بيلي إليوت.. دهشة كل مرة

بعد 11 عامًا من عرضها بلندن.. جولات في أنحاء بريطانيا وآيرلندا

احتفاء بالعرض الأخير في لندن
احتفاء بالعرض الأخير في لندن
TT

بيلي إليوت.. دهشة كل مرة

احتفاء بالعرض الأخير في لندن
احتفاء بالعرض الأخير في لندن

في عام 2010، في زيارة إلى لندن، تسنىّ لي – من بين «غنائم» ثقافية عدة – حضور المسرحية الغنائية الاستعراضية «بيلي إليوت» على خشبة مسرح «فيكتوريا بالاس». تصادف ذلك العام الاحتفال بمرور خمس سنوات على انطلاق العمل، ذي الإنتاج السخي، نجح خلالها في أن يكون من العروض الأكثر جذبا في منطقة الـ«ويست إند»، قلب النشاط الترفيهي في العاصمة البريطانية، متوِّجا نجاحه النقدي والجماهيري بنيله أربع جوائز «لورانس أوليفييه» من أصل تسعة ترشيحات للجائزة المسرحية المرموقة التي تقدمها جمعية المسرح في لندن.
والحق يقال، إنه بينما كانت قدماي تتقدمان خطوةً نحو العرض المسرحي، فإن قلبي كان ينسحب خطوات؛ ذلك أن العمل يقوم حكايةً وحبكةً على الفيلم البريطاني الدافئ «بيلي إليوت» (2000)، الذي كان من بين تجارب سينمائية قليلة جدا ولافتة ذات وقعٍ بالغ الأثر في ذاتي، وهي تجربة عاطفية سكنت جوارحي. أعتقد أن تلكّؤ قلبي عن متابعة «بيلي إليوت ذا ميوزيكال» مردّه أنني كنتُ أخشى أن أفقد الأثر البهي للفيلم، أو بالأحرى الدهشة الأولى للرواية السينمائية الأولى التي استقر سحرها في نفسي عميقا. لكن الشوق، في النهاية، غلبني؛ أردت أن أعيش التجربة من مقاربة ثانية، مسرحيا هذه المرة، مجازفة بالتفريط بتحويشة السحر المصرورة في خيالي.
ومع أن واضع «صيغة» المسرحية هو نفسه مؤلف الفيلم: الكاتب البريطاني لي هول، كما أن مخرج المسرحية، كما الفيلم، هو رفيق دربه ستيفن دالدري؛ وهو ما يضمن حدا أدنى متوقعا من الالتزام بالسحر الأصلي، إلا أن ذلك كله لم يكن كافيا لطمأنتي، نظريا على الأقل.
تروي مسرحية «بيل إليوت ذا ميوزيكال» – على غرار الفيلم – قصة الفتى بيلي إليوت، يتيم الأم، الذي يعيش في دارم كاونتي، في منطقة نورث إيست (شمال شرق إنجلترا)، مع والده وشقيقه الأكبر وجدته. يقع بيلي في غرام الباليه، ويجد نفسه ملتحقا بصف الرقص مع مجموعة من الفتيات، متهيبا ومترِدا أول الأمر قبل أن يجرفه الشغف للفن الشفيف، مضطرا في الوقت نفسه إلى إخفاء الأمر عن والده، عامل المنجم، الذي يعتقد أن صغيره يتلقى دروسا في الملاكمة. حين تكتشف مسز ويلكنسون، مدربة الباليه والمشرفة على الصف، موهبة الفتى الفطرية، تواصل إعطاءه دروسا خاصة وحده بعدما أقنعته بأن لديه فرصة كي يلتحق بكلية الباليه الملكية في لندن. لكن بيلي يضطر إلى التفريط بحلم الرقص – مؤقتا – بعدما اكتشف والده الأمر، الذي يرى في الباليه ترفا (وربما «فعلا غير رجولي»)، كل ذلك وسط تصاعد الأحداث دراميا على خلفية إضراب عمال مناجم الفحم في بريطانيا في الفترة 1984 – 1985، وما رافق ذلك من احتقان مجتمعي مع تحوّل الاشتباكات بين العمال وبين شرطة مكافحة الشغب إلى واقع يومي في ما عُدّ «أسوأ نزاع صناعي شهدته بريطانيا في تاريخها»، كما وصفته «بي بي سي» في تقرير لها، انتهى بهزيمة مُرة لنقابة العمال لتعزّز حكومة مارغريت ثاتشر قبضتها، فارضةً برنامجها الاقتصادي الذي تسبّب في طحن مجتمع صناعي بأكمله. يتحدث هول عن تلك الحقبة الثاتشرية المريرة في مقالة ضافية له تتناول الظروف الاجتماعية والسياسية لنصه السينمائي – المسرحي قائلا: «بدا الأمر في نورث إيست كما لو كنا تحت الحصار. البطالة كانت متفشية، وبدت ثاتشر كما لو أنها تهاجم كل ما كان يشكّل مصدر فخار واعتزاز للمنطقة: إرثها الصناعي، وإحساسها بوجود هدف مشترك، حتى روح الدعابة الفطرية كانت تتعرض للهجوم من غطرسة الطبقة الوسطى التي مثّلتها ثاتشر».
بالنسبة لهول، كما للمشاهدين الذين تابعوا طريق بيلي إليوت إلى الأمل والإبداع، عبر الشاشة السينمائية، ثم على خشبة المسرح، فإن نجاة الفتى من اليأس وارتقاءه من القاع، محلِّقا في الفضاء بالمعنيين المادي والمعنوي للتحليق وهو يرقص إنما ينجينا وينتشلنا من «الانحطاط» ولو آنيا. وحين يتمكن من تحقيق حلمه أخيرا، فإن في ذلك إرضاء عظيما لذواتنا التي تنشد التحرر والانطلاق والتعبير عن الذات. والأهم أن هذا التحرّر الفردي للفتى بيلي لم يكن ليتم لولا تضافر مجتمعه معه، وإيمان أقرب الناس به: والده، الذي يصرّ أخيرا على أن يساعد ابنه في تحقيق حلمه، مقتنعا بأن صغيره «يمكن أن يكون نجما». فالإبداع، وإن كان منتجا فرديا أو صنيعة ذاتية، فإنه يشعّ ويتوهّج أكثر بدعم جمعي أو مجتمعي. ويوم يغادر بيلي بلدته المطحونة إلى لندن ساعيا وراء تحقيق طموحه بصفته راقص باليه، لا يجد والده وشقيقه ورجال مجتمعه بُدّا من النزول إلى القاع فعليا، عائدين إلى مناجمهم، بعد «فض» الإضراب، الذي انتهى بهزيمتهم. على الأقل تم صنع أمل وحيد من بينهم، من خلال فتاهم بيلي، مطمئنين إلى أنه لن يهوي معهم إلى ظلمة قاعهم.
أعترف بأن الفرجة المسرحية التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات لم تسلب أيًّا من الدهشة الأولى، دهشة الرواية السينمائية، بل على العكس تماما رسختها، مع «علاوة» جمالية إضافية تمثّلت في توليفة موسيقية وغنائية، اتكأت على «ليبريتو» ملهم، ذي نبرة عاطفية جيّاشة وضعها الموسيقي البريطاني المبدع إلتون جون، فجُدلت كلمات الأغنيات بالألحان بسلاسة، حتى ليبدو كما لو أن الكلمات، التي صاغها لي هول بوصفه الأقرب إلى روح نصه، هي التي حفزت الموسيقى، أو لعل الموسيقى هي التي وُلدت من رحم الكلمات دون كبير تدخل ودون تعسُّر في عملية الخلْق. ولعل أغنيتي «الرسالة» و«كهرباء» من الأمثلة الحيية على التلازم العضوي بين الكلمة والنغمة. في الأولى، يقرأ بيلي رسالة تركتها أمّه له، تتخيّله فيها وقد كبر، بعدما مرت سنوات على رحيلها، وتتخيّل كل الأشياء الجميلة في حياته التي فاتتها: كأن تراه وهو يكبر وهو يبكي وهو يضحك؛ وفي الثانية يصف بيلي شعوره حين يرقص، وهو شعور – في معرض وصفه – أشبه بتيار كهربائي يسري فيه، فيكون كما لو أنه يستلّه من شعورنا نحن، في ما نتابع رحلته، حتى إن الأمر يبدو أقرب ما يكون إلى شعور تطهيري، فردي بقدر ما هو جماعي لا يني ينتشل الروح من وحْل اليأس. في النهاية، خرجتُ من «الفرجة» المسرحية، أكثر افتتانا بالحكاية، وأكثر اكتمالا، مستعيدة الدهشة، باتساع شاسع في العينين، مسلمةً درفات النفس المشرعة لكل ذاك البهاء، دون أدنى نقص أو فتور.
لكن هذه الدهشة «الثانية» ظلّت قابلةً للاختبار؛ ففي الشهر الماضي، في آخر زيارة إلى لندن، توقفت أمام واجهة مسرح «فيكتوريا بالاس»، أفتّش عن ملصق المسرحية الذي انطبع في ذاكرتي. راعني توقف العرض بسبب خضوع مبنى المسرح لعمليات تجديد. بعد بحث، اكتشفت أن المسرحية تقوم بجولة في مختلف أنحاء بريطانيا وآيرلندا، وكانت أولى عروض هذه الجولة تُقدَّم على خشبة مسرح «ويلز ميلينيام سنتر» في مدينة كارديف، عاصمة ويلز، التي تبعد عن لندن أكثر من ساعتين بالقطار. وهكذا كان.. لم أقاوم استدعاء الشعور من جديد بعد ست سنوات، فقطعت الطريق من لندن إلى كارديف، لأعيش الدهشة للمرة الثالثة. لم يكبر الفتى بيلي، ها هو ببنيته الطرية «الخام» يرقص ويطير ويغني، مكتشفا ذاته لأول مرة. بل بدا لي أحلى وأرقّ. البكاء هو البكاء والضحك هو الضحك، كلاهما من القلب، من قلْب القلب، لتكون المحصِّلة «فرجةً» أكثر إدهاشا.
هذه هي عظمة الفن وعظمة الإبداع، أن تظل تُدهش في كل قراءة وفي كل مشاهدة وفي كل فضاء تعبيري، في كل الأزمنة وفي كل الأماكن. وفي كل مرة، تكون كأنها أول مرة، وربما أجمل.

*كاتبة فلسطينية تقيم في دبي



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».