انعكاسات «بريكست» على مستقبل الثقافة البريطانية

جمعيات ومؤسسات ومتاحف ومواقع أثرية قد تخسر الملايين

جي كيه رولينغ  - جون لا كاريه -  توسعة «تيت مودن» أريد منها قبل الخروج أن تكون فضاء مخصصًا للإبداع الفني الأوروبي والعالمي
جي كيه رولينغ - جون لا كاريه - توسعة «تيت مودن» أريد منها قبل الخروج أن تكون فضاء مخصصًا للإبداع الفني الأوروبي والعالمي
TT

انعكاسات «بريكست» على مستقبل الثقافة البريطانية

جي كيه رولينغ  - جون لا كاريه -  توسعة «تيت مودن» أريد منها قبل الخروج أن تكون فضاء مخصصًا للإبداع الفني الأوروبي والعالمي
جي كيه رولينغ - جون لا كاريه - توسعة «تيت مودن» أريد منها قبل الخروج أن تكون فضاء مخصصًا للإبداع الفني الأوروبي والعالمي

قبل أسبوع تقريبًا من الاستفتاء الشعبي البريطاني، افتتحت في لندن وبحضور ستة آلاف شخص توسعة «تيت غاليري للفن الحديث»، وهي فضاء مخصص لتوسيع دائرة تذوق الإبداع الفني العالمي من أوروبا والعالم. كانت تلك الليلة بمثابة إعلان رمزي لنهاية عهد بريطانيا في الانفتاح وتقبل الآخر وقدرتها الاستثنائية على الفهم المتبادل. بعدها بأيام كان الاستفتاء - الصدمة عندما صوتت أغلبية بسيطة لمصلحة الخروج من الاتحاد. كانت صدمة للخاسرين والفائزين أيضا كما للمراقبين، بعد استقطاب حاد في الشارع بين معسكرين بدا أن لا مناطق التقاء بينهما، فالمدن الكبرى والأغنياء والأطراف غير الإنجليزية في المملكة منحت صوتها لصالح البقاء في حين اندفع سكان الأرياف والفقراء والمناطق الإنجليزية - بمعناها الجغرافي - إلى التصويت للقطيعة مع الاتحاد. ودشَّن العهد الجديد بهجوم عنصري وتخريب للمركز الثقافي البولندي. بين الحدثين، تغيرت بريطانيا، وإلى الأبد.
لم يتغير شيء بعد على الأرض فيما يتعلق بالعمل الثقافي، هناك خسارة متوقعة تلوح في الأفق لعدة ملايين يورو تستفيد منها حاليًا جمعيات، مؤسسات ثقافية، متاحف ومواقع أثرية بريطانية، كما من المتوقع أيضًا نشأة صعوبات ملموسة في انتقال المبدعين والفنانين والمثقفين في الاتجاهين، وبالطبع لن تكون لندن عاصمة الثقافة الأوروبية في 2023، كما كان مخططًا، وستلهب حمى التراجع مكانة اللغة الإنجليزية على نحو حاسم في مؤسسات الاتحاد الأوروبي - لمصلحة الألمانية والفرنسية بالطبع - وربما سيغادر نحو 15 في المائة من أساتذة الجامعات البريطانية الذين يحملون جوازات أوروبية إلى دول أخرى، ولا شك أن عشرات الآلاف من الطلاب الأوروبيين سيعيدون النظر في جاذبية الالتحاق في التعليم البريطاني مستقبلاً.
وهكذا سيكون على عاتق القطاع الثقافي عمومًا إعادة تنظيم أموره من جديد للتعامل مع كل هذه المتغيرات المحتملة. لكن الأخطر من ذلك كله هو مناخ الاستقطاب الحاد بين المثقفين الذي ساد الحملات التي سبقت الاستفتاء، والذي بدا كأنه مجرد التحاق بالمواقف السياسية للمعسكرين حول قرار الاستفتاء.
المثقفون والعاملون في الصناعات الثقافية البريطانية من فنانين وموسيقيين، وروائيين وشعراء ومؤرخين وعلماء واقتصاديين انقسموا، متماهين مع شارعهم، بين مؤيد ومعارض لفكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي في بلاد يمثل المنتج الثقافي فيها بكل أشكاله (سينما، تلفزيون، مسرح، تعليم، كتب وقصائد) مصدر دخل مهمًا للبلاد، ومشغلاً لملايين العاملين في قطاعاته المختلفة.
بالطبع كان كل طرف من أطراف الاستفتاء قد استدعى نجومه في عالم الإبداع والثقافة، محاولاً توظيف ثقلهم المعنوي لكسب الأنصار والمؤيدين، في وقت تراجعت فيه أسهم الخبراء والبيروقراطيين بشدة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، التي أفقدت المواطن البريطاني الثقة بكل من يرتدي ربطة عنق!
البداية كانت من رسالة إلى صحيفة «التيلغراف» البريطانية وقعها نحو 250 من نجوم التمثيل والأدباء والموسيقيين والفنانين أعربوا فيها عن قلقهم الشديد لاحتمالية خروج بريطانيا من الاتحاد؛ لأن ذلك سيكون بمثابة «قفزة في المجهول» سواء لملايين العاملين في قطاعات الثقافة البريطانية أم لجمهورهم على مستوى العالم كله. وأضافوا «أن معظم المشاريع الإبداعية البريطانية لم تكن لتكون دون الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي أو دون التعاون مع نظرائنا على البر الأوروبي». من الموقعين كان النجم (بنيديكت كمبرباتش) - بطل مسلسل شيرلوك هولمز، و(جود لوو) - الممثل البريطاني المعروف، و(إدريس ألبا) - بطل الدراما البريطاني الأسود، و(كيت موس) - نجمة هوليوود، و(فيفيان ويستوود) - مصممة الأزياء الأولى في المملكة، و(بالوما فييث) - المغنية المعروفة عالميًا وعشرات غيرهم من الوجوه المألوفة على كل الشاشات وصفحات الجرائد اليومية في بريطانيا. الروائيون وإن وقع بعضهم على الرسالة المذكورة، فإنهم اختاروا التعبير عن تأييدهم للبقاء في الاتحاد بطرق أخرى منفردة، ومنهم جي كيه رولينغ، الروائية الأكثر مبيعًا في تاريخ العالم ومؤلفة سلسلة هاري بوتر، التي كتبت رسالة طويلة على موقعها الخاص، وأطلقت عدة تغريدات على «تويتر» دعت فيها إلى البقاء ضمن الأسرة الأوروبية الواحدة التي أثرت وتثري الحياة الشخصية لكل البريطانيين، وأيضا هيلاري مانتل، الروائية المعروفة بأعمالها ذات الصبغة التاريخية الإنجليزية، التي أعربت في مقابلة صحافية مهمة معها عن تأييدها بقاء المملكة ضمن الاتحاد، وكذلك فيليب بولمان، كاتب روايات الأطفال الشهير، وجون لا كاري، الروائي الأكثر مبيعًا في كتب الجاسوسية، اللذان تحدثا في مقابلات ومقالات عامة عن موقفهما الداعم للبقاء. ظن البعض أن مشهد «الكتاب يأخذون موقفًا» الذي شهدته الحروب الثقافية في أوروبا (في الثلاثينات ضد الفاشية) و(في الستينات ضد حرب فيتنام) يتكرر الآن في مواجهة موضوع الخروج من الاتحاد. لكن المعسكر الآخر الداعي إلى مغادرة الاتحاد، ما لبث أن استدعى نجومه هو الآخر، ولعل أبرزهم على الإطلاق كان (مايكل دوبز)، صاحب النسخة البريطانية الأصلية من مسلسل (هاوس أوف كاردز)، وعضو مجلس اللوردات الذي صرح بأن نجاح الصناعة الخلاقة في بريطانيا يعود إلى المواهب البريطانية وثقافة الشعب البريطاني ذاته، وليس للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي أي تأثير حاسم في ذلك. وفي رأيه فإن مشروع الاتحاد هو بمثابة حلم فشل، وربما آن الأوان لتجاوزه إلى شيء آخر، كما تحدث بتهكم عن رسالة الـ 250 مبدعًا، معتبرا إياهم مستفيدين من العلاقة مع الاتحاد. وكذلك فعل جوليان فيللوز، الروائي النجم في الساحة البريطانية، وسايمون جينكيز، الصحافي العريق، اللذان عبرا في مقالات لهما عن اقتناعهما بأن مصلحة البلاد هي في الخروج من الاتحاد واسترداد السيادة البريطانية الكاملة، وإن كان جينكيز يرى أن البقاء في الاتحاد قد يكون مفيدًا فقط في كبح جماح ألمانيا.
المؤرخون البريطانيون انقسموا بدورهم إلى معسكرين متناقضين: المجموعة الداعية للخروج من الاتحاد نظمت نفسها في تجمع أسموه (مؤرخون من أجل بريطانيا) وأطلقوا موقعًا نشيطًا على الإنترنت لنشر أفكارهم، وقد قادهم نخبة من ألمع الأسماء في مجال التاريخ، مثل ديفيد ستاركي، وتشارلز مور، وغيرهما من العشرات من الأسماء المعروفة في الجامعات ومراكز الأبحاث والصحافة. وفي الجانب الآخر تجمع معسكر مضاد أعلن أنه يدعم فكرة البقاء في المملكة، وقد نشر رسالة مفتوحة بهذا الخصوص ذكر فيها دواعي تاريخية لموقفه، وشارك ممثلون عنه في برنامج احتفالي خاص لدعم حملة البقاء كان نظمه 10 داوننيغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء في لندن). الانقسام وصل أيضًا إلى صفوف العلماء فوقع فريق من أشهر علماء بريطانيا ومنهم ستيفن هاوكينغ ومارتن رييز رسالة تأييد مفتوحة للبقاء في الاتحاد، بينما دعا «علماء من أجل بريطانيا» إلى التصويت على الخروج. والاقتصاديون البريطانيون كذلك انقسموا إلى فريقين متعارضين وفق استطلاع خاص لحساب جريدة «الأوبزرفور» الأسبوعية.
على صعيد الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، أصدر تحالف العاملين المستقلين في السينما والتلفزيون بيانا قالوا فيه إن صناعة التلفزيون في بريطانيا سوف تتأثر سلبيًا على العموم بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإن التراجع المتوقع للتمويل الأوروبي الرسمي والاستثماري في الأعمال السينمائية والتلفزيونية سيتسبب في أضرار كبيرة للصناعة الإبداعية ككل. لكن أكبر ستوديوهات تصوير في لندن (باين وود) التي أنتجت أعمالاً عالمية، مثل حرب النجوم وجيمس بوند قالت: «إن هبوط الإسترليني الحاد بسبب نتيجة الاستفتاء سيساعدها على تحقيق معدل أرباح قياسية هذا العام وسيمكنها من اجتذاب أعمال عالمية أخرى للتصوير في بريطانيا».
هو إذن شرخ عمودي بين فئات المثقفين جميعًا، واستقطاب لم تشهد له بريطانيا مثيلاً ربما منذ أيام حرب الوردتين. القلق الآن ليس على مآلات الأمور بعد تقوقع بريطانيا والخروج من الاتحاد، فهذا أمر لن يحسم قبل شهور على الأقل، ولن تلمس آثاره على اقتصاد البلاد سريعًا. ما يقلق حقًا هو استمرار مناخ الاستقطاب على نحو أسوأ من ما قبل الاستفتاء وتكرار حوادث الكراهية والعنف العنصري ضد الرموز الثقافية لغير الإنجليز، وما يقلق أكثر هو أن المثقفين البريطانيين في عصر العولمة - وغالبًا هو حال مثقفي البلاد الأخرى - صاروا يتبعون شارعهم في أخذ المواقف، لا العكس كما يتوقع من قادة الرأي والفكر.
المأساة هنا أن الشارع يتلاعب به تجار سياسة شعبويون، غايتهم مصالح النخبة لا غير. ربما يكون القادم أسوأ.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».