الإرهاب يكشر عن أنيابه في نيس الفرنسية

إرهابي تونسي قاد شاحنة وأوقع اكثر من 284 قتيلاً ومصابًا خلال احتفالات العيد الوطني الفرنسي

رجال البحث الجنائي حول الشاحنة  المستخدمة في مجزرة نيس.. وفي الاطار الرئيس الفرنسي يعلن تمديد حالة الطوارئ في فرنسا لثلاثة أشهر واستدعاء قوات الاحتياط في الأجهزة الأمنية أول من أمس (إ.ب.أ)
رجال البحث الجنائي حول الشاحنة المستخدمة في مجزرة نيس.. وفي الاطار الرئيس الفرنسي يعلن تمديد حالة الطوارئ في فرنسا لثلاثة أشهر واستدعاء قوات الاحتياط في الأجهزة الأمنية أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

الإرهاب يكشر عن أنيابه في نيس الفرنسية

رجال البحث الجنائي حول الشاحنة  المستخدمة في مجزرة نيس.. وفي الاطار الرئيس الفرنسي يعلن تمديد حالة الطوارئ في فرنسا لثلاثة أشهر واستدعاء قوات الاحتياط في الأجهزة الأمنية أول من أمس (إ.ب.أ)
رجال البحث الجنائي حول الشاحنة المستخدمة في مجزرة نيس.. وفي الاطار الرئيس الفرنسي يعلن تمديد حالة الطوارئ في فرنسا لثلاثة أشهر واستدعاء قوات الاحتياط في الأجهزة الأمنية أول من أمس (إ.ب.أ)

قبل عشر ساعات فقط من عملية الدهس الرهيبة، على كورنيش مدينة نيس الساحلية الفرنسية المسمى «متنزه الإنجليز»، كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يعلن وقف العمل بحالة الطوارئ ويشيد بالإجراءات الأمنية التي اتخذتها حكومته لمنع تكرار العمليات الإرهابية التي ضربت باريس في شهري يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015.
ورغم النجاحات التي أشار إليها هولاند، فإن الإرهاب كشر عن أنيابه بقسوة في مدينة نيس الفرنسية، حيث وقع أكثر من 284 شخصا على الأقل بين قتيل وجريح، بعد أن دهست شاحنة حشدًا من الجماهير أثناء احتفالات بالعيد الوطني في فرنسا (يوم الباستيل) في مدينة نيس، جنوب البلاد. وقال الرئيس الفرنسي، هولاند، إن 50 من المصابين في الهجوم يصارعون الموت في المستشفيات، وإن كثيرًا من الأطفال والأجانب بين القتلى.
ومما قاله هولاند، في حديثه، ظهر أول من أمس، إلى التلفزيون الفرنسي، عن الإرهاب والتهديد الذي ما زال ظله يطأ على فرنسا وضرورة محاربته ما يلي: «إن (داعش) يتراجع ويخسر مواقعه الحصينة، ولذا فمن الضروري أن نضربه بقوة». وأضاف هولاند: «علينا أن نضرب وأن ندمر هناك (أي في سوريا والعراق) الذين يرتكبون الاعتداءات ضدنا هنا»، على الأراضي الفرنسية. فهل كانت عملية الدهس ردا على تهديدات هولاند؟
السؤال مطروح والطابع الإرهابي لمجزرة نيس، واضح ودامغ ولا مجال لنكرانه مهما كانت المبررات. لكن حتى بعد ظهر أمس، لم تتبن أي جهة العملية ولم يتم حتى تلك اللحظة العثور على أدلة تفيد بانتماء هذا الرجل، وهو رب عائلة من زوجة وثلاثة أطفال، إلى «جند الخلافة» أو أنه ينفذ دعوة أبو محمد العدناني الذي حث هؤلاء الجند في تسجيل صوتي شهير يعود لربيع عام 2014 إلى استخدام «ما يقع تحت أيديهم» بما فيها السيارات لقتل أعداء التنظيم والإسلام. وإذا كان مرتكب العملية الإرهابية قد عمل بـ«نصيحة» العدناني، فإن نتيجة عمله التي عنوانها 84 قتيلا و50 جريحا بين الموت والحياة، إضافة إلى عشرات الجرحى والمصدومين، تبين أنه «أحسن» تنفيذ الوصية.
وبعد ثمانية أشهر على مذبحة الباتاكلان ومقاهي ومطاعم باريس ليل 13 نوفمبر 2015. جاء ليل 14 يوليو لينضم إلى لائحة التواريخ الدامية في الذاكرة الفرنسية وليعيد إلى الأذهان أجواء الرعب التي خيمت نهاية العام الماضي على فرنسا. ولم تخطئ الصحيفة الفرنسية المكتوبة التي ظهرت صباح أمس في إبراز كلمة «الرعب» على صدر صفحاتها الأولى ما يعكس مشاعر الناس الذين وجدوا أنفسهم ليل الخميس - الجمعة في مواجهة شاحنة مبردة بيضاء اللون قدر وزنها بـ19 طنا وهي تسير فوق الأجساد في مشاهد مروعة امتنعت القنوات التلفزيونية والصحافة المكتوبة عن إبراز صورها بسبب عنف ما تظهره.
حصل ذلك في الساعة الحادية عشرة والنصف بتوقيت باريس «التاسعة والنصف بتوقيت غرينتش». الأسهم والألعاب النارية التقليدية التي تطلق بمناسبة العيد الوطني الفرنسي كانت قد هجرت سماء نيس وكورنيشها وفنادقها الشهيرة مثل «النيغرسكو» و«بالية دولاميديترانيه» والكازينو وقد بدأ الجمهور الذي قدر عدده بثلاثين ألف شخص يتحرك من الكورنيش عندما ارتفعت أصوات خائفة وبدأ الكثيرون بالجري هربا من الشاحنة المجنونة التي سبق لمنفذ العملية الارهابية أن استأجرها قبل أيام قليلة ونجحت شرطة المدينة في إعادة رسم مسارها وحتى وصولها إلى الكورنيش. استخدم المنفذ خدعة للدخول إلى منطقة الكورنيش التي كان السير منع فيها بسبب احتفالات العيد الوطني وتركت تماما للمشاة إذ أبلغ أحد رجال الشرطة السيارة أنه يحمل كميات من البوظة والمثلجات وأنه يتعين عليه تسليمها في المنطقة. وعندما تمكن من الدخول إلى المنطقة المحظورة بدأت عملية القتل الجماعي. وتفيد الشهادات التي توافرت يوم أمس أن الإرهابي تعمد توجيه الشاحنة يمينا ثم يسارا وبالعكس، ما يفيد أنه كان يسعى للإجهاز على أكبر عدد من الناس. واستمرت فعلته لمسافة 2000 متر على الأقل قبل أن ينجح رجال الشرطة المولجون حماية الاحتفال في توقيف الشاحنة وقتل الارهابي.
ووفق شهادات متطابقة، فإن الأخير كان يدهس الناس بشاحنته وفي الوقت نفسه يطلق النار من مسدس صغير عثرت عليه الشرطة لاحقا في قمرة القيادة كما عثرت على قنبلة غير قابلة للاستخدام وألعاب بشكل أسلحة حربية سارع رئيس بلدية نيس ونائبها كريستيان أستروزي إلى اعتبارها أسلحة حربية بينما هي في الواقع ألعاب بلاستيكية.
سريعا جدا، تعرفت الأجهزة الأمنية على هوية المنفذ الذي قدم بداية على أنه فرنسي من أصل تونسي بينما تبين لاحقا أنه لا يحمل الجنسية الفرنسية. فهذا الرجل ترك بطاقة هويته وإجازة القيادة وبطاقة ائتمانية في القمرة ما سهل التأكد من هويته. أما صورته في مكان إقامته، فتعكس، بحسب شهادات جيرانه، صورة رجل «متوحد» و«قليل الكلام». وسارع القضاء إلى فتح تحقيق عهد به إلى النيابة العامة المولجة الأعمال الإرهابية. لكن ما صدم سكان نيس وكل الشعب الفرنسي هو الصورة المروعة التي تركتها العملية الإرهابية إذ تحول كورنيش المدينة إلى ما يشبه ساحة حرب حيث تناثرت الجثث والأشلاء وهرب من استطاع الهروب في حال من الفوضى لا توصف لا بل إن الكثير من الضحايا وبينهم أطفال ماتوا بفعل التدافع فسارت الناس على أجسام بعضها البعض ومن استطاع الخلاص سعى للاحتماء في مداخل الأبنية أو في المقاهي والمطاعم فيما سارعت بلدية نيس إلى دعوة المواطنين إلى الامتناع عن الخروج من منازلهم. بعدها جاء دور الشائعات وبعضها أفاد بوجود إرهابيين آخرين وبوقوع عمليات احتجاز رهائن. وككل مرة، ساهمت الوسائل الإعلامية وخصوصا القنوات الإخبارية في زيادة منسوب القلق بنقل معلومات تبين لاحقا أنها غير دقيقة أو ملفقة..
لم تتوقف الشاحنة إلا بعد أن نجح رجال الشرطة في إصابة إطاراتها وبعدها استطاعوا إصابة الرجل الذي كان يطلق النار عليهم كذلك فتدلى رأسه من قمرة القيادة. وبعدها، ضربت الشرطة التي خسرت أحد ضباطها في العملية طوقا أمنيا وسارعت سيارات الإسعاف إلى المكان لكن ضخامة المجزرة جعلت المسعفين والأطباء عاجزين عن مواجهة الفاجعة الضخمة.
ليلة أول من أمس، كان الرئيس هولاند في مدينة أفينيون التاريخية لمشاهدة إحدى المسرحيات في الموسم المسرحي السنوي للمدينة المعروفة عالميا بهذا النشاط. وقبل بدء المسرحية، تلقى هولاند اتصالا هاتفيا من وزير الداخلية برنار كازنوف فتوجه فورا إلى أقرب مطار ومنه باتجاه باريس حيث كان رئيس الحكومة مانويل فالس وكازنوف قد شغلا «غرفة عمليات» في وزارة الداخلية بانتظار وصول الرئيس الفرنسي، الذي انضم إليهما وإلى قادة الأجهزة الأمنية سريعا لاتخاذ التدابير والإجراءات المناسبة ومتابعة الوضع. وفي الساعة الرابعة فجرا، توجه هولاند لمواطنيه ليقول لهم إن الإرهاب «الإسلامي» ضرب مجددا فرنسا وإنه يتعين التضامن والصمود وعدم الاستسلام. وهي الرسالة التي كررها في مدينة نيس، التي زارها بصحبة مانويل فالس، رئيس الحكومة بعد اجتماع أمني مصغر دعا إليه صباح أمس في قصر الإليزيه. وكشف هولاند عن ثلاثة تدابير: الأول، التراجع عن وقف العمل بحالة الطوارئ التي كان يفترض أن تتوقف في 26 الحالي وتقديم مشروع قانون يوم الأربعاء المقبل إلى البرلمان لمد العمل بها لثلاثة أشهر إضافية. والثاني، التراجع عن خفض عديد العسكريين «من 10 آلاف إلى 7 آلاف» الذين يساهمون في توفير الأمن الداخلي والإبقاء على العديد نفسه إلى أجل غير مسمى. والأمر الثالث «وهو الجديد»، الاستعانة بالاحتياطيين من الجيش والدرك لمؤازرة القوى الأمنية على اختلافها في حراسة الأماكن الاستراتيجية والعامة. وهي المرة الأولى التي يتم اللجوء فيها إلى تدبير من هذا النوع.
أما على الصعيد الخارجي، فقد كرر هولاند العزم على ضرب «داعش» والتنظيمات الإرهابية بقوة وقسوة أكبر وزيادة المساهمة العسكرية الفرنسية في سوريا والعراق. هل هذه التدابير ستكفي؟ السؤال أكثر من مشروع لأن الحكومة عمدت منذ الخريف الماضي وفي ظل حالة الإرهاب إلى استصدار مجموعة من القوانين التي أعطت الأجهزة الأمنية صلاحيات شبه مطلقة مثل توقيف من تريد وفي الوقت الذي تريده وبمجرد قرار إداري لا يحتاج لضوء أخضر من القضاء وفرض الإقامة الجبرية. كما أن القوى الأمنية على اختلافها تلقت دعما بشريا وتقنيا وماديا وزاد أعضاؤها خصوصا في أجهزة المخابرات فيما تعزز التعاون بين الأجهزة الأمنية الأوروبية ومع تركيا. لكن ذلك كله لم يكن كافيا وبالتالي فإن نجاعة التدابير الجديدة تبقى محط تساؤلات خصوصا أن عملية نيس تختلف عما سبقها من العمليات الإرهابية التي ضربت باريس وبروكسل من ثلاث زوايا: الأولى أنها استهدفت مدينة نيس وليس العاصمة، والثانية أن منفذها استخدم «سلاحا» جديدا هو الشاحنة وليس الأسلحة النارية. والثالثة، أنه حتى الساعة تبدو العملية من صنع ما يسمى «الذئاب المنفردة» وبالتالي فإن تجنبها أو تعطيلها يبدو أكثر صعوبة.
يبقى أن الثابت، وفق ما قاله رئيسا الجمهورية والحكومة، هو أن فرنسا ما زالت في مرمى الإرهاب وأنه يتعين على الفرنسيين «التعايش» مع ظاهرة تبدو طويلة الأمد، ما يعني ضمنا أن التدابير والإجراءات المتخذة لن تكون بالضرورة كافية لمنع تكرار هذا النوع من المآسي.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.