نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

الضجة التي أقامها حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو.. وحلم أفريقيا الضائع

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكيني أوهورو كينياتا بعد مؤتمر صحفي مشترك في نيروبي في زيارة سابقة (أ.ف.ب)

قد لا يصدق المرء، أن فيلما إيرانيا وقف وراء «هجمة» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أفريقيا، وما رافق زيارته لأربع من دولها، الأسبوع الماضي، من إشكاليات. لكن هكذا هي السياسة الإسرائيلية في عهد اليمين، مليئة بالارتجالية. حتى تبدو في بعض الأحيان راكضة إلى سراب. وبعدما عاد الرجل إلى تل أبيب، وجد أمامه تساؤلات كثيرة حول جدوى هذه الزيارة وليس صدفة. والمحاولات التي قام بها نتنياهو لتضخيم أهمية الزيارة وإظهارها دليلاً على انعدام وجود عزلة دولية لإسرائيل والتبشير بمكانة إسرائيلية خاصة في مكافحة «الإرهاب الإسلامي»، كما قال، والحديث عن صفقات أسلحة وتجارة، كلها تصطدم بواقع آخر هو: أن إيران والصين وغيرهما من دول العالم سبقت إسرائيل منذ سنوات طويلة إلى القارة السمراء.
وحقًا، الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادته واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا.

كثير من التحليلات نشرت لتفسير دوافع وأهداف الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى أربع دول أفريقية في الأسبوع الماضي. فالبعض اعتبرها زيارة تاريخية تعيد لإسرائيل دورها المفقود في هذه القارة. ونتنياهو نفسه تحدث عن «مصلحة مشتركة في مكافحة الإرهاب الإسلامي وفي تطوير التبادل التجاري والاقتصادي». والبعض اعتبرها «هجمة دبلوماسية من إسرائيل لصد الهجمة الفلسطينية في الأمم المتحدة»، غرضها تجنيد عدد من الأصوات لصالح إسرائيل لإفشال المشاريع الفلسطينية والعربية المعادية. ومع أن هناك أكثرية ساحقة في الجمعية العامة مناصرة للفلسطينيين، وفي السنوات الأخيرة وسّع الفلسطينيون جدًا من نشاطاتهم الدولية وحصدوا غير قليل من الثمار الرمزية، ابتداء من رفع علم فلسطين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وصولاً إلى الاعتراف بالسلطة الفلسطينية من جانب برلمانات وحكومات أوروبا، فإنه من الجهة الأخرى، وفي التصويت الأهم في الشأن الفلسطيني في العامين الأخيرين، فشل الفلسطينيون في تأمين الأغلبية في مجلس الأمن للاعتراف بفلسطين كدولة. وبالمناسبة، كانت رواندا الأفريقية، إحدى الدول التي امتنعت عن التصويت، حين سقط الاقتراح الفلسطيني على صوت واحد فقط. ولذلك شمل نتنياهو هذه الدولة في جولته الجديدة.
كما أن هناك من يرى في جولة نتنياهو محاولة لتجنيد «زبائن» يشترون الغاز الذي تستخرجه إسرائيل من أعماق البحر الأبيض المتوسط. وهناك من يرى أن الهدف الأساسي هو فك العزلة الدولية عن إسرائيل، عن طريق تقديم مساعدات أمنية وتكنولوجية لهذه الدول وتجنيدها لصالح مواقف إسرائيل في المحافل الدولية. لا بل هناك من يقول إن الجولة جاءت بغرض أساسي هو إثارة عناوين كبيرة في الصحف الإسرائيلية، تغطي على العناوين الخاصة بقضايا التحقيق الجاري بحثها في الشرطة ضد نتنياهو شخصيا بشبهات تبييض وغسل الأموال.

* خدمات أمنية
وكان لافتا للنظر أن الكاتب الصحافي بيتر فام، المتخصص في شؤون أفريقيا لدى مجموعة الأبحاث «أتلانتيك»، كشف في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية عن أن إسرائيل ستقوم بمساعدة كينيا على بناء جدار بطول 708 كيلومترات تقريبا على طول الحدود مع الصومال، وذلك لمنع حركة «الشباب المجاهدين» والميليشيات المسلحة الأخرى من عبور الحدود، وأن نتنياهو عرض مشروعا يستند إلى الخبرة الإسرائيلية الطويلة في مجال إقامة الجدران، ليس فقط في كينيا بل في بقية الدول الأفريقية التي زارها.
والحقيقة، أن كل هذه الأسباب واقعية وقد يكون لكل منها نصيب في تخطيط وإخراج هذه الزيارة. إلا أن هناك حقيقة أخرى تكشفها سطور مفكرة نتنياهو وتشير إلى دوافع أخرى. وهذه هي:
فيلمان سينمائيان، أحدهما روائي من الخيال والثاني وثائقي لا يخلو من الخيال، كانا الشرارة التي أطلقت زيارة نتنياهو الصاخبة إلى أفريقيا. الفيلم الأول إيراني. والثاني إسرائيلي. الأول يدعى «الولد الرابع»، والثاني يدعى «يوني»، ويحكي بطولة يونتان نتنياهو شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي قتل قبل أربعين عاما وهو يقود فرقة كوماندو إسرائيلية حررت الرهائن الإسرائيليين والأجانب من الطائرة التي اختطفها فلسطينيون وهي في طريقها من باريس إلى تل أبيب، وانعطفوا بها إلى أوغاندا سنة 1986.
الفيلم الأول، عرض لأول مرة في شهر أغسطس (آب) 2013. مع تصادف نهاية شهر رمضان المبارك وعشية عطلة عيد الفطر. اسمه بالفارسية «الطفل الرابع» (فرزند جهارم)، وقد تم تصوير أجزاء منه في الصومال وكينيا. ويحكي الفيلم عن نجمة سينمائية اسمها راوية سئمت حياة النجومية الفارغة وخرجت إلى الصومال لكي توثق بكاميراتها المأساة اليومية للحرب والمجاعة. وتسعى راوية، مع رجل صناعة إيراني، يدعى «مظفر»، وطبيب من الهلال الأحمر الإيراني، إلى «محاولة إنقاذ الأفارقة من أنفسهم»، كما تقول. ويعرض الفيلم الصراعات القبلية والدينية، والبلدان الأفريقية الغنية وأصحاب رؤوس الأموال الأفارقة كجهات تقف وراء الحروب والمجاعة. وفي أحد مشاهد الفيلم، يركل رجل الصناعة الإيراني مظفر وعاء الحساء «الحقير» الذي يتم توزيعه على اللاجئين في المخيم التابع لجنوب أفريقيا؛ وأمام صدمته من نوعية الطعام والمعاملة المهينة للاجئين، يأخذ مظفر على عاتقه مهمة تزويد اللاجئين بالطعام الجيد (من المطبخ الفارسي) ومعاملتهم بشكل إنساني وباحترام. مهمة الإنقاذ التي تطالب الأبطال الإيرانيين بتضحيات شخصية، تشمل في النهاية تبني طفلة أفريقية مهجورة وإحضارها إلى إيران لكي يتم تثقيفها داخل أسرة إيرانية، سخية وكريمة.
* فيلم «يوني»
فيلم «يوني»، بالمقابل، هو قصة «بطولة إسرائيلية» على حساب الأفارقة، جرت وقائعها قبل أربعين عاما. فيها يظهر الجنود والضباط الإسرائيليون وهم يضعون خطة مليئة بالمخاطر لإطلاق سراح الرهائن، تنتهي نسبيا بنجاح خارق. فالفرقة تهبط في كينيا وتصل إلى مطار عينتيبة في أوغندا وتقود قافلة من السيارات العسكرية، تم وضع سيارة مارسيدس شبح في وسطها، شبيهة بسيارة الرئيس عيدي أمين آنذاك، حتى تضلل الجنود والحراس الأوغنديين، فتسيطر على المطار وعلى الموقف. ويظهر الفيلم كيف نجح الكوماندو الإسرائيلي في تصفية الخاطفين الفلسطينيين، بعد معركة طويلة قتل فيها 40 راكبا و31 جنديا أوغنديا وضابطا إسرائيليا واحدا هو شقيق نتنياهو. بنيامين نتنياهو، الذي كان ولدا آنذاك، اعتبرها أكبر بطولة إسرائيلية، لكنه لم يُطرِ على أصحابها، وهم خصومه السياسيون (إسحاق رابين وشمعون بيريس وإيهود باراك وموشيه يعلون)، ويحاول إظهارها بطولة لعائلة نتنياهو. واحتفل بذكرى مرور 40 عاما على الحدث، في أوغندا خاصة، بحضور ستة رؤساء أفارقة في مقدمتهم الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، الذي لم يشعر بحرج وهو يمتدح شجاعة ضيوفه الإسرائيليين (لكنه ذكر فلسطين بدل إسرائيل وهناك من اعتبرها «خطأ مقصودا»)، رغم ما دفعوه من ثمن باهظ بسفك دماء عشرات من جنود جيشه وانتهاك حرمة بلاده.
الفيلم الأول، أثار غيرة وحسد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية من إيران، التي تثبت بواسطته وبواسطة نشاطات أخرى أنها تعرف قيمة السوق الأفريقية وتستثمر فيها كثيرا، خصوصا مع إهمال أفريقيا في الدول العربية. ويتضح أنه بالإضافة إلى فيلم «الولد الرابع»، الذي تم إنتاجه بمبادرة صندوق السينما الحكومي «الفارابي»، هناك سلسلة أفلام وثائقية تلفزيونية، تحمل اسم «أفريقيا هنا». ويشكل هذان الإنتاجان محاولة لتجنيد الشاشتين، الكبرى والصغرى، من أجل تعريف المشاهد الإيراني على القارة الأفريقية، كما ينظر إليها في إيران. والسلسلة تتألف من 52 حلقة، جاءت لإطلاع المشاهد الإيراني على أهمية القارة الأفريقية والمحفزات السياسية والتجارية الكامنة فيها. ففي العقود الأربعة التي مضت منذ تأسيسها، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى ترسيخ علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأفريقية.
* فتح أبواب أفريقيا
وقد أعد معهد الدراسات الأفريقية في جامعة تل أبيب دراسة أوصى في نهايتها الحكومة بفتح أبواب أفريقيا، لأنها «سوق عذراء يكتشفها الصينيون والإيرانيون ويغزونها». وتقول الدراسة إن إيران تستفيد آيديولوجيا في أفريقيا، وذلك بواسطة نشر المذهب الشيعي، وهذا سيؤدي حتما إلى صدام مع قوى محلية كثيرة وينبغي على إسرائيل أن تكون جاهزة لاحتلال مكان إيران في هذه الحالة، والبدء في الوقت نفسه في العمل على إطلاق مشاريع أخرى في مجالات تحتاجها أفريقيا ولا تستطيع إيران توفيرها مثل الدعم الأمني والتكنولوجيا الزراعية وحرب السايبر.
والسؤال هو: ماذا يمكن لنتنياهو أن يحقق في جولة قصيرة كهذه؟ وهل دخل أبواب أفريقيا بالقدم اليمنى، الإيجابية، أم بالقدم اليسرى، السلبية، حسب التقاليد المحلية؟
هنا يأتي دور الفيلم الثاني. صحيح أن نتنياهو لم يكن مخرج فيلم «يوني» المذكور، وما احتواه من غطرسة وتباه بالقوة الإسرائيلية العسكرية، لكنه يعبر تماما عن روح نتنياهو وعقليته. فقصة الفيلم تروى بروح الموقف المعلن أن «لا تفاوض مع إرهابيين يخطفون الرهائن، مهما كان الثمن»، لكنها تبين أن الثمن قد يكون باهظا لدول أخرى وليس فقط لإسرائيل. فالهجوم على مطار عينتيبة كان بمثابة انتهاك لحرمة أوغندا وفي ضمنه تم تضليل الجيش الأوغندي بواسطة استخدام سيارة شبيهة بسيارة الرئيس الفخمة وتم قتل 20 جنديا أوغنديا خلال تراشق الرصاص ودمرت القوة الإسرائيلية 17 طائرة حربية أوغندية قبل أن تغادر.
وعلى الرغم من أن رئيس أوغندا رحب بنتنياهو والاحتفال بمناسبة 40 سنة على العملية، فإن كثيرين من أفراد الحاشية أكدوا أن ردود الفعل على الأرض لم تكن مثيرة للحماس. فمن مجموع 54 رئيس دولة تمت دعوتهم لحضور الحفل، حضر سبعة زعماء فقط (هم رؤساء أوغندا وكينيا وورواندا وإثيوببيا وجنوب السودان وتنزانيا وزامبيا). والفكرة التي يحاول نتنياهو دحرجتها لقبول إسرائيل عضوا مراقبا في اتحاد دول أفريقيا، رفضت بشكل قاطع. ووسائل الإعلام التي رحبت بنتنياهو، ليست صحافة حرة إنما تعمل بوقا للسلطات هناك، والصحافيون الإسرائيليون المشاركون في الزيارة تكلموا عن تذمر شديد من سياسة الكبت الحكومية ولم يبخلوا في توجيه النقد، ولكن بصوت خافت لسياسة نتنياهو في الشرق الأوسط والعالم. ولذلك فهي ليست مقياسا لنبض الشارع. ورجال الأعمال الإسرائيليون الذين شاركوا نتنياهو رحلته، أكدوا أن الطريق سيكون طويلا جدا حتى تصبح هناك علاقات تجارية عميقة وكبيرة مع الدول الأفريقية. لا، بل إن القرار الذي أعلنه نتنياهو نفسه برصد مبلغ 50 مليون شيكل لتشجيع العلاقات مع دول أفريقيا، يعتبر مثارا للسخرية. فهذا المبلغ يضاهي 14 مليون دولار. فما الذي يمكن عمله بمبلغ هزيل كهذا؟
من هنا، فإن الآمال التي يبنيها نتنياهو بعودة العصر الذهبي الإسرائيلي في أفريقيا، حينما كانت لها علاقات دبلوماسية واقتصادية قوية مع 33 دولة، تبدو أقل واقعية مما يظهر من لهجة رئيس الوزراء الإسرائيلي ومساعديه الكثيرين، الذين اعتبروها زيارة تاريخية. صحيح أنها ساهمت في رفع المعنويات الإسرائيلية، خصوصا في وزارة الخارجية، التي لطالما رغبت في مكافحة العزلة السياسية الدولية، وصحيح أنها ستفتح بعض الأبواب الجديدة في مجال العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية والتجارية، لكن أحدا لا يتوقع من الإسرائيليين أن يتدفقوا بمئات ألوفهم على العواصم الأفريقية حاملين حقائب سفر أو حقائب دولارات.
* هدف استراتيجي
وكما يقول د. عوفر يسرائيلي، الباحث في المعهد الأكاديمي المتعدد المجالات في مدينة هرتسيليا، فإن «أفريقيا باتت هدفا استراتيجيا للسياسة الإسرائيلية، يضعه نتنياهو وغيره من صناع القرار الإسرائيلي لتوسيع العلاقات السياسية والأمنية مع مجتمعات جديدة، بجانب الحلفاء التقليديين في شمال أميركا وغرب أوروبا. وهناك إدراك قوي لضرورة وأهمية التعاون الأمني والاستخباري بين الإسرائيليين والأفارقة، تعبيرا عن مصالح متبادلة، ولكن هناك في المقابل مخاوف كثيرة وبيروقراطية شديدة وشعور غير مريح بأن الحكومة تذكرت أفريقيا متأخرا. لذلك، فإن المتوقع هو أن تسير عملية التجديد ببطء وبحذر زائد حتى لو تم توقيع العقود التجارية الخاصة بصفقات الأسلحة والعقود الاستثمارية».
وأما الكاتب الصحافي بن كاسبيت، فيقول: «من الأمور القليلة التي يمكن تسجيلها نجاحا لصالح نتنياهو هو زيارته لأفريقيا. فهو وضع حدا للعار الإسرائيلي بإهمال هذه القارة، الذي يشتم منه رائحة كريهة تدل على أن حكوماتنا السابقة تعاملت على أساس أنها بيضاء أكثر من اللازم تجاه بلاد سوداء أكثر من اللازم، بلغة أخرى عنصرية. ولكن أفريقيا اليوم هي ليست أفريقيا الأمس. ولن تكون سهلة. إلا أن نتنياهو الفاشل في كل شيء كان ناجحا هنا في المحاولة. المشكلة هي أن أفريقيا الجديدة حذرة وعطشى. عطشى بمعنى أنها تريد أن تنتقل إلى العالمية. الدول التي زارها نتنياهو تتقدم نسبيا أكثر من غالبية دول أفريقيا، خصوصا من الناحية الاقتصادية. ولكنها حذرة بمعنى أنها لا تريد أن تحارب حروب إسرائيل. ولا تريد أن تتخلى عن الموقف السياسي التقليدي في قضية السلام في الشرق الأوسط وما زالت غالبيتها تساند الفلسطينيين وترفض الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولن نتمكن من تبديد مخاوفها منا، إلا إذا عرفنا كيف نبادر لتغيير الواقع السياسي هنا مع الفلسطينيين. فأفريقيا، وإن كانت تغرب في خبراتنا الأمنية وقدراتنا التكنولوجية، لكنها لا تتنازل عن مصالحها السياسية مع العالم العربي.
وهكذا، فإن الضجة التي أقامها نتنياهو حول جولته الأفريقية تبدو «احتفالا بالزواج، قبل أن توافق العروس وأهلها عليه». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه الريح. فحكومة إسرائيل بقيادة (نتنياهو) واعية لخطورة العزلة الدولية التي تعانيها، خصوصا مع النجاحات الفلسطينية في الساحة الدولية، وتحاول فك هذه العزلة عن طريق معركة لصد المشروع الفلسطيني وقلبه رأسا على عقب. وضمن خطتها أن تنقلب من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، لدرجة الجرأة على ترشيح نفسها لعضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أقل من سنتين. وهي تسعى لتجنيد الأصوات، خصوصا في أفريقيا كونها بحاجة ماسة للخبرات الأمنية والتكنولوجيا الصناعية والزراعية. وكل فراغ يتركه العرب أو غيرهم وراءهم في أفريقيا، يخططون لملئه عاجلا. وهي تفعل ذلك ببطء وبنواقص كبيرة ولكن بإصرار. فعند نتنياهو اليوم هم كبير هو فك العزلة السياسية عن إسرائيل.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.