النظام يعلن هدنة لوقف النار ويسارع إلى خرقها بقصف حلب والغوطة الشرقية

المعارضة تعزوها إلى ضغط روسي.. وكيري يعمل مع موسكو لتحويلها إلى دائمة

اطفال سوريون يسيرون وسط الدمار في جوبر بريف دمشق حيث تسيطر فصائل معارضة عشية عيد الفطر (إ ف ب)
اطفال سوريون يسيرون وسط الدمار في جوبر بريف دمشق حيث تسيطر فصائل معارضة عشية عيد الفطر (إ ف ب)
TT

النظام يعلن هدنة لوقف النار ويسارع إلى خرقها بقصف حلب والغوطة الشرقية

اطفال سوريون يسيرون وسط الدمار في جوبر بريف دمشق حيث تسيطر فصائل معارضة عشية عيد الفطر (إ ف ب)
اطفال سوريون يسيرون وسط الدمار في جوبر بريف دمشق حيث تسيطر فصائل معارضة عشية عيد الفطر (إ ف ب)

أعلن النظام السوري عن تطبيق نظام للتهدئة بمناسبة عيد الفطر يشمل المدن السورية كافة، بدءًا من الساعة الواحدة من ظهر أمس الأربعاء، ويستمر إلى منتصف التاسع من شهر يوليو (تموز) الحالي، أي يوم السبت المقبل، لكنه سرعان ما خرق هذه الهدنة، بعد ساعة واحدة على سريانها بقصف مدفعي طال مناطق سيطرة المعارضة شرق حلب، كما استبق ذلك بقصف جوي ومدفعي على المدينة أثناء أداء صلاة عيد الفطر، ما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين وجرح العشرات بينهم أطفال. كما حاولت قوات النظام التقدم في الغوطة الشرقية، وإحداث اختراق لبلدة ميدعا في ريف دمشق، وسط قصف جوي ومدفعي عنيف على المنطقة.
من جهته، قال الجيش السوري الحر، أمس، إنه سيلتزم بوقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة.
ونقلت «رويترز» بيانا نشر على حساب أحد قادة المعارضة السورية البارزين على «تويتر»: «نعلن نحن الفصائل الثورية المسلحة في سوريا أننا نرحب بأي جهد لوقف إطلاق النار أيام عيد الفطر السعيد ونعلن أننا سنلتزم به طالما التزم به الطرف الآخر».
وأكد مصدر عسكري في المعارضة السورية لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجيش الحر وفصائل المعارضة المعتدلة، مستعدون للالتزام بهذه الهدنة بمقدار التزام قوات النظام بها». وقال: «المعارضة صاحبة مصلحة في التهدئة خلال أيام عيد الفطر المبارك لينعم السوريون بالحدّ الأدنى من فرحة هذا العيد رغم مآسيهم». وأضاف: «موقفنا واضح، إذا أوقفت قوات النظام قصفها الجوي والمدفعي، فنحن ملتزمون بهذا الأمر، إلا في حال الدفاع عن النفس، والردّ على مصادر النيران».
ورحب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أمس، بإعلان الجيش السوري «نظام تهدئة» لمدة 72 ساعة في الأراضي السورية كافة، لكنه قال إنه يعمل مع روسيا وغيرها لتحويله إلى هدنة دائمة.
وأضاف للصحافيين، خلال زيارة إلى جورجيا الجمهورية السوفياتية السابقة: «نرحب بشدة بإعلان فترة من الهدوء في الاحتفال بالعيد». وتابع: «نأمل كثيرا في أن يتم احترامها من قبل جميع الأطراف وأن تصمد» مشيرا إلى أن التهدئة «تخضع للنقاش داخل المجموعة الدولية لدعم سوريا» التي تضم 22 بلدا.
وقال كيري: «باشرنا الآن مناقشات مستمرة مع مختلف الأطراف وضمنها روسيا بشأن إمكانية تمديد ذلك»، معربا عن الأمل في أن تكون الهدنة «مؤشرا» إلى فرص مقبلة. وتابع متسائلا: «هل 72 ساعة كافية؟ الجواب بسيط وهو لا. وهل 72 ساعة مرحب بها أكثر من لا شيء؟ الجواب هو نعم».
وفي القراءة السياسية السورية لهذا التطوّر، عزا عضو الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة أحمد رمضان، إعلان الهدنة إلى «وجود ضغط روسي على النظام بعد حدوث تحول ما في موقف موسكو مؤخرًا، وعدم وجود تغطية جوية روسية للمعارك التي خاضها النظام والحرس الثوري والميليشيات الإيرانية في ريف حلب الجنوبي والساحل السوري».
وبعيدًا عن حسابات الربح والخسارة في الميدان، ذكّر رمضان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن «المعارك التي حصلت في حلب ألحقت خسائر كبيرة بالجانب الإيراني و(حزب الله)، ولم تؤد إلى نتائج تصبّ في صالحه، إنما خسروا مواقع جديدة»، لافتًا إلى أن «النظام يحتاج الآن إلى إعادة ترتيب لصفوف وحداته القتالية التي باتت في وضع سيء للغاية».
أما المستشار القانوني للجيش السوري الحرّ أسامة أبو زيد، فأوضح أن إعلان الهدنة لم يكن قرارًا لنظام بشار الأسد، إنما جاء وليد اتفاق روسي أميركي تم التوصل إليه في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء - الأربعاء، يشمل كل سوريا وطيلة أيام العيد. ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن النظام «يحاول أن يستثمر هذا الاتفاق سياسيا، وأن يظهر التزامًا إنسانيًا مزعومًا، لكن الواقع على الأرض يخالف ذلك، بدليل أنه لم يتوقف عن قصف حلب بالمدفعية والصواريخ، كما قصف مدينة دوما في الغوطة الشرقية بصاروخ أرض أرض».
وكشف أبو زيد عن أن «الخلاف الأميركي - الروسي وصل خلال اليومين الماضيين حدّ التوتر، وبدا ذلك واضحًا من تصريحات نائبة مستشارة الأمن القومي الأميركي، عندما أعلنت أن الخيار العسكري في سوريا لا يزال قائمًا، وذلك على خلفية استهداف الطيران الروسي في منطقة البادية، موقعًا عسكريًا لجيش سوريا الجديد الذي دربته واشنطن». وأعاد أحمد رمضان التذكير بـ«عدم التزام نظام بشار الأسد بأي هدنة». وأعطى مثلاً على ذلك «قصف النظام مدينة حلب بعد ساعتين من توقيت سريان وقف إطلاق النار، وكذلك قصفه المصلين أثناء صلاة العيد». لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن «الأولوية باتت مختلفة لدى الجانب الروسي في تغطية المعارك، عن أولوية النظام والإيرانيين، وهذا مرتبط بإعادة تمحور إقليمي ودولي يتعلّق بالملف السوري».
وفي تعبيره للتحوّل الملموس في النظرة إلى الحرب السورية، أشار المستشار القانوني للجيش الحرّ إلى أن «التقارب التركي الروسي، أدى إلى تعقّل في موقف موسكو، لا سيما بعدما أيقنت الأخيرة أن الضغط العسكري لم يوصل إلى أي نتيجة، رغم الإمكانات التي دفعت بها روسيا في الحرب، ورغم توافد آلاف المقاتلين من المرتزقة للقتال إلى جانب النظام من ميليشيات (حزب الله) والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية وغيرها». وأبدى أبو زيد اعتقاده أن «دول القرار وصلت إلى قناعة مفادها أن الحلّ العسكري لن يبقي بشار الأسد في السلطة، ويجب البحث عن حلّ سياسي مختلف، يفرض العودة إلى المفاوضات، انطلاقًا من مخرجات بيان جنيف - 1. والوصول إلى انتقال سياسي في سوريا».
ميدانيًا، صعّد النظام قصفه مناطق المعارضة في الساعات الأولى من صباح أمس الأربعاء، وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن «قوات النظام قصفت عند صلاة عيد الفطر مناطق في حي المشهد بمدينة حلب، ما أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص وإصابة آخرين بجراح بينهم ناشط إعلامي، وبعض الجرحى في حالات خطرة»، مؤكدًا أن «الطائرات الحربية قصفت حي بني زيد وطريق الكاستيلو ومنطقة الملاح وبلدة كفر حمرة، بالتزامن مع اشتباكات في محور الملاح بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة، وفصائل المعارضة من جهة أخرى»، وقال إن «طائرات حربية نفذت صباحًا (أمس) عدة غارات على بلدة العيس وتلتها في ريف حلب الجنوبي، كما تعرضت بلدات خلصة وزيتان ومعراتة وخان طونان والقراصي لقصف من قبل قوات النظام».
وقال «جيش الإسلام» المعارض في بيان إنه «رغم التهدئة المزعومة هناك محاولة اقتحام شنّتها ميليشيات الأسد على ميدعا ومعارك عنيفة يخوضها المجاهدون للتصدّي لها». ويسيطر «جيش الإسلام» على بلدة ميدعا. و«جيش الإسلام» جزء من الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل شريحة واسعة من فصائل المعارضة السورية في المفاوضات الدولية. وكان تنظيم داعش تبنّى التفجير الذي ضرب مدينة الحسكة، مساء الثلاثاء، وقال إن «انتحاريا للتنظيم يرتدي سترة ناسفة قتل 35 عنصرًا من الوحدات الكردية عند دوار الصالحية بمدينة الحسكة».
وقتل 16 شخصا، بينهم ثلاثة أطفال، وأصيب أربعون آخرون بجروح، جراء تفجير انتحاري استهدف، مساء الثلاثاء، حي الصالحية، وفق حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي كان أفاد أن الانتحاري كان يقود دراجة نارية حين أقدم على تفجير نفسه.
وشهدت مدينة الحسكة جوا من التوتر في اليومين الأخيرين جراء اشتباكات بين قوات النظام وقوات الأسايش، وفق مراسل الصحافة الفرنسية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.