«المتمهن».. بناء الجسور في رواية تركية

إليف شافاق تكتب حكاية حبها لمدينة إسطنبول

جانب من مدينة إسطنبول القديمة - غلاف الرواية
جانب من مدينة إسطنبول القديمة - غلاف الرواية
TT

«المتمهن».. بناء الجسور في رواية تركية

جانب من مدينة إسطنبول القديمة - غلاف الرواية
جانب من مدينة إسطنبول القديمة - غلاف الرواية

الكاتبة التركية إليف شافاق تشترك مع الكثير من كتاب العالم اليوم في اختيارها للغة غير لغتها الأم لكي تكتب بها. نعرف الكثير من أولئك في الوطن العربي: كتاب أنجلوفونيون وفرانكوفونيون، ويعرف بقية العالم، غير الغربي غالبًا، الكثير منهم أيضًا. ولعل هذا الوجود البرزخي العبر ثقافي لأولئك الكتاب، سواء العرب أو غير العرب، هو ما يجعلهم قريبين من الأوضاع الإنسانية البرزخية أيضًا، حيث تتداخل ثقافات وتتبلور تطلعات وتعلو مشكلات يصعب تصورها خارج ذلك الإطار من القلق العابر للحدود وللوجود. ولعل ذلك القلق أحد الأسباب وراء شعبية شافاق العابرة للحدود أيضًا والتي تؤكدها ترجمة رواياتها إلى الكثير من اللغات يقال أنها بلغت الأربعين كانت العربية إحداها. إنها، كما يقول عن نفسه بطل روايتها التي أتحدث عنها هنا، «تحب الجسور».
رواية شافاق هي The Architect’s Apprentice) 2014) التي ترجمها إلى العربية محمد درويش بعنوان «الفتى المتيم والمعلم» (دار الآداب 2015). هنا تنعقد صلات مدارها الحب، الحب بين تلميذ ومعلم، وبين شاب وحيوان، وبين فتى وأميرة. يهيمن الحبان الأولان ويستمران بينما يصل الثالث في نهاية الرواية إلى اكتشاف محزن. الحب، ولعل الكلمة الأدق هي العشق، يتصدر الرواية من خلال اقتباسين من شاعرتين من القرن السادس عشر، شاعرة عثمانية وأخرى هندية. والقرن السادس عشر هو الفترة التاريخية للأحداث، ففي تلك الفترة رحل الفتى الهندي جهان مع فيله الأبيض المحبوب، وهو فيل شاب أيضًا، إلى قصر السلطان العثماني سليمان القانوني في إسطنبول، حيث تبدأ الحكاية بتعرف جهان على المعماري التركي الشهير سنان وانضمامه إلى تلاميذه المتمهنين، أو الراغبين في تعلم مهنة الهندسة المعمارية، وكذلك بتعرفه على ابنة السلطان محرمه (أو مهريمه، كما تتهجى). جهان هو مركز الانتباه وأعين السرد، رغم هيمنة السارد العليم، تكاد تتجه حيثما اتجهت عيناه وانصرف همه. نتابع علاقته الحميمة بالفيل الأبيض الصغير الذي جاء هدية من حاكم هندي، مثلما نتابع تعلقه بمحرمه، ومثلما نتابع، وهو الأهم، علاقته الحميمة أيضًا بأستاذه سنان.
علاقات الحب هذه تتشكل عبر رؤية غير مألوفة تلخصها عبارة إهداء تتصدر الرواية هي «إلى المتمهنين في كل مكان... لم يعلمنا أحد أن الحب هو الحرفة الأصعب». ما ليس بمألوف هنا ليس وصف الحب بالحرفة فحسب وإنما في توسيع أمداء الحب أيضًا بحيث يشمل الإنسان والحيوان وكذلك – وهنا مكمن جمال أيضا – العمارة. رواية شافاق حكاية حب لمدينة، لإسطنبول تحديدًا: كيف تشكلت معماريًا، الناس الذين بنوها، الرؤى والدماء التي نزفت لكي تُبنى، وعلاقات السلطة والهيمنة التي تقف في خلفيتها التاريخية. في ملاحظة ذيلت بها الرواية ذكرت شافاق أن العمل ولد من تأملها وهي في سيارة تاكسي في إسطنبول مبنى قديما كان المعماري سنان قد أنجزه، ثم واصلت البحث حتى عثرت على التاريخ المعماري للمدينة ودور المعلم الذي عرف بـ«المعمار سنان» الذي مات عن 99 عامًا في 1588، بعد أن عاصر ثلاثة من السلاطين العثمانيين آخرهم مراد الثالث. لكنها في قراءتها أيضًا عثرت على ما أوحى لها بشخصية جهان والفيل وعناصر سردية أخرى بعضها تاريخي والبعض متخيل، لتولد الرواية في النهاية من إعادة صياغة التاريخ بصورة تعبر عن رؤية فنية، ونظرات معمقة في حياة الإنسان وعلاقاته بما حوله. وأظن أن كثيرًا من كتاب الرواية التاريخية والمعنيين بها سيفيدون من ملاحظات الكاتبة في نهاية الرواية حول الكيفية التي حولت بها الأحداث والشخصيات التاريخية إلى أحداث وأشخاص روائية.
في رواية شافاق، التي أود ترجمة عنوانها إلى «الفتى المتمهن والمعماري» أو إلى «تلميذ المعماري»، وهي ترجمات لا تنقل إيحاءات الأصل، مثلما لا ينقله العنوان الذي اختاره درويش في ترجمته. في هذه الرواية التي تتجاوز الأربعمائة وخمسين صفحة ثراء من كل نوع: سردي وتاريخي ولغوي وفلسفي، مما يستحيل اختصاره هنا، ومع أني قرأت الأصل وليس الترجمة فإني أرجو أن تكون الترجمة المتوفرة للقارئ العربي قد نقلت شيئًا من ذلك الثراء، لكن حسْب الترجمات، كما هو حسْب المقالات التعريفية، أن توحي بالأصل، كل بمقدار. العلاقة الحميمة بين جهان والفيل من أجمل ما في الرواية، وكذلك هو إعجاب الفتى الهندي بالمعماري الشهير وما يصدر عن تلك العلاقة من رؤى معمقة تجاه البناء ودلالاته الفنية والإنسانية. أما العلاقات الاجتماعية، لا سيما أوضاع المضطهدين من نساء وعبيد وأسرى وأقليات كثيرة عاشت متجاورة في إسطنبول العثمانية، أولئك الذين لا يتذكرهم أحد، فمن الجوانب التاريخية التي تشرق الرواية بوصفها عن قرب وتعاطف كبير. في لقاء بين جهان وبائع الكتب سيميون يسأل البائع العجوز الفتى الهندي عن أفضل ما يجيد بناءه، فيرد جهان «أحب الجسور». والجسور بمعناها الأشمل محور رئيس للرواية، جسور بين الناس وبين الحضارات، بين سنان ومايكل أنجلو، وكانا متعاصرين، بين الإنسان والحيوان، بين الأقوياء والضعفاء. الجسور حوار بين ضفاف والعمارة، كما يقول سنان، «حوار مع الإله».
مع اقتراب الرواية من نهايتها تتكثف الرؤى حول معنى تلك العلاقات والأحداث. ينظر جهان في كبره إلى ماضيه فيتكشف له عن مأساة تكاد تختصر كل شيء: «لقد كرس حياته سنوات كثيرة لمدينة كان فيها – ولا يزال – غريبًا؛ حبه لامرأة لا تُطال؛ وشبابه وقوته لمهنة كانت، على الرغم من أهميتها، تُرفض لأتفه تغير في الأحداث». هنا تبدو الحياة من خلال مجاز معماري، مبنى هشا وقابلا للانهيار في أية لحظة. لكن وجوهًا أخرى للمأساة تتجاوز معاناة جهان وحده. أحد تلك الوجوه هي الحروب التي كان السلاطين يشنونها بين الحين والآخر سعيًا وراء الغنائم. يقول دافود، زميل جهان في تعلم العمارة والذي حل بالحيلة محل سنان في بلاط السلطان، وهو يوضح لزميله ما لم ينتبه له الزميل البريء: «كل مسجد هائل بنيناه قام على ثروة جاءت من غزوة أخرى. في طريقه إلى أرض المعركة دمر الجيش قرى وقتل المزيد من أهل بلادي. لم يهتم معلمنا لآلامهم. رفض أن يرى ذلك، فدون سفك الدماء في أماكن أخرى، لم يكن المال ليتوفر، ودون المال لم يكن مبنى ليقوم في العاصمة». ذلك هو الوجه الآخر للحضارة يراه المهمشون وإن احتلوا مراكز قوة فيما بعد، مصداقًا لقول فالتر بنيامين: لا توجد وثيقة لحضارة ليست في الوقت نفسه وثيقة لبربرية.
من المشاهد الأكثر بربرية وإيلامًا، المشاهد التي يراها المهمشون بل يعيشونها، مشهد يأتي في ختام الرواية. إنه مشهد المحظيات اللاتي كن في قصور السلاطين وانتهت «صلاحيتهن». نراهن في مشهد مأساوي وقد جمعن في مبنى منعزل يأكلن ويشربن حتى جاءت النهاية وقد عجلت بها أحداث مختلفة، منها صراعات الحرملك والدخول في مؤامرات ومكائد مختلفة، كما أن منها فقدانهن لسر جاذبيتهن لأسيادهن. في مشاهد كتلك تهبط بنا الرواية إلى جحيم دانتي، بعد أن صعدت بنا إلى جناته المتمثلة بجماليات العمارة ونعيم القصور. لكن مجمل الرواية وأحداثها تنفرش أمامنا على ما يشبه المطهر الكبير، حيث تعتلج الأحداث وتعلو الطموحات ثم تموت.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».