النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

نيتشه بعيون طه عبد الرحمن

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق
TT

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

ولد المفكر المتميز طه عبد الرحمن سنة 1944، وبلغ من العمر 72 عاما، ولوحظ أنه أصبح، في الآونة الأخيرة، غزير الإنتاج. فما أن يظهر له كتاب حتى يفاجئنا بآخر. وتميزت مؤلفاته الأخيرة، بالنضج وسهولة الاستيعاب مقارنة بمؤلفاته الأولى. ناهيك عن اتضاح معالم فلسفته التي يسميها «الفلسفة الائتمانية»، التي يعد بأن يخصص لها مؤلفا خاصا، يحدد فيه المبادئ العامة الموجهة لها. ويخوض في أعماله، مغامرة النقاش النقدي القوي مع بعض رموز الفكر الغربي. فإذا كان قد خصص مؤلفه «بؤس الدهرانية»، لأربعة نماذج من الفلاسفة، هم: روس، وكانط، ودوركايم ولوك فيري. فإنه خصص في كتابه «شرود ما بعد الدهرانية»، الصادر عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في هذه السنة 2016، لنقاش حاد ولاذع مع رموز أخرى للفكر الغربي، وهم على التوالي: فريديريك نيتشه، وجورج باتاي، والمركيز دي ساد، وسيغموند فرويد، وجاك لاكان. وكلهم بحسب طه عبد الرحمن، ينتمون إلى ما يسميه نزعة ما بعد الدهرانية.. فماذا يقصد بذلك؟
لنتذكر أن طه عبد الرحمن، اختار لمفهوم اللائكية أو الأرضنة، لفظة الدنيانية، وعرفها بأنها إخراج مجالات الحياة من الدين. وسيعمل على نعت كل إخراج باسم خاص. فمثلا، سيسمي فصل السياسة عن الدين بالعَلمانية، وفصل العلم عن الدين بالعِلمانية، وفصل الأخلاق عن الدين بالدهرانية. وهذا اللفظ هو الذي يهمنا بالأساس. إضافة إلى هذا، يعتبر طه عبد الرحمن أي خروج عن الدين أيا كان، هو «مروق». ولهذا فبؤس الدهرانية يتمثل في مروقها. أما ما بعد الدهرانية، فهي مرحلة من الدنيانية الفائقة، التي تجاوزت رتبة المروق لتدخل إلى رتبة الشرود. فإذا كانت الدهرانية عزلا للأخلاق عن الدين، فإن ما بعد الدهرانية، هي التخلي كليا عن الأخلاق.
لقد حاول طه عبد الرحمن، أن يثبت أن منشأ الدهرانية نابع من إنكار آمرية الإله لصالح آمرية الإنسان. بمعنى أن الإنسان قد تخلى عن التشريع الإلهي، أي أوامره سبحانه، الموجهة والمرشدة لعباده، إلى سواء السبيل. معلنا أنه قادر على تحمل مسؤوليته من دون عون الإله. الأمر الذي لا يقبله طه عبد الرحمن أبدا؛ إذ لا أخلاق عنده خارج التوجيه الرباني. ولا يمكن للإنسان أن يعمل من دون تسديد من الوحي.
هذا عن الدهرانية، أما عن ما بعد الدهرانية، فإن طه عبد الرحمن يرى أن منشأها يتجاوز مسألة الآمرية الإلهية، إلى إنكار الشاهدية الإلهية لصالح شاهدية الإنسان. والشاهدية تعني عند طه عبد الرحمن، أن الله شاهد على كل أفعال الناس وأحوالهم بالحسن أو السوء، تبعا لموافقتها أو مخالفتها لشريعته. بعبارة أخرى، فالشهادة الإلهية تجمع بين العلم والحكم، أي بكلمة واحدة، هي مراقبة ومحاكمة.
وإذا كنا نعلم أن الحداثة تنبني على استقلال الذات الإنسانية بشكل بطولي، ليس فقط أخلاقيا أو سياسيا أو معرفيا، بل حتى وجوديا، فالحداثة تصبح قائمة بعبارات طه عبد الرحمن على: الآمرية= والشاهدية الإنسانية، ملغية كل الأوامر المفارقة. بمعنى أن الإنسان يأمر ويوجه نفسه بنفسه، بل يشهد على نفسه بنفسه، أي هو المراقب والحكم. وهذا الأمر يرفضه قطعا طه عبد الرحمن، تحت مبرر أن الذات لا تأمر نفسها بنفسها، حتى تستحق أن تكون شاهدا عليها، وإنما يأمرها غيرها. فالأمر يصدر من الآمر على جهة الاستعلاء، والذات لا تستعلي على ذاتها، فالتخلق يبلغ ذروته كلما بلغ الآمر والشاهد نهاية الكمال.
وبهذا، نستنتج أن طه عبد الرحمن يتحرك على النقيض تماما من مبادئ الحداثة، فهي تعلي من شأن الإنسان، والثاني من شأن الله.
وإذا فهمنا ما بعد الدهرانية على أنه إنكار واستغناء عن الأخلاق بالجملة، فبأي معنى يعد الفيلسوف نيتشه ما بعد دهراني؟ وما أهم الانتقادات التي وجهها له طه عبد الرحمن؟
* آدم وقصة النهي الأول
قبل أن يبدأ طه عبد الرحمن في نقد ما بعد الدهرانيين، قرر أن يبدأ من مسلمة المنطلق الأول للبشرية، المتعارف عليه كونيا، وهو قصة آدم ونهيه عن «الأكل من ثمر الشجرة». فهي منطلق كل المنهيات الأخلاقية الأخرى. فبداية البشرية مع آدم وحواء كانت تدور في مجال ملكوتي، حيث يتمتع بخصوصية، هي شهادة ربه له وشهادته عليه، وذلك قبل وسوسة الشيطان الذي دعاه إلى عالم الملك، وكم الفرق شاسع بين عالم الملك وعالم الملكوت. إذن، منطلق آدم وحواء كان مصطبغا بعالم الشهادة بامتياز. فالله شاهد على تصرفاتهما، وتقلباتهما والاتصال بينهما والله، قائمة، والرابطة موجودة، والحضرة دائمة، حتى وقعت المعصية الأولى، فصارت البشرية نحو نسيان الأصل، أي الشاهدية الإلهية.
إن الحداثيين، حسب طه عبد الرحمن، سواء الدهرانيون أو ما بعد الدهرانيين، وهم يريدون التخلص من الدين في أخلاقهم أو لا أخلاقهم، نسوا «قتل الشيطان» قبل «قتل الله». فالشيطان هو من صرف الإنسان عن حيز الشهادة وعمل على إبقائه في حيز الشرود.
إن استحضار طه عبد الرحمن لقصة النهي الأولى، كان بقصد إبراز تلك الحقائق التي يراها أصلية للإنسان، والتي هي أربعة:
- كونه محدودا بحدود هي بمثابة الحاجز الواقي.
- كونه محفوظا بهذه الحدود من مكائد وأذى الشيطان الذي يحول بينه وبين شاهدية الله.
- كونه مستورا غير مكشوف، لا تظهر سوأته، وليست فقط العضوية، بل كل ما يسيء للإنسان، كحب الشهوات وسفك الدماء.
- كونه مرحوما في المنطلق، بالشاهدية، وبعد المعصية، بالكلام المتلقى.
إذن المنطلق الإنساني الأول، بوصفه نموذجا مثاليا، تميز بهذه الرباعية: المحدودية والمحفوظية والمستورية والمرحومية. والتي سيبتعد عنها الإنسان بدهرانيته حد المروق، وبما بعد دهرانيته حد الشرود.
* فكرة الإنسان الفائق عند نيتشه
إن نموذج ما بعد الدهراني في وجهه الفلسفي، تحرك عكس المنطلق الأصلي للبشرية، أي أنه جعل له مبدأين، هما: تعدي الحدود وكشف السوءات. على أساس أن الشاهدية الأولى لآدم وحواء، ارتكزت على حفظ الحدود وستر السوءات. ويعد الفيلسوف نيتشه، ممثلا ممتازا لما بعد الدهرانية. فهو أنكر بالأساس، عقيدة توارث الخطيئة الأولى المرسخة عبر التاريخ، ولم يبلغ أحد مبلغه في التشنيع بعقائد المسيحية والقدح فيها. فحينما أعلن نيتشه صرخته وفاة الإله، قام بالدعوة إلى تعويضه بإنسان كامل، أو بتعبير طه عبد الرحمن، إنسان فائق يتمسك بقيم الأرض وقيم الواقع وقيم الغريزة. ويطرد كل القيم المتوارثة باسم السماء، التي كان يراها متهالكة وبالية ويسميها «عدمية»؛ لأنها تدعو إلى احتقار متع الحواس، ونبذ الدنيا، وإنكار منطق الحياة لحساب منطق الموت. فالدين يغطي ويزيف حقيقة الدنيا، ويسير بمبادئ الإيمان والمحبة والرجاء، التي ما هي إلا حيل تعادي الحياة، ومن ثم، وجب بحسب نيتشه، التفكير في قيم جديدة هي قيم الإنسان الفائق، الذي أول ما ينبغي أن يفعله، هو تجاوز الثنائيات وفكرة الأضداد: خير وشر، لذة وألم، مرض وصحة، سعادة وشقاء، إيمان وإلحاد، حياة وموت، صدق وكذب، عقل وحمق، ذات وعالم. فهي كلها تعود إلى موروث بئيس؛ إذ علينا ترك الحياة بطاقتها تعمل عملها، تقوى وتضعف ما تشاء.
ولمزيد من إيضاح موقف نيتشه ما بعد الدهراني، يقف طه عبد الرحمن عند مثال التحولات الثلاثة المشهورة، الشارحة لمسار الإنسان نحو القلب القيمي المنشود، التي قدمها نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زراداشت»، حيث يقول، إن الإنسان عبارة عن جمل مثقل ومحمل بالقيم، وهي كتنين جاثم على ظهره يأمره وينهاه، فقرر هذا الجمل أن يتحرر في صحرائه، فنزع عنه هذه الأثقال ليتحول إلى أسد استمر في النضال ضد أوامر التنين، ليتحول، بعدها، إلى طفل، أي إلى عالم بريء يسمح بالانطلاق نحو قيم جديدة. بمعنى أن نيتشه يعتبر أن القيم الدينية شوهت الحقيقة عبر تاريخها، وأنستنا إياها بترسيخها لأغلفة سميت قيما ومثلا. وهي ما عمل به الإنسان على ستر حقيقته التي ما هي، في نهاية المطاف، سوى أصله الحيواني. وكأن الإنسان لا يريد الاعتراف خلال مسيرته الطويلة، بجذوره الغارقة في الطبيعة. فنحن نصارع في الحياة من أجل البقاء مثلنا مثل باقي الحيوانات. وما يسمى العقل الذي يتبجح به الإنسان، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب عند الأسد.
هذا الإنسان الفائق المقترح بديلا للسماء، يراه طه عبد الرحمن متعديا على الحدود، إلى درجة انكشاف سوءاته.. فكيف ذلك؟
- نجد نيتشه يرد الإنسان إلى البهيمية، حيث هيمنة الغرائز، ليصبح متوحشا وشريرا، وهذا نزع لسترة العنصر الحيواني من الإنسان. فيكون التعالي المزعوم من طرف نيتشه، هو تعال نحو الأسفل، أي أن ارتقاء الإنسان الفائق يكون بالنزول إلى الحيوانية.
- نيتشه أراد من خلال عمله جعل ألبسة الإنسان مجرد مظاهر لا تمت إلى الحقيقة بصلة. فهي مزيفة ووجب كسرها وتدميرها، للكشف عن مآسي الوجود والشر، الذي هو الأصل الذي ينبغي قبوله، بل هو المحرك نحو الإبداع.
- إماطة نيتشه للباس الروح عن الجسم. فالجسم هو المحرك وله الكلمة الأولى، أما الروح في مظهريها اللغة والفكر، مجرد أداة طيعة في يد الجسم. فالغريزة هي المنطلق. إنها العقل الأكبر التي توظف الروح لصالحها. وهو ما جعل طه يقول: إن نيتشه أبى إلا أن ينزع عن جسم الإنسان الفائق لباس الروح الذي يستره، مبرزا سوءاته الباطنية؛ لأن الجسم بلا لباس الروح يظل سوأة.
- جعل نيتشه القسوة معممة. فهو يراها مركزة في كل إنسان ولا يمكنه التخلص منها. يمارسها الأقوياء عن طريق التعذيب والتحقير والسحق والإبادة. ويمارسها، حتى الضعفاء، حيث تتجلى قسوتهم في الدعوة إلى الإشفاق لكي يتألم القوي كما يتألم الضعيف.
- يزدري نيتشه الرحمة، ويعتبرها عاطفة تعادي الحياة وتجلب الانحطاط، وتقحمنا في العدمية التي يقصد بها كل ما من شاء كبح الحياة.
يخلص طه عبد الرحمن، إلى أن النموذج النيتشوي ما بعد الدهراني، الداعي إلى إيجاد الإنسان الفائق، هو مجرد إنسان شارد، بموجب إنكاره الشاهدية الإلهية، وتعديه الحدود إلى درجة الدعوى إلى السير عكس هذه الحدود، والعمل على قلبها. وهو ما أدى إلى كشف سوءات الإنسان الفائق، ولعل أبرزها، تشكيل إنسان كله قسوة، ودون رحمة ومن لا يرحم لا يرحم.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».