير أنها لم تُختبر حتى الآن، وهي تسمح للحكومات بالإخطار عن نيتها بالمغادرة. وحينئذ تبدأ المباحثات بشأن عدد من القضايا بين الدولة الراغبة في الخروج وبقية الأعضاء الآخرين، وفي حال تعذّر التوصل إلى اتفاق، فستتوقف العضوية تلقائيا بعد سنتين من الإخطار. والمادة ليست إلا إطارًا أساسيًا للمغادرة وتحديد التاريخ وعدد من القضايا الأخرى. وهي لا تشمل تلقائيًا قضايا مثل حركة الأشخاص والتجارة، التي قد تستغرق سنوات للتوصل بشأنها إلى اتفاق.
القصد إذن أن الخطوة الأولى تقضي بأن تبادر الحكومة البريطانية (الجديدة) بتقديم طلب للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، سواءً من خلال لجنة أو المجلس الأوروبي، كتابيًا أو شفاهيًا، تعرب فيها عن نيتها تفعيل المادة 50 من الاتفاقية. وبعد تقديم الطلب، يصار إلى عقد اجتماع لدول الاتحاد الـ27 لمناقشة أمر الخروج، ومن هنا تبدأ المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. يعقب ذلك تقديم مسوّدة لاتفاق خروج إلى المجلس الأوروبي لمناقشتها، وهذه المسودة تحتاج إلى موافقة ما لا يقل عن 20 دولة، بما يعادل 65 في المائة من شعوب دول الاتحاد الأوروبي. وخلال المفاوضات، ستطالب بريطانيا باتفاق انتقالي لمواطني الاتحاد من أراضيها، وكذلك للمواطنين البريطانيين في الدول الأخرى، كما سيجري تغيير حالة المصارف (البنوك) والشركات الأوروبية الموجودة في لندن، وكذلك اتفاقيات الصحة، بحسب ما ذكر موقع «بوليتيكو» الأوروبي. ومن ثم، فلن تتضمن المفاوضات فقط فكرة خروج بريطانيا، ولكنها بالتأكيد ستؤسس لعلاقة مستقبلية جديدة بين بريطانيا والكيان الأوروبي، بينما يسمح لهم بالتعامل السياسي والاقتصادي كطرفين فاعلين في العالم.

المفاوضات والمصالح

بطبيعة الحال، سيحاول المفاوضون البريطانيون الذين سيقودهم الوزير الجديد ديفيد ديفيس - الذي أسّست له رئيسته ماي حقيبة متخصّصة دورها الوحيد العملية التفاوضية الخاصة بالخروج - التوصل إلى اتفاق يسمح لهم بأفضل الامتيازات بالنسبة لهم، ووفقا لما يمكن أن تقبله دول الاتحاد. وفي المقابل، سيحاول مفاوضو الاتحاد الأوروبي الإبقاء على بعض الامتيازات الاقتصادية التي ستسمح باستمرار عمل مصارفه وشركاته داخل بريطانيا. وأولى الخطط المطروحة لبحث مستقبل البريطانيين مع الاتحاد هي محاولة التوصل لاتفاق يجعل من حق بريطانيا الحصول على عدد من الامتيازات في علاقة دول غير أعضاء مع الاتحاد، مثل تركيا والنرويج وسويسرا، أو وضع قانون تبادل تجاري على غرار مسوّدة منظمة التجارة العالمية. وفي حال الموافقة، سيتولى البرلمان الأوروبي المُصادقة على المسوّدة، أما في حال تعذّر الاتفاق، فسيُصار إلى بحث فكرة مدّ المفاوضات لفترة أخرى لكن بعد موافقة جميع الدول الأعضاء. وستكون هذه المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي معقّدة ومتشابكة وسيتبعها الكثير من تغيير السياسات واللوائح في كلا الطرفين، لا سيما فكرة الإنفاق والمساعدات الخارجية وحرية التجارة والسياسة الخارجية.
في حالة إعلان مد المفاوضات من جديد، ستتخذ الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي قرارًا بوقف عمل المعاهدات الأوروبية في بريطانيا، وستستكمل جميع الأطراف مفاوضات إجراءات الخروج. وبعد التوصل إلى تفاق نهائي وتفاهم على جميع النقاط، يعلن الاتحاد الأوروبي خروج بريطانيا من عضويته، ويليه إلغاء البرلمان البريطاني قانون الجماعات الأوروبية 1972، وهو قانون خاص ببريطانيا يسمح بتداخل قانون الاتحاد الأوروبي بالقوانين الداخلية للمملكة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد. إذا ما أرادت بريطانيا العودة مجددا للاتحاد الأوروبي، فسيكون عليها تقديم ملفها مثل أي دولة أخرى، ومن ثم يفتح باب التفاوض من جديد.
وفيما وُصف بأنه جسّ نبض بريطاني، ورد في تصريحات صدرت في لندن حول إمكانية إجراء مفاوضات «غير رسمية»، قال لـ«الشرق الأوسط» مصدر داخل المؤسسات الاتحادية في بروكسل (فضّل التكتم على اسمه): «إن موقف الاتحاد الأوروبي واضح في هذا الشأن»، وأضاف أن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك «عبّرا بشكل واضح عن الموقف الأوروبي الجماعي من جانب قادة دول الاتحاد الـ27 في قمتهم الأخيرة، عندما شدّدا على أنه لا إطلاق للمفاوضات مع لندن قبل التقدم بطلب رسمي للخروج». ولفت المصدر إلى ما جاء على لسان يونكر من أنه «أصدر تعليمات لأعضاء المفوضية وكبار المسؤولين فيها بألا يفاوضوا أو يقدموا معلومات حول هذا الملف».

تباين أوروبي

غير أن ثمة تباينًا ظهر في مواقف العواصم الأوروبية خلال الفترة الماضية حيال إجبار بريطانيا على تقديم الطلب في أسرع وقت ممكن أو إعطائها فرصة من الوقت ولكن دون مماطلة. فبعد ظهور نتيجة الاستفتاء البريطانية رأت لمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «أنه لا حاجة لكي يكون الاتحاد الأوروبي قاسيًا بأي طريقة من الطرق» في مفاوضاته مع بريطانيا بشأن خروجها من الكتلة الأوروبية. وشدّدت على أن ردع الدول الأخرى من مغادرة الاتحاد يجب ألا يكون أولوية في المفاوضات، مضيفة أنها لا تفضل الدفع في الانسحاب السريع لبريطانيا. وجاء كلام ميركل بعدما حثّ عدد من وزراء الخارجية الأوروبيين، من بينهم وزير خارجية ألمانيا، بريطانيا على الإسراع في تنفيذ خروجها.
ميركل قالت إنها تسعى إلى إيجاد مناخ «موضوعي وجيد في المفاوضات (مع لندن) التي يجب أن تجرى بصورة مناسبة ولائقة». وهذا الموقف المعتدل يخالف موقف وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير (زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي/ الاشتراكي) شريك حزب ميركل الديمقراطي المسيحي في الائتلاف الألماني الحاكم، الذي حث على بدء المفاوضات «في أسرع وقت». وجاء كلام شتاينماير عقب اجتماع طارئ للدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي لبحث القرار.
وفي وقت سابق أيضًا، صرّح الرئيس الإستوني توماس هندريك، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، بأنه لا يعتقد «بوجود أي إمكانية قانونية لإجبار بريطانيا على الإسراع في عملية الخروج». وأردف: «أتفهّم أنه من الصعب للغاية لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون، الذي كان يعارض الخروج من الاتحاد الأوروبي، أن يمضي الآن قدما للقيام بهذا. ولذا أعتقد أنه يجب علينا أن نمنحهم وقتا، والسماح لهم بأن يقرروا مدى السرعة التي يريدونها لإنجاز ذلك».
أما رئيس المفوضية يونكر، ورغم موقفه المتصلب فإنه اعتبر تقدم لندن طلبًا رسميًا البداية الضرورية، ولكن بعد ذلك «يمكن أن تبدأ مفاوضات تستغرق سنتين من أجل التوصل إلى اتفاق بين الجانبين». ومما قاله يونكر إنه قبل التفاوض مع بريطانيا حول مغادرة الاتحاد «اختفى من قادوا عملية الخروج»، وأضاف في مداخلة له أمام البرلمان الأوروبي: «إن البطل الحقيقي يبقى على ظهر السفينة حين تواجه عواصف أو مخاطر»، وأبدى استياءه من امتناع لندن بعد الاستفتاء عن طرح أي مقترحات ملموسة، معلقًا: «أتفهّم الإحباط الموجود الذي يحتاج إلى بعض الوقت، ولكن هذا لا يمنع إمكانية تقديم خطط للتحرك».
من جانبه اعتبر توسك، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، أن الأحداث التي جرت في الفترة الماضية «أنتجت الكثير من المشاعر السلبية، ولكن لا يجوز الاستسلام لهذه المشاعر، بل يجب المحافظة على القدرة على إجراء تقييمات واقعية واتخاذ قرارات عقلانية». وقال توسك أمام أعضاء البرلمان الأوروبي: «إن هناك استعدادًا من اليوم لبدء التفاوض مع لندن حول طلاق ودي.. وسنقف في هذه العملية التفاوضية بحزم على أسس المعاهدات التي خصّصت لمثل هذه الحالة». وأوضح توسك أن المعاهدات واضحة في التعامل مع الأمور المرتبطة بخروج أي من الدول الأعضاء الراغبة في ذلك. وشدد على أن الاتحاد لا ينوي بدء أي مفاوضات حول مستقبل العلاقة بل سيتحدد شكل العلاقات في المستقبل بناء على التوازن بين الحقوق والواجبات. وإذا كان هناك تضارب في المصالح سيعمل الاتحاد من أجل مصلحته.
وأعرب توسك عن إحباطه بسبب «التعليقات الحادة ضد مؤسسات الاتحاد التي من شأنها تعميق الارتباك»، وحث عواصم الدول الأعضاء على «الكف عن توجيه الاتهامات للمؤسسات الاتحادية وعدم التركيز على نقاط الفشل والضعف»، داعيًا لتوحيد «الجهود للاتفاق على المصلحة المشتركة بدلا من المصالح الفردية».

مرحلة الشكوك

القمة الأوروبية الأخيرة التي استضافتها بروكسل أشارت إلى آليات تفعيل هذا الخروج في أسرع الآجال من أجل تفادي «مرحلة الشكوك»، وفق دونالد توسك. ومن جهة ثانية، بدأت سلوفاكيا في يوليو (تموز) الحالي فترة الرئاسة الدورية للاتحاد التي تستمر حتى نهاية العام، وثمة من يتوقع أن تكون المفاوضات المرتقبة صعبة ومعقدة بين لندن وبروكسل في ظل قيادة سلوفاكيا للاتحاد. أما على الجانب البريطاني، فستقود تيريزا ماي الفريق البريطاني، بصفتها رئيسة الحكومة، ومعها ديفيد وزير «الخروج من أوروبا»، ووزير الخارجية الجديد بوريس جونسون الذي كان أحد قادة حملة الخروج قبل الاستفتاء التاريخي الذي صوّت لصالح الخروج بفارق ضئيل.
حسب تقارير إعلامية غربية فإن ماي ضمنيًا من «المشككين» في المشروع الأوروبي، إلا أنها فضلت مطلع العام البقاء وفية لرئيس الحكومة كاميرون. ثم انضمت إليه في الدفاع عن البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، بيد أنها لم تبذل جهودًا كبيرًا في هذا الإطار، وواصلت الكلام عن ضرورة الحد من تدفق المهاجرين، مما قربها من معسكر دعاة الخروج. وللعلم، تعد ماي، النحيفة الطويلة القامة ذات الشعر الرمادي القصير، أقرب إلى التيار اليميني المحافظ داخل حزب المحافظين الحاكم، رغم طرحها بعض المواضيع الاجتماعية لجذب المؤيدين.

ماي.. الحازمة

وإبان توليها حقيبة وزارة الداخلية منذ عام 2010 انتهجت خطًا متشددًا؛ أكان في تعاطيها مع المنحرفين أو المهاجرين غير الشرعيين أو الدعاة الإسلاميين المتشددين. وإذا كان البعض يأخذ عليها افتقارها إلى الجاذبية، فإنهم يقرّون لها بالكفاءة بل يرون فيها بعض التسلط. وحسب جريدة «ديلي تلغراف» البريطانية المحافظة فهي «قادرة على أن تكون حازمة جدًا»، وهو ما شجّع البعض على تلقيبها بـ«مارغريت ثاتشر الجديدة». لكنها في الحقيقة أقرب إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فوالدا الزعيمتين قسّان، وهما محافظتان وعمليتان منفتحتان للتسويات، ولم ترزقا بأولاد.
وحول «الحزم» وصفت ماي نفسها ذات مرة قائلة: «أنا لا أتجول بين محطات التلفزيون، ولا أحب الثرثرة خلال الغداء، ولا أحتسي الكحول في حانات البرلمان، ولا أوزّع العواطف المجانية. أنا أقوم بعملي لا أكثر ولا أقل».
وعندما قال عنها النائب والوزير المحافظ السابق كينيث كلارك إنها «صعبة فعلاً»، ردّت عليه مازحة: «أول من سيلاحظ ذلك جان كلود يونكر» في إشارة إلى مفاوضات الخروج المتوقعة مع رئيس المفوضية الأوروبية.
ولم يعلق المتحدث باسم المفوضية ماغريتس شيناس، على تصريحات سابقة لماي عن أن تفعيل المادة 50 قد لا يتم قبل العام المقبل، لكنه أوضح أنه «لا أحد يستطيع تفعيل هذه المادة إلا الدولة الراغبة بالخروج من الاتحاد». وبشأن تلميحها إلى تشددها كمفاوضة مع الأوروبيين، قال شيناس «سأرد بالطريقة ذاتها، وأقول إن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، قادر على المواجهة».
على صعيد ثانٍ، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز إن «الرسالة كانت واضحة جدًا من القادة الأوروبيين إلى حكومة كاميرون والشعب البريطاني». واستطرد شولتز على هامش القمة: «انظروا إلى الاضطرابات التي حدثت في الأسواق المالية والتأثير على الاستثمار، وأيضًا إلى توقّعات وكالات التصنيف وغيرها، وكذلك انخفاض سعر الجنيه. إنها أكبر رد على الاستفتاء والنتائج، والمطلوب الآن من حكومة كاميرون التحرك بسرعة للخروج من الاتحاد. نحن نتفهم أنه يحتاج إلى عدة أسابيع، ولكن بعدها يجب أن ينفذ متطلّبات الاستفتاء وبدء التفاوض على المغادرة». وردّ رئيس البرلمان كل المزاعم القائلة بإمكانية تراجع لندن عن موقفها، قائلاً: «نتائج الاستفتاء واضحة، مع أنها جاءت عكس ما كنا نتمناه، والآن يتعين احترام إرادة الشعب البريطاني وقراره السيادي».
وفي المقابل، قال زعيم اليمين البلجيكي المتشدد فيليب ديونتر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عقب نتائج الاستفتاء البريطاني: «أنا سعيد جدًا ومن مؤيدي الاستفتاء ونتائجه، خصوصًا أنه خلال السنوات الأخيرة عرفت الدول الأوروبية المزيد من المهاجرين، والمزيد من الضرائب، والمزيد من القوانين الأوروبية التي لا تجد قبولاً لدى المواطنين.. ولهذا خرج البريطانيون وصوّتوا لصالح الخروج من عضوية التكتل الأوروبي الموحّد». وأضاف «يجب تنظيم استفتاء في بلجيكا بعدما حدث في بريطانيا. لقد وصف البريطانيون يوم التصويت بالخروج بيوم الحرية ويوم الاستقلال في بريطانيا، والآن أعتقد أن ثمة دولاً أخرى ستسير على الطريق نفسه، لأن الشعوب الأوروبية تحمّلت الكثير بسبب سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن هناك أمورًا لم تُدر بشكل ديمقراطي. لقد تحول المشروع الأوروبي الاقتصادي إلى مشروع سياسي، وتحول الاتحاد الأوروبي إلى كتلة من الدول حدودها مفتوحة وتستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمهاجرين من دون مراقبة، لقد استعاد البريطانيون بلدهم، ونحن في بلجيكا نريد ذلك أيضًا، وكذلك في فرنسا وهولندا».



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.