سوريون بترت أطرافهم يحاولون التكيف مع حياتهم الجديدة

منظمة دولية توفر لهم أطرافا صناعية في لبنان

السورية ريم ذياب تخلع ساقها الصناعية بمساعدة قريبتها في وادي البقاع وكانت فقدت ساقها جراء سقوط قذيفة على منزلها في خان شيخون (أ.ب)
السورية ريم ذياب تخلع ساقها الصناعية بمساعدة قريبتها في وادي البقاع وكانت فقدت ساقها جراء سقوط قذيفة على منزلها في خان شيخون (أ.ب)
TT

سوريون بترت أطرافهم يحاولون التكيف مع حياتهم الجديدة

السورية ريم ذياب تخلع ساقها الصناعية بمساعدة قريبتها في وادي البقاع وكانت فقدت ساقها جراء سقوط قذيفة على منزلها في خان شيخون (أ.ب)
السورية ريم ذياب تخلع ساقها الصناعية بمساعدة قريبتها في وادي البقاع وكانت فقدت ساقها جراء سقوط قذيفة على منزلها في خان شيخون (أ.ب)

بوجه يعلوه العبوس الشديد، أدخل مصطفى أحمد الجزء المتبقي من قدمه المبتورة إلى ما قبل الركبة داخل ساقه الصناعية، مادا ذراعيه في الهواء لإحداث التوازن المطلوب لجسده. يقوم أحمد ببطء ويبدأ في المشي، الذي يشوبه العرج، نحو باب خيمته المتهالكة ذات الأرضية المتسخة.
تقف مجموعة من الأطفال ذوي شعر أشعث خارج الخيمة يختلسون النظر إليه من خلال فرجة في جدار الخيمة ليروا تلك العملية التي منحت أحمد أخيرا طرفا صناعيا، بعد أن كان قد فقد قدمه خلال قصف استهدف مسقط رأسه في شمال سوريا. يقول أحمد وهو يتصبب عرقا: «يغمرني شعور جارف بأني أريد أن أتمشى طويلا حتى أذهب لزيارة أصدقائي وجيراني. إنني أشعر وكأنني استعدت ساقي المبتورة، أشعر وكأنني عدت لطبيعتي مرة أخرى».
حصدت الحرب الأهلية السورية، التي دخلت عامها الرابع الشهر الماضي، أرواح أكثر من 150,000 شخص، فضلا عن عدد الجرحى، الذي يصل إلى أكثر من 500,000 شخص حسب إحصائيات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهناك عدد لا يحصى من تلك الإصابات – لا توجد إحصائيات موثقة على ذلك – حولت أصحابها إلى خانة المعاقين جسديا، حسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
ولا يعتبر الصراع داخل سوريا مختلفا في هذا الشأن، إذ إن كل الحروب ينتج عنها الكثير من القتلى والمصابين والمشوهين، لكن الاختلاف يكمن في نوعية الأسلحة المستخدمة في ارتكاب المذابح، التي تجري خلال كل صراع على حدة. ففي كولومبيا على سبيل المثال، كانت الألغام هي السبب الرئيس وراء حالات التشوه وفقدان أجزاء من الجسم. أما في العراق فكانت القنابل، التي تُزرع على جانبي الطريق، والتفجيرات الانتحارية، هي التي تقف وراء تلك الإصابات. وفي حالة سوريا، تقف الضربات الجوية ووابل المدفعية كمتهم رئيس وراء حالات التشوه والإعاقة الجسدية.
كانت الشظايا الناجمة عن ضربة جوية، شنتها القوات الحكومية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2011 على بلدة دير حافر التابعة لمدينة حلب، هي السبب وراء فقدان أحمد لساقه. ويقول أحمد، ذلك الفتى الخجول البالغ من العمر 19 عاما ذو الشعر الأسود الكثيف: «عندما استعدت الوعي للمرة الأولى بعد تلك الضربة الجوية شعرت بألم شديد وعرفت أنني فقدت ساقي. وشعرت ساعتها بأنه قد انتهى أمري، إذ لم يعد بإمكان المشي أو ممارسة العمل، لم يتبقَّ إلا السرير رفيقا دائما لي، لقد فقدت أي أمل في الحياة».
ومع قلة الحلول في سوريا، لجأ أحمد في بادئ الأمر إلى عكازين ليتمكن من التحرك. ثم قام أحمد مع والده بصنع ما يشبه الطرف الصناعي من البلاستيك والجوارب، وظل يستخدمه لمدة ستة أشهر قبل أن يتخلص منه. يقول أحمد عن ذلك الطرف الصناعي منزلي الصنع: «لم يكن مريحا بدرجة كبيرة، كما أنه كان يؤلمني في ساقي، وكان قصيرا بحيث كنت أعرج حينما كنت أمشي».
وعندما مزقت أعمال العنف شمال سوريا في أوائل عام 2013، غادر أحمد مع والديه و11 من أشقائه بلدة دير حافر إلى لبنان. ويعيش أحمد بصحبة عائلته على أطراف أحد الحقول في تجمع من الملاجئ المصنوعة من الخشب والمسامير والأغطية البلاستيكية على مشارف بلدة جب جنين في وادي البقاع اللبناني.
حصل أحمد على الطرف الصناعي الجديد من المنظمة الدولية للمعوقين، وهي منظمة غير حكومية تقدم المساعدة - بالإضافة إلى أشياء أخرى - للاجئين السوريين في لبنان والأردن، الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب الأهلية. يقول أحمد إن «أصعب ما واجهته خلال العامين الماضيين هو الشعور بأن أحدا لا يقف بجانبي. لقد شعرت بأن الأمر انتهى بالنسبة لي. لقد كنت أعتقد أنني لن أستطيع استعادة ساقي مرة أخرى وأنني لن أكون قادرا على المشي من جديد. أما الآن وقد حصلت على الطرف الصناعي فقد صار بإمكاني الحصول على فرصة عمل، وأن أغدو وأروح كما يحلو لي، وأزور أصدقائي أيضا وقتما أشاء».
وحالما خرج أحمد من خيمته، بدأ في السير متثاقلا في طريق ترابية تمر بجانب جدول ماء صغير. واشرأبت أعناق كبار السن من الرجال والنساء من داخل الخيمات لمراقبته وهو يعرج، كما تزاحم الأطفال الصغار خلال الطريق الترابية لمراقبة كل تحركاته.
يقول إنري بونان، أحد المديرين الميدانيين في المنظمة الدولية للمعوقين، إن الوقت المطلوب للتكيف مع الطرف الصناعي يختلف من شخص إلى آخر، حيث يستغرق كبار السن والأشخاص الذين فقدوا سيقانهم إلى ما فوق الركبة وقتا أطول من الشباب ليعتادوا على الطرف الجديد. وهناك عامل آخر في مسألة سرعة التكيف مع الأطراف الصناعية، ألا وهو دقة العملية الجراحية التي جرى خلالها بتر الجزء المفقود، إذ جرت الكثير من عمليات البتر خلال الصراع في سوريا في مستشفيات ميدانية أو عيادات متنقلة. ويشير بونان إلى أن «عمليات البتر هذه جرت خلال ظروف طارئة ونفذها ممارس عام للجراحة أو طبيب أسنان وليس جراح عظام متخصصا. وعليه فقد جرى إجراء عمليات البتر تلك في ظروف طارئة بهدف إنقاذ حياة المريض».
وفي مثل تلك الحالات الطارئة، يقوم الكثير من الأطباء ببتر العظام بشكل مباشر، وليس بزاوية حادة وهو ما ينبغي أن يحدث. وفي حال كان شكل البتر مسطحا وليس أسطوانيا يحتاج المرضى إلى إجراء جراحة ثانية أو ثالثة - وهي إجراء مؤلم – لتصحيح خطأ بتر العظام المباشر وللسماح للمريض بتركيب طرف صناعي.
ويبدو التأثير المادي لخسارة أحد الأطراف مرهقا للمريض وواضحا أمام أعين الآخرين، غير أن الجانب النفسي في هذا الأمر يبدو شديد الاختلاف بالنسبة إلى الكثير من السوريين. وهذا هو الحال بالنسبة إلى ريم دياب البالغة من العمر 34 عاما. في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012 ضربت قذيفة منزلها في بلدة خان شيخون في وسط سوريا، وقتلت زوجها مصطفى وابنتها الكبرى بتول ذات الـ15 سنة.
عانت ريم آلاما نفسية شديدة على مدى عدة شهور، حتى إن شعرها كان يتساقط، كما أن أبسط الأشياء كانت تمثل معضلة كبيرة بالنسبة لها. وتقول ريم إن أكثر ما كان يقلقها هو الخوف من أن ابنتها وولديها، الذين نجوا من القذيفة، سيشعرون بالرعب عندما يرون والدتهم وقد بُترت ساقها إلى ما قبل عظم الورك الأيمن بقليل. رفضت ريم رؤية أبنائها وأرسلتهم للعيش مع عمهم وجدتهم، وتقول: «كان لذلك تأثير نفسي كبير علي، إذ لم أكن ودودة مع أي شخص، حتى مع أبنائي، ولم أكن أرغب في رؤيتي على تلك الحال ولا يكونون قادرين على التعامل مع هذا الموقف».
جاءت ريم إلى لبنان بعد شهرين من إجراء عملية البتر، وجرى توفير طرف صناعي لها في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي. قام إخصائي علاج طبيعي وباحث نفسي - اجتماعي من المنظمة الدولية للمعوقين بزيارتها لأكثر من عشر جلسات للمساعدة في إعادة ناهليها نفسيا وعقليا. ورغم صعوبة الأمر، استطاعت ريم التكييف مع الطرف الصناعي ببطء.
وتضيف ريم: «هذا الطرف الصناعي ليس كساق المرء الحقيقية، فهو يبدو كشيء غريب، إذ لا يوجد توازن».
وتعيش ريم في الوقت الحالي مع أبنائها في خيمة أُقيمت أعلى سطح أحد المنازل في قرية شتورة في لبنان. ويشاركها العيش على سطح ذلك المنزل والداها وأشقاؤها الخمسة وأسرهم، ويكتظ بهم عدد قليل من الغرف الخرسانية. وبناء على تحفيز من إخصائي العلاج الطبيعي، تحاملت ريم على نفسها ونزلت السلم الخرساني وتمشت في الشارع الترابي وصعدت الرصيف بصعوبة.
وتقول ريم: «بدأ أبنائي في اعتياد رؤيتي بالطرف الصناعي، غير أنهم طرحوا الكثير من الأسئلة مثل: (لماذا انفصلت عنا؟)، لكنهم باتوا سعداء وهم يرونني أتحرك وأسير».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.