بيلي إليوت.. دهشة كل مرة

بعد 11 عامًا من عرضها بلندن.. جولات في أنحاء بريطانيا وآيرلندا

احتفاء بالعرض الأخير في لندن
احتفاء بالعرض الأخير في لندن
TT

بيلي إليوت.. دهشة كل مرة

احتفاء بالعرض الأخير في لندن
احتفاء بالعرض الأخير في لندن

في عام 2010، في زيارة إلى لندن، تسنىّ لي – من بين «غنائم» ثقافية عدة – حضور المسرحية الغنائية الاستعراضية «بيلي إليوت» على خشبة مسرح «فيكتوريا بالاس». تصادف ذلك العام الاحتفال بمرور خمس سنوات على انطلاق العمل، ذي الإنتاج السخي، نجح خلالها في أن يكون من العروض الأكثر جذبا في منطقة الـ«ويست إند»، قلب النشاط الترفيهي في العاصمة البريطانية، متوِّجا نجاحه النقدي والجماهيري بنيله أربع جوائز «لورانس أوليفييه» من أصل تسعة ترشيحات للجائزة المسرحية المرموقة التي تقدمها جمعية المسرح في لندن.
والحق يقال، إنه بينما كانت قدماي تتقدمان خطوةً نحو العرض المسرحي، فإن قلبي كان ينسحب خطوات؛ ذلك أن العمل يقوم حكايةً وحبكةً على الفيلم البريطاني الدافئ «بيلي إليوت» (2000)، الذي كان من بين تجارب سينمائية قليلة جدا ولافتة ذات وقعٍ بالغ الأثر في ذاتي، وهي تجربة عاطفية سكنت جوارحي. أعتقد أن تلكّؤ قلبي عن متابعة «بيلي إليوت ذا ميوزيكال» مردّه أنني كنتُ أخشى أن أفقد الأثر البهي للفيلم، أو بالأحرى الدهشة الأولى للرواية السينمائية الأولى التي استقر سحرها في نفسي عميقا. لكن الشوق، في النهاية، غلبني؛ أردت أن أعيش التجربة من مقاربة ثانية، مسرحيا هذه المرة، مجازفة بالتفريط بتحويشة السحر المصرورة في خيالي.
ومع أن واضع «صيغة» المسرحية هو نفسه مؤلف الفيلم: الكاتب البريطاني لي هول، كما أن مخرج المسرحية، كما الفيلم، هو رفيق دربه ستيفن دالدري؛ وهو ما يضمن حدا أدنى متوقعا من الالتزام بالسحر الأصلي، إلا أن ذلك كله لم يكن كافيا لطمأنتي، نظريا على الأقل.
تروي مسرحية «بيل إليوت ذا ميوزيكال» – على غرار الفيلم – قصة الفتى بيلي إليوت، يتيم الأم، الذي يعيش في دارم كاونتي، في منطقة نورث إيست (شمال شرق إنجلترا)، مع والده وشقيقه الأكبر وجدته. يقع بيلي في غرام الباليه، ويجد نفسه ملتحقا بصف الرقص مع مجموعة من الفتيات، متهيبا ومترِدا أول الأمر قبل أن يجرفه الشغف للفن الشفيف، مضطرا في الوقت نفسه إلى إخفاء الأمر عن والده، عامل المنجم، الذي يعتقد أن صغيره يتلقى دروسا في الملاكمة. حين تكتشف مسز ويلكنسون، مدربة الباليه والمشرفة على الصف، موهبة الفتى الفطرية، تواصل إعطاءه دروسا خاصة وحده بعدما أقنعته بأن لديه فرصة كي يلتحق بكلية الباليه الملكية في لندن. لكن بيلي يضطر إلى التفريط بحلم الرقص – مؤقتا – بعدما اكتشف والده الأمر، الذي يرى في الباليه ترفا (وربما «فعلا غير رجولي»)، كل ذلك وسط تصاعد الأحداث دراميا على خلفية إضراب عمال مناجم الفحم في بريطانيا في الفترة 1984 – 1985، وما رافق ذلك من احتقان مجتمعي مع تحوّل الاشتباكات بين العمال وبين شرطة مكافحة الشغب إلى واقع يومي في ما عُدّ «أسوأ نزاع صناعي شهدته بريطانيا في تاريخها»، كما وصفته «بي بي سي» في تقرير لها، انتهى بهزيمة مُرة لنقابة العمال لتعزّز حكومة مارغريت ثاتشر قبضتها، فارضةً برنامجها الاقتصادي الذي تسبّب في طحن مجتمع صناعي بأكمله. يتحدث هول عن تلك الحقبة الثاتشرية المريرة في مقالة ضافية له تتناول الظروف الاجتماعية والسياسية لنصه السينمائي – المسرحي قائلا: «بدا الأمر في نورث إيست كما لو كنا تحت الحصار. البطالة كانت متفشية، وبدت ثاتشر كما لو أنها تهاجم كل ما كان يشكّل مصدر فخار واعتزاز للمنطقة: إرثها الصناعي، وإحساسها بوجود هدف مشترك، حتى روح الدعابة الفطرية كانت تتعرض للهجوم من غطرسة الطبقة الوسطى التي مثّلتها ثاتشر».
بالنسبة لهول، كما للمشاهدين الذين تابعوا طريق بيلي إليوت إلى الأمل والإبداع، عبر الشاشة السينمائية، ثم على خشبة المسرح، فإن نجاة الفتى من اليأس وارتقاءه من القاع، محلِّقا في الفضاء بالمعنيين المادي والمعنوي للتحليق وهو يرقص إنما ينجينا وينتشلنا من «الانحطاط» ولو آنيا. وحين يتمكن من تحقيق حلمه أخيرا، فإن في ذلك إرضاء عظيما لذواتنا التي تنشد التحرر والانطلاق والتعبير عن الذات. والأهم أن هذا التحرّر الفردي للفتى بيلي لم يكن ليتم لولا تضافر مجتمعه معه، وإيمان أقرب الناس به: والده، الذي يصرّ أخيرا على أن يساعد ابنه في تحقيق حلمه، مقتنعا بأن صغيره «يمكن أن يكون نجما». فالإبداع، وإن كان منتجا فرديا أو صنيعة ذاتية، فإنه يشعّ ويتوهّج أكثر بدعم جمعي أو مجتمعي. ويوم يغادر بيلي بلدته المطحونة إلى لندن ساعيا وراء تحقيق طموحه بصفته راقص باليه، لا يجد والده وشقيقه ورجال مجتمعه بُدّا من النزول إلى القاع فعليا، عائدين إلى مناجمهم، بعد «فض» الإضراب، الذي انتهى بهزيمتهم. على الأقل تم صنع أمل وحيد من بينهم، من خلال فتاهم بيلي، مطمئنين إلى أنه لن يهوي معهم إلى ظلمة قاعهم.
أعترف بأن الفرجة المسرحية التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات لم تسلب أيًّا من الدهشة الأولى، دهشة الرواية السينمائية، بل على العكس تماما رسختها، مع «علاوة» جمالية إضافية تمثّلت في توليفة موسيقية وغنائية، اتكأت على «ليبريتو» ملهم، ذي نبرة عاطفية جيّاشة وضعها الموسيقي البريطاني المبدع إلتون جون، فجُدلت كلمات الأغنيات بالألحان بسلاسة، حتى ليبدو كما لو أن الكلمات، التي صاغها لي هول بوصفه الأقرب إلى روح نصه، هي التي حفزت الموسيقى، أو لعل الموسيقى هي التي وُلدت من رحم الكلمات دون كبير تدخل ودون تعسُّر في عملية الخلْق. ولعل أغنيتي «الرسالة» و«كهرباء» من الأمثلة الحيية على التلازم العضوي بين الكلمة والنغمة. في الأولى، يقرأ بيلي رسالة تركتها أمّه له، تتخيّله فيها وقد كبر، بعدما مرت سنوات على رحيلها، وتتخيّل كل الأشياء الجميلة في حياته التي فاتتها: كأن تراه وهو يكبر وهو يبكي وهو يضحك؛ وفي الثانية يصف بيلي شعوره حين يرقص، وهو شعور – في معرض وصفه – أشبه بتيار كهربائي يسري فيه، فيكون كما لو أنه يستلّه من شعورنا نحن، في ما نتابع رحلته، حتى إن الأمر يبدو أقرب ما يكون إلى شعور تطهيري، فردي بقدر ما هو جماعي لا يني ينتشل الروح من وحْل اليأس. في النهاية، خرجتُ من «الفرجة» المسرحية، أكثر افتتانا بالحكاية، وأكثر اكتمالا، مستعيدة الدهشة، باتساع شاسع في العينين، مسلمةً درفات النفس المشرعة لكل ذاك البهاء، دون أدنى نقص أو فتور.
لكن هذه الدهشة «الثانية» ظلّت قابلةً للاختبار؛ ففي الشهر الماضي، في آخر زيارة إلى لندن، توقفت أمام واجهة مسرح «فيكتوريا بالاس»، أفتّش عن ملصق المسرحية الذي انطبع في ذاكرتي. راعني توقف العرض بسبب خضوع مبنى المسرح لعمليات تجديد. بعد بحث، اكتشفت أن المسرحية تقوم بجولة في مختلف أنحاء بريطانيا وآيرلندا، وكانت أولى عروض هذه الجولة تُقدَّم على خشبة مسرح «ويلز ميلينيام سنتر» في مدينة كارديف، عاصمة ويلز، التي تبعد عن لندن أكثر من ساعتين بالقطار. وهكذا كان.. لم أقاوم استدعاء الشعور من جديد بعد ست سنوات، فقطعت الطريق من لندن إلى كارديف، لأعيش الدهشة للمرة الثالثة. لم يكبر الفتى بيلي، ها هو ببنيته الطرية «الخام» يرقص ويطير ويغني، مكتشفا ذاته لأول مرة. بل بدا لي أحلى وأرقّ. البكاء هو البكاء والضحك هو الضحك، كلاهما من القلب، من قلْب القلب، لتكون المحصِّلة «فرجةً» أكثر إدهاشا.
هذه هي عظمة الفن وعظمة الإبداع، أن تظل تُدهش في كل قراءة وفي كل مشاهدة وفي كل فضاء تعبيري، في كل الأزمنة وفي كل الأماكن. وفي كل مرة، تكون كأنها أول مرة، وربما أجمل.

*كاتبة فلسطينية تقيم في دبي



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة

عاجل ترمب: هناك من سرب معلومات عن الطيار الثاني لإيران وسنصل إليه لأنها مسألة أمن قومي