نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

الضجة التي أقامها حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)

قد لا يصدق المرء، أن فيلما إيرانيا وقف وراء «هجمة» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أفريقيا، وما رافق زيارته لأربع من دولها، الأسبوع الماضي، من إشكاليات. لكن هكذا هي السياسة الإسرائيلية في عهد اليمين، مليئة بالارتجالية. حتى تبدو في بعض الأحيان راكضة إلى سراب. وبعدما عاد الرجل إلى تل أبيب، وجد أمامه تساؤلات كثيرة حول جدوى هذه الزيارة وليس صدفة. والمحاولات التي قام بها نتنياهو لتضخيم أهمية الزيارة وإظهارها دليلاً على انعدام وجود عزلة دولية لإسرائيل والتبشير بمكانة إسرائيلية خاصة في مكافحة «الإرهاب الإسلامي»، كما قال، والحديث عن صفقات أسلحة وتجارة، كلها تصطدم بواقع آخر هو: أن إيران والصين وغيرهما من دول العالم سبقت إسرائيل منذ سنوات طويلة إلى القارة السمراء.
وحقًا، الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادته واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا.

كثير من التحليلات نشرت لتفسير دوافع وأهداف الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى أربع دول أفريقية في الأسبوع الماضي. فالبعض اعتبرها زيارة تاريخية تعيد لإسرائيل دورها المفقود في هذه القارة. ونتنياهو نفسه تحدث عن «مصلحة مشتركة في مكافحة الإرهاب الإسلامي وفي تطوير التبادل التجاري والاقتصادي». والبعض اعتبرها «هجمة دبلوماسية من إسرائيل لصد الهجمة الفلسطينية في الأمم المتحدة»، غرضها تجنيد عدد من الأصوات لصالح إسرائيل لإفشال المشاريع الفلسطينية والعربية المعادية. ومع أن هناك أكثرية ساحقة في الجمعية العامة مناصرة للفلسطينيين، وفي السنوات الأخيرة وسّع الفلسطينيون جدًا من نشاطاتهم الدولية وحصدوا غير قليل من الثمار الرمزية، ابتداء من رفع علم فلسطين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وصولاً إلى الاعتراف بالسلطة الفلسطينية من جانب برلمانات وحكومات أوروبا، فإنه من الجهة الأخرى، وفي التصويت الأهم في الشأن الفلسطيني في العامين الأخيرين، فشل الفلسطينيون في تأمين الأغلبية في مجلس الأمن للاعتراف بفلسطين كدولة. وبالمناسبة، كانت رواندا الأفريقية، إحدى الدول التي امتنعت عن التصويت، حين سقط الاقتراح الفلسطيني على صوت واحد فقط. ولذلك شمل نتنياهو هذه الدولة في جولته الجديدة.
كما أن هناك من يرى في جولة نتنياهو محاولة لتجنيد «زبائن» يشترون الغاز الذي تستخرجه إسرائيل من أعماق البحر الأبيض المتوسط. وهناك من يرى أن الهدف الأساسي هو فك العزلة الدولية عن إسرائيل، عن طريق تقديم مساعدات أمنية وتكنولوجية لهذه الدول وتجنيدها لصالح مواقف إسرائيل في المحافل الدولية. لا بل هناك من يقول إن الجولة جاءت بغرض أساسي هو إثارة عناوين كبيرة في الصحف الإسرائيلية، تغطي على العناوين الخاصة بقضايا التحقيق الجاري بحثها في الشرطة ضد نتنياهو شخصيا بشبهات تبييض وغسل الأموال.

* خدمات أمنية
وكان لافتا للنظر أن الكاتب الصحافي بيتر فام، المتخصص في شؤون أفريقيا لدى مجموعة الأبحاث «أتلانتيك»، كشف في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية عن أن إسرائيل ستقوم بمساعدة كينيا على بناء جدار بطول 708 كيلومترات تقريبا على طول الحدود مع الصومال، وذلك لمنع حركة «الشباب المجاهدين» والميليشيات المسلحة الأخرى من عبور الحدود، وأن نتنياهو عرض مشروعا يستند إلى الخبرة الإسرائيلية الطويلة في مجال إقامة الجدران، ليس فقط في كينيا بل في بقية الدول الأفريقية التي زارها.
والحقيقة، أن كل هذه الأسباب واقعية وقد يكون لكل منها نصيب في تخطيط وإخراج هذه الزيارة. إلا أن هناك حقيقة أخرى تكشفها سطور مفكرة نتنياهو وتشير إلى دوافع أخرى. وهذه هي:
فيلمان سينمائيان، أحدهما روائي من الخيال والثاني وثائقي لا يخلو من الخيال، كانا الشرارة التي أطلقت زيارة نتنياهو الصاخبة إلى أفريقيا. الفيلم الأول إيراني. والثاني إسرائيلي. الأول يدعى «الولد الرابع»، والثاني يدعى «يوني»، ويحكي بطولة يونتان نتنياهو شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قتل قبل أربعين عاما وهو يقود فرقة كوماندو إسرائيلية حررت الرهائن الإسرائيليين والأجانب من الطائرة التي اختطفها فلسطينيون وهي في طريقها من باريس إلى تل أبيب، وانعطفوا بها إلى أوغاندا سنة 1986.
الفيلم الأول، عرض لأول مرة في شهر أغسطس (آب) 2013. مع تصادف نهاية شهر رمضان المبارك وعشية عطلة عيد الفطر. اسمه بالفارسية «الطفل الرابع» (فرزند جهارم)، وقد تم تصوير أجزاء منه في الصومال وكينيا. ويحكي الفيلم عن نجمة سينمائية اسمها راوية سئمت حياة النجومية الفارغة وخرجت إلى الصومال لكي توثق بكاميراتها المأساة اليومية للحرب والمجاعة. وتسعى راوية، مع رجل صناعة إيراني، يدعى «مظفر»، وطبيب من الهلال الأحمر الإيراني، إلى «محاولة إنقاذ الأفارقة من أنفسهم»، كما تقول. ويعرض الفيلم الصراعات القبلية والدينية، والبلدان الأفريقية الغنية وأصحاب رؤوس الأموال الأفارقة كجهات تقف وراء الحروب والمجاعة. وفي أحد مشاهد الفيلم، يركل رجل الصناعة الإيراني مظفر وعاء الحساء «الحقير» الذي يتم توزيعه على اللاجئين في المخيم التابع لجنوب أفريقيا؛ وأمام صدمته من نوعية الطعام والمعاملة المهينة للاجئين، يأخذ مظفر على عاتقه مهمة تزويد اللاجئين بالطعام الجيد (من المطبخ الفارسي) ومعاملتهم بشكل إنساني وباحترام. مهمة الإنقاذ التي تطالب الأبطال الإيرانيين بتضحيات شخصية، تشمل في النهاية تبني طفلة أفريقية مهجورة وإحضارها إلى إيران لكي يتم تثقيفها داخل أسرة إيرانية، سخية وكريمة.
* فيلم «يوني»
فيلم «يوني»، بالمقابل، هو قصة «بطولة إسرائيلية» على حساب الأفارقة، جرت وقائعها قبل أربعين عاما. فيها يظهر الجنود والضباط الإسرائيليون وهم يضعون خطة مليئة بالمخاطر لإطلاق سراح الرهائن، تنتهي نسبيا بنجاح خارق. فالفرقة تهبط في كينيا وتصل إلى مطار عينتيبة في أوغندا وتقود قافلة من السيارات العسكرية، تم وضع سيارة مارسيدس شبح في وسطها، شبيهة بسيارة الرئيس عيدي أمين آنذاك، حتى تضلل الجنود والحراس الأوغنديين، فتسيطر على المطار وعلى الموقف. ويظهر الفيلم كيف نجح الكوماندو الإسرائيلي في تصفية الخاطفين الفلسطينيين، بعد معركة طويلة قتل فيها 40 راكبا و31 جنديا أوغنديا وضابطا إسرائيليا واحدا هو شقيق نتنياهو. بنيامين نتنياهو، الذي كان ولدا آنذاك، اعتبرها أكبر بطولة إسرائيلية، لكنه لم يُطرِ على أصحابها، وهم خصومه السياسيون (إسحاق رابين وشمعون بيريس وإيهود باراك وموشيه يعلون)، ويحاول إظهارها بطولة لعائلة نتنياهو. واحتفل بذكرى مرور 40 عاما على الحدث، في أوغندا خاصة، بحضور ستة رؤساء أفارقة في مقدمتهم الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، الذي لم يشعر بحرج وهو يمتدح شجاعة ضيوفه الإسرائيليين (لكنه ذكر فلسطين بدل إسرائيل وهناك من اعتبرها «خطأ مقصودا»)، رغم ما دفعوه من ثمن باهظ بسفك دماء عشرات من جنود جيشه وانتهاك حرمة بلاده.
الفيلم الأول، أثار غيرة وحسد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية من إيران، التي تثبت بواسطته وبواسطة نشاطات أخرى أنها تعرف قيمة السوق الأفريقية وتستثمر فيها كثيرا، خصوصا مع إهمال أفريقيا في الدول العربية. ويتضح أنه بالإضافة إلى فيلم «الولد الرابع»، الذي تم إنتاجه بمبادرة صندوق السينما الحكومي «الفارابي»، هناك سلسلة أفلام وثائقية تلفزيونية، تحمل اسم «أفريقيا هنا». ويشكل هذان الإنتاجان محاولة لتجنيد الشاشتين، الكبرى والصغرى، من أجل تعريف المشاهد الإيراني على القارة الأفريقية، كما ينظر إليها في إيران. والسلسلة تتألف من 52 حلقة، جاءت لإطلاع المشاهد الإيراني على أهمية القارة الأفريقية والمحفزات السياسية والتجارية الكامنة فيها. ففي العقود الأربعة التي مضت منذ تأسيسها، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى ترسيخ علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأفريقية.
* فتح أبواب أفريقيا
وقد أعد معهد الدراسات الأفريقية في جامعة تل أبيب دراسة أوصى في نهايتها الحكومة بفتح أبواب أفريقيا، لأنها «سوق عذراء يكتشفها الصينيون والإيرانيون ويغزونها». وتقول الدراسة إن إيران تستفيد آيديولوجيا في أفريقيا، وذلك بواسطة نشر المذهب الشيعي، وهذا سيؤدي حتما إلى صدام مع قوى محلية كثيرة وينبغي على إسرائيل أن تكون جاهزة لاحتلال مكان إيران في هذه الحالة، والبدء في الوقت نفسه في العمل على إطلاق مشاريع أخرى في مجالات تحتاجها أفريقيا ولا تستطيع إيران توفيرها مثل الدعم الأمني والتكنولوجيا الزراعية وحرب السايبر.
والسؤال هو: ماذا يمكن لنتنياهو أن يحقق في جولة قصيرة كهذه؟ وهل دخل أبواب أفريقيا بالقدم اليمنى، الإيجابية، أم بالقدم اليسرى، السلبية، حسب التقاليد المحلية؟
هنا يأتي دور الفيلم الثاني. صحيح أن نتنياهو لم يكن مخرج فيلم «يوني» المذكور، وما احتواه من غطرسة وتباه بالقوة الإسرائيلية العسكرية، لكنه يعبر تماما عن روح نتنياهو وعقليته. فقصة الفيلم تروى بروح الموقف المعلن أن «لا تفاوض مع إرهابيين يخطفون الرهائن، مهما كان الثمن»، لكنها تبين أن الثمن قد يكون باهظا لدول أخرى وليس فقط لإسرائيل. فالهجوم على مطار عينتيبة كان بمثابة انتهاك لحرمة أوغندا وفي ضمنه تم تضليل الجيش الأوغندي بواسطة استخدام سيارة شبيهة بسيارة الرئيس الفخمة وتم قتل 20 جنديا أوغنديا خلال تراشق الرصاص ودمرت القوة الإسرائيلية 17 طائرة حربية أوغندية قبل أن تغادر.
وعلى الرغم من أن رئيس أوغندا رحب بنتنياهو والاحتفال بمناسبة 40 سنة على العملية، فإن كثيرين من أفراد الحاشية أكدوا أن ردود الفعل على الأرض لم تكن مثيرة للحماس. فمن مجموع 54 رئيس دولة تمت دعوتهم لحضور الحفل، حضر سبعة زعماء فقط (هم رؤساء أوغندا وكينيا وورواندا وإثيوببيا وجنوب السودان وتنزانيا وزامبيا). والفكرة التي يحاول نتنياهو دحرجتها لقبول إسرائيل عضوا مراقبا في اتحاد دول أفريقيا، رفضت بشكل قاطع. ووسائل الإعلام التي رحبت بنتنياهو، ليست صحافة حرة إنما تعمل بوقا للسلطات هناك، والصحافيون الإسرائيليون المشاركون في الزيارة تكلموا عن تذمر شديد من سياسة الكبت الحكومية ولم يبخلوا في توجيه النقد، ولكن بصوت خافت لسياسة نتنياهو في الشرق الأوسط والعالم. ولذلك فهي ليست مقياسا لنبض الشارع. ورجال الأعمال الإسرائيليون الذين شاركوا نتنياهو رحلته، أكدوا أن الطريق سيكون طويلا جدا حتى تصبح هناك علاقات تجارية عميقة وكبيرة مع الدول الأفريقية. لا، بل إن القرار الذي أعلنه نتنياهو نفسه برصد مبلغ 50 مليون شيكل لتشجيع العلاقات مع دول أفريقيا، يعتبر مثارا للسخرية. فهذا المبلغ يضاهي 14 مليون دولار. فما الذي يمكن عمله بمبلغ هزيل كهذا؟
من هنا، فإن الآمال التي يبنيها نتنياهو بعودة العصر الذهبي الإسرائيلي في أفريقيا، حينما كانت لها علاقات دبلوماسية واقتصادية قوية مع 33 دولة، تبدو أقل واقعية مما يظهر من لهجة رئيس الوزراء الإسرائيلي ومساعديه الكثيرين، الذين اعتبروها زيارة تاريخية. صحيح أنها ساهمت في رفع المعنويات الإسرائيلية، خصوصا في وزارة الخارجية، التي لطالما رغبت في مكافحة العزلة السياسية الدولية، وصحيح أنها ستفتح بعض الأبواب الجديدة في مجال العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية والتجارية، لكن أحدا لا يتوقع من الإسرائيليين أن يتدفقوا بمئات ألوفهم على العواصم الأفريقية حاملين حقائب سفر أو حقائب دولارات.
* هدف استراتيجي
وكما يقول د. عوفر يسرائيلي، الباحث في المعهد الأكاديمي المتعدد المجالات في مدينة هرتسيليا، فإن «أفريقيا باتت هدفا استراتيجيا للسياسة الإسرائيلية، يضعه نتنياهو وغيره من صناع القرار الإسرائيلي لتوسيع العلاقات السياسية والأمنية مع مجتمعات جديدة، بجانب الحلفاء التقليديين في شمال أميركا وغرب أوروبا. وهناك إدراك قوي لضرورة وأهمية التعاون الأمني والاستخباري بين الإسرائيليين والأفارقة، تعبيرا عن مصالح متبادلة، ولكن هناك في المقابل مخاوف كثيرة وبيروقراطية شديدة وشعور غير مريح بأن الحكومة تذكرت أفريقيا متأخرا. لذلك، فإن المتوقع هو أن تسير عملية التجديد ببطء وبحذر زائد حتى لو تم توقيع العقود التجارية الخاصة بصفقات الأسلحة والعقود الاستثمارية».
وأما الكاتب الصحافي بن كاسبيت، فيقول: «من الأمور القليلة التي يمكن تسجيلها نجاحا لصالح نتنياهو هو زيارته لأفريقيا. فهو وضع حدا للعار الإسرائيلي بإهمال هذه القارة، الذي يشتم منه رائحة كريهة تدل على أن حكوماتنا السابقة تعاملت على أساس أنها بيضاء أكثر من اللازم تجاه بلاد سوداء أكثر من اللازم، بلغة أخرى عنصرية. ولكن أفريقيا اليوم هي ليست أفريقيا الأمس. ولن تكون سهلة. إلا أن نتنياهو الفاشل في كل شيء كان ناجحا هنا في المحاولة. المشكلة هي أن أفريقيا الجديدة حذرة وعطشى. عطشى بمعنى أنها تريد أن تنتقل إلى العالمية. الدول التي زارها نتنياهو تتقدم نسبيا أكثر من غالبية دول أفريقيا، خصوصا من الناحية الاقتصادية. ولكنها حذرة بمعنى أنها لا تريد أن تحارب حروب إسرائيل. ولا تريد أن تتخلى عن الموقف السياسي التقليدي في قضية السلام في الشرق الأوسط وما زالت غالبيتها تساند الفلسطينيين وترفض الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولن نتمكن من تبديد مخاوفها منا، إلا إذا عرفنا كيف نبادر لتغيير الواقع السياسي هنا مع الفلسطينيين. فأفريقيا، وإن كانت تغرب في خبراتنا الأمنية وقدراتنا التكنولوجية، لكنها لا تتنازل عن مصالحها السياسية مع العالم العربي.
وهكذا، فإن الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج، قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادة (نتنياهو) واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا كونها بحاجة ماسة للخبرات الأمنية والتكنولوجيا الصناعية والزراعية. وكل فراغ يتركه العرب أو غيرهم وراءهم في أفريقيا، يخططون لملئه عاجلا. وهي تفعل ذلك ببطء وبنواقص كبيرة ولكن بإصرار. فعند نتنياهو اليوم هم كبير هو فك العزلة السياسية عن إسرائيل.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.