وزير الخارجية المصري في زيارة مفاجئة لإسرائيل وسط ترتيبات أقليمية متحركة

دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط»: الزيارة تبحث عن إمكانية تحقيق تقدم للملفات المزمنة في المنطقة

وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب أمس (رويترز)
وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب أمس (رويترز)
TT

وزير الخارجية المصري في زيارة مفاجئة لإسرائيل وسط ترتيبات أقليمية متحركة

وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب أمس (رويترز)
وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب أمس (رويترز)

دعا وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال زيارة هي الأولى لمسؤول مصري رفيع منذ 9 سنوات إلى تل أبيب أمس، لإعادة إحياء عملية السلام المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، قائلا إنه «لم يعد من الممكن القبول بمقولة الحفاظ على الوضع الراهن باعتبارها أفضل ما يمكن تحقيقه من آمال وطموحات الشعبين»، مؤكدا أن «الحل ليس بعيد المنال».
وتعد الزيارة هي أول تحرك فعلي لمسؤول مصري بعد أن أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة لإحلال «سلام دافئ» بين إسرائيل وجيرانها العرب قبل شهرين. وأجرى شكري مباحثات وصفتها الخارجية المصرية بـ«الهامة» مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن «زيارة شكري لإسرائيل، وهي الأولى لوزير خارجية مصري منذ تسع سنوات، تعد مؤشرا قويا على وجود تقدم ملموس تجاه تفعيل المبادرة المصرية الخاصة بتحريك عملية السلام (في إشارة لدعوة السيسي)».
وقال دبلوماسي مقرب من الخارجية المصرية لـ{الشرق الأوسط» إن التقارب التركي الإسرائيلي قد لا يشغل مصر بقدر ما تبحث القاهرة عن إمكانية تحقيق تقدم للملفات المزمنة في المنطقة التي تحتاج إلى تحرك سريع.
وأضاف الدبلوماسي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه أن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى تل آبيب تأتي في ظل البحث عن وجود آفاق لأوضاع إقليمية جديدة بالمنطقة، خاصة في ظل الملفات الشائكة والإرهاب والتطرف، وهو الأمر الذي يعجل بأوضاع إقليمية وحتى دولية تخفف من ضغوط الأزمات التي تتعرض لها المنطقة.
وحول إمكانية انفراجة في الملف السوري, ذكر الدبلوماسي أن الرؤية ليست واضحة بعد، وقد تكون الصورة أوضح خلال الأسابيع المقبلة، وعلى خلفية تجاوب حكومة الأسد لحل الأزمة.
وشدد الدبلوماسي على أن مصر تؤكد على أهمية وضع سقف زمني لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وتعمل على مناقشة الفكرة مع الجانب الفلسطيني والأطراف الدولية وخصوصًا باريس، مشيرا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي دعا إسرائيل إلى إبرام اتفاقية سلام تنهي الصراع، وتؤسس لحل الدولتين، في إطار التعايش ونبذ العنف والإرهاب.
من جانبه، رحب نتنياهو بالمبادرة المصرية، داعيا الفلسطينيين لـ«اعتماد المثال الشجاع الذي رسمته مصر والأردن والانضمام إلينا في مفاوضات مباشرة باعتبارها الطريقة الوحيدة للسلام»، على حد قوله.
وكانت آخر زيارة لوزير خارجية مصري لإسرائيل في عام 2007. ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الفلسطينيين والإسرائيليين في مايو (أيار) الماضي لاغتنام الفرصة لتحقيق سلام تاريخي، وقال إن اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل سيكون «أكثر دفئا» من الوضع الحالي لو تحققت مطالب الفلسطينيين بإقامة وطن لهم، مبديا استعداد مصر للمساهمة في الجهود الرامية لإيجاد حل للصراع. وتوقفت محادثات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل في أبريل (نيسان) 2014 بسبب توسع إسرائيل في إقامة مستوطنات على الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967. وتواكب الزيارة جهود فرنسية لإحياء مسار السلام في الشرق الأوسط، بعد أن أعلنت عن مبادرتها لعقد مؤتمر دولي بهدف جمع طرفي النزاع حول طاولة المفاوضات، بنهاية العام الحالي، غير أنها ما زالت متعثرة.
وقال شكري، في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، إن زيارته لإسرائيل تأتي في توقيت هام وحرج تمر به منطقة الشرق الأوسط، فيما بين صراع فلسطيني - إسرائيلي امتد لما يزيد على نصف قرن راح ضحيته الآلاف، وتحطمت على جداره طموحات وآمال الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفقًا لحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وطموحات الملايين من أبناء الشعب الإسرائيلي في العيش في أمان واستقرار وسلام. ونوه الوزير المصري إلى «التنامي والانتشار المخيف لظاهرة الإرهاب»، مؤكدا أنها «باتت تمثل خطرا وجوديا على شعوب المنطقة، بل والعالم أجمع، دون استثناء أو حصانة لأي شخص أو جماعة أو شعب».
وأشار شكري إلى أن الزيارة تأتي في إطار الجهد المصري لتحقيق السلام لنفسها وجميع شعوب المنطقة، ولا سيما الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وفي إطار رؤية الرئيس السيسي لتحقيق سلام شامل وعادل بين الجانبين ووضع حد نهائي لهذا الصراع الطويل.
وأضاف: «هذا الإنجاز إذا تحقق سيكون له أثار إيجابية على منطقة الشرق الأوسط، واستعداد مصر للإسهام بفاعلية في تحقيق هذا الهدف استنادًا إلى تجربتها التاريخية في تحقيق السلام والثقة التي تحظى بها كداعمة للاستقرار ونصير لمبادئ العدالة».
ومصر أول دولة عربية تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل بموجب اتفاق سلام أبرم برعاية الولايات المتحدة عام 1979. لكن العلاقات بين الجانبين يشوبها الفتور بسبب استمرار احتلال إسرائيل للأراضي التي يطمح الفلسطينيون لإقامة دولتهم عليها. وسبق أن قام شكري بزيارة مماثلة إلى رام الله التقى فيها بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في 29 يونيو (حزيران) الماضي. كما استقبلت القاهرة وفودا من حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وقال شكري: «أزور إسرائيل لاستكمال نفس الحوار، كي نهتدي سويًا إلى خطوات جادة على الطريق السليم لتفعيل مقررات الشرعية الدولية واحترام الاتفاقيات والتفاهمات التي سبق أن توصل إليها طرفا النزاع من أجل تحقيق حل الدولتين. فالثقة المطلوب تحقيقها هي تلك القائمة على العدل والحقوق المشروعة.. احترام حق الآخر في الحياة في سلام واستقرار.. والرغبة المتبادلة في التعايش السلمي في دولتين مستقلتين إلى جوار بعضهما البعض في سلام وأمن». ولفت وزير الخارجية المصري إلى معاناة الشعب الفلسطيني التي قال إنها «تزداد صعوبة يومًا بعد يوم، وحلم السلام والأمن يصبح بعيد المنال عن الشعب الإسرائيلي طالما بقي الصراع»، مضيفا أنه «لم يعد من الممكن القبول بمنطقية مقولة الحفاظ على الوضع الراهن باعتبارها أفضل ما يمكن تحقيقه من آمال وطموحات الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.. فالوضع الراهن، وللأسف، ليس مستقرًا أو ثابتًا، ولا يتناسب مع تطلعات وطموحات الشعبين، أو شعوب المنطقة والعالم، المتطلعة إلى السلام والأمن والاستقرار».
وتابع: «رؤية حل الدولتين ليست بعيدة المنال، وهناك الكثير من الأفكار والمبادرات المطروحة التي يمكن أن تسهم في ترجمته إلى واقع عملي، إلا أن تنفيذ تلك الرؤية يقتضي اتخاذ خطوات جادة على مسار بناء الثقة، وتوفر إرادة حقيقية غير قابلة للتشتت أو فقدان البوصلة تحت أي ظرف من الظروف».
من جانبه، قال نتنياهو: «أدعو اليوم الفلسطينيين مرة أخرى إلى اعتماد المثال الشجاع الذي رسمته مصر والأردن والانضمام إلينا في مفاوضات مباشرة باعتبارها الطريقة الوحيدة التي نستطيع من خلالها التعامل مع جميع القضايا العالقة بيننا وتحويل رؤية السلام المبني على دولتين للشعبين إلى واقع».
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي كرر في معرض ترحيبه بالضيف المصري دعوته للفلسطينيين باستئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورحب بالجهود التي تبذلها مصر في سبيل حل الصراع والتوصل إلى «سلام أوسع في المنطقة».
وأعلن نتنياهو في اجتماع مجلس الحكومة عن الزيارة، وقال إنها «مهمة لأسباب كثيرة وتشكل دليلا على التغيير الذي حدث في العلاقات الإسرائيلية المصرية بما في ذلك دعوة الرئيس السيسي المهمة إلى دفع عملية السلام، مع الفلسطينيين ومع الدول العربية على حد سواء».
في السياق ذاته، اعتبرت الدكتورة أنيسة حسونة، عضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري، الزيارة دليل على وجود خرق قوي لحالة الجمود التي مرت بها عملية السلام، مشيرة إلى أن إرسال مصر وزير خارجيتها إلى تل أبيب يدل على وجود تقدم تجاه تنفيذ مبادرة الرئيس السيسي، لإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.
وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات المصرية لإعادة إحياء عملية السلام بدأت باستقبال ممثلين للفصائل الفلسطينية في القاهرة، ثم زيارة شكري إلى رام الله الشهر الماضي، تلتها تلك الزيارة إلى تل أبيب، متوقعة وجود نتائج ملموسة خلال الفترة القادمة، وأهمها استعادة القضية الفلسطينية كأولوية في قضايا منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها جوهر استقرار المنطقة. وتابعت حسونة: «رغم الحديث عن القضية الفلسطينية بالأساس، فإن هناك قضايا أخرى جرت مناقشتها في المباحثات بالتأكيد ومنها الوضع في سوريا، والتقارب الإسرائيلي التركي، وجهود مكافحة الإرهاب والاختراقات الأمنية المتكررة في المنطقة وعلى الحدود بين الجانبين». وتأتي زيارة شكري قبيل انعقاد القمة العربية في العاصمة الموريتانية نواكشوط أواخر الشهر الحالي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.