النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

نيتشه بعيون طه عبد الرحمن

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق
TT

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

ولد المفكر المتميز طه عبد الرحمن سنة 1944، وبلغ من العمر 72 عاما، ولوحظ أنه أصبح، في الآونة الأخيرة، غزير الإنتاج. فما أن يظهر له كتاب حتى يفاجئنا بآخر. وتميزت مؤلفاته الأخيرة، بالنضج وسهولة الاستيعاب مقارنة بمؤلفاته الأولى. ناهيك عن اتضاح معالم فلسفته التي يسميها «الفلسفة الائتمانية»، التي يعد بأن يخصص لها مؤلفا خاصا، يحدد فيه المبادئ العامة الموجهة لها. ويخوض في أعماله، مغامرة النقاش النقدي القوي مع بعض رموز الفكر الغربي. فإذا كان قد خصص مؤلفه «بؤس الدهرانية»، لأربعة نماذج من الفلاسفة، هم: روس، وكانط، ودوركايم ولوك فيري. فإنه خصص في كتابه «شرود ما بعد الدهرانية»، الصادر عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في هذه السنة 2016، لنقاش حاد ولاذع مع رموز أخرى للفكر الغربي، وهم على التوالي: فريديريك نيتشه، وجورج باتاي، والمركيز دي ساد، وسيغموند فرويد، وجاك لاكان. وكلهم بحسب طه عبد الرحمن، ينتمون إلى ما يسميه نزعة ما بعد الدهرانية.. فماذا يقصد بذلك؟
لنتذكر أن طه عبد الرحمن، اختار لمفهوم اللائكية أو الأرضنة، لفظة الدنيانية، وعرفها بأنها إخراج مجالات الحياة من الدين. وسيعمل على نعت كل إخراج باسم خاص. فمثلا، سيسمي فصل السياسة عن الدين بالعَلمانية، وفصل العلم عن الدين بالعِلمانية، وفصل الأخلاق عن الدين بالدهرانية. وهذا اللفظ هو الذي يهمنا بالأساس. إضافة إلى هذا، يعتبر طه عبد الرحمن أي خروج عن الدين أيا كان، هو «مروق». ولهذا فبؤس الدهرانية يتمثل في مروقها. أما ما بعد الدهرانية، فهي مرحلة من الدنيانية الفائقة، التي تجاوزت رتبة المروق لتدخل إلى رتبة الشرود. فإذا كانت الدهرانية عزلا للأخلاق عن الدين، فإن ما بعد الدهرانية، هي التخلي كليا عن الأخلاق.
لقد حاول طه عبد الرحمن، أن يثبت أن منشأ الدهرانية نابع من إنكار آمرية الإله لصالح آمرية الإنسان. بمعنى أن الإنسان قد تخلى عن التشريع الإلهي، أي أوامره سبحانه، الموجهة والمرشدة لعباده، إلى سواء السبيل. معلنا أنه قادر على تحمل مسؤوليته من دون عون الإله. الأمر الذي لا يقبله طه عبد الرحمن أبدا؛ إذ لا أخلاق عنده خارج التوجيه الرباني. ولا يمكن للإنسان أن يعمل من دون تسديد من الوحي.
هذا عن الدهرانية، أما عن ما بعد الدهرانية، فإن طه عبد الرحمن يرى أن منشأها يتجاوز مسألة الآمرية الإلهية، إلى إنكار الشاهدية الإلهية لصالح شاهدية الإنسان. والشاهدية تعني عند طه عبد الرحمن، أن الله شاهد على كل أفعال الناس وأحوالهم بالحسن أو السوء، تبعا لموافقتها أو مخالفتها لشريعته. بعبارة أخرى، فالشهادة الإلهية تجمع بين العلم والحكم، أي بكلمة واحدة، هي مراقبة ومحاكمة.
وإذا كنا نعلم أن الحداثة تنبني على استقلال الذات الإنسانية بشكل بطولي، ليس فقط أخلاقيا أو سياسيا أو معرفيا، بل حتى وجوديا، فالحداثة تصبح قائمة بعبارات طه عبد الرحمن على: الآمرية= والشاهدية الإنسانية، ملغية كل الأوامر المفارقة. بمعنى أن الإنسان يأمر ويوجه نفسه بنفسه، بل يشهد على نفسه بنفسه، أي هو المراقب والحكم. وهذا الأمر يرفضه قطعا طه عبد الرحمن، تحت مبرر أن الذات لا تأمر نفسها بنفسها، حتى تستحق أن تكون شاهدا عليها، وإنما يأمرها غيرها. فالأمر يصدر من الآمر على جهة الاستعلاء، والذات لا تستعلي على ذاتها، فالتخلق يبلغ ذروته كلما بلغ الآمر والشاهد نهاية الكمال.
وبهذا، نستنتج أن طه عبد الرحمن يتحرك على النقيض تماما من مبادئ الحداثة، فهي تعلي من شأن الإنسان، والثاني من شأن الله.
وإذا فهمنا ما بعد الدهرانية على أنه إنكار واستغناء عن الأخلاق بالجملة، فبأي معنى يعد الفيلسوف نيتشه ما بعد دهراني؟ وما أهم الانتقادات التي وجهها له طه عبد الرحمن؟
* آدم وقصة النهي الأول
قبل أن يبدأ طه عبد الرحمن في نقد ما بعد الدهرانيين، قرر أن يبدأ من مسلمة المنطلق الأول للبشرية، المتعارف عليه كونيا، وهو قصة آدم ونهيه عن «الأكل من ثمر الشجرة». فهي منطلق كل المنهيات الأخلاقية الأخرى. فبداية البشرية مع آدم وحواء كانت تدور في مجال ملكوتي، حيث يتمتع بخصوصية، هي شهادة ربه له وشهادته عليه، وذلك قبل وسوسة الشيطان الذي دعاه إلى عالم الملك، وكم الفرق شاسع بين عالم الملك وعالم الملكوت. إذن، منطلق آدم وحواء كان مصطبغا بعالم الشهادة بامتياز. فالله شاهد على تصرفاتهما، وتقلباتهما والاتصال بينهما والله، قائمة، والرابطة موجودة، والحضرة دائمة، حتى وقعت المعصية الأولى، فصارت البشرية نحو نسيان الأصل، أي الشاهدية الإلهية.
إن الحداثيين، حسب طه عبد الرحمن، سواء الدهرانيون أو ما بعد الدهرانيين، وهم يريدون التخلص من الدين في أخلاقهم أو لا أخلاقهم، نسوا «قتل الشيطان» قبل «قتل الله». فالشيطان هو من صرف الإنسان عن حيز الشهادة وعمل على إبقائه في حيز الشرود.
إن استحضار طه عبد الرحمن لقصة النهي الأولى، كان بقصد إبراز تلك الحقائق التي يراها أصلية للإنسان، والتي هي أربعة:
- كونه محدودا بحدود هي بمثابة الحاجز الواقي.
- كونه محفوظا بهذه الحدود من مكائد وأذى الشيطان الذي يحول بينه وبين شاهدية الله.
- كونه مستورا غير مكشوف، لا تظهر سوأته، وليست فقط العضوية، بل كل ما يسيء للإنسان، كحب الشهوات وسفك الدماء.
- كونه مرحوما في المنطلق، بالشاهدية، وبعد المعصية، بالكلام المتلقى.
إذن المنطلق الإنساني الأول، بوصفه نموذجا مثاليا، تميز بهذه الرباعية: المحدودية والمحفوظية والمستورية والمرحومية. والتي سيبتعد عنها الإنسان بدهرانيته حد المروق، وبما بعد دهرانيته حد الشرود.
* فكرة الإنسان الفائق عند نيتشه
إن نموذج ما بعد الدهراني في وجهه الفلسفي، تحرك عكس المنطلق الأصلي للبشرية، أي أنه جعل له مبدأين، هما: تعدي الحدود وكشف السوءات. على أساس أن الشاهدية الأولى لآدم وحواء، ارتكزت على حفظ الحدود وستر السوءات. ويعد الفيلسوف نيتشه، ممثلا ممتازا لما بعد الدهرانية. فهو أنكر بالأساس، عقيدة توارث الخطيئة الأولى المرسخة عبر التاريخ، ولم يبلغ أحد مبلغه في التشنيع بعقائد المسيحية والقدح فيها. فحينما أعلن نيتشه صرخته وفاة الإله، قام بالدعوة إلى تعويضه بإنسان كامل، أو بتعبير طه عبد الرحمن، إنسان فائق يتمسك بقيم الأرض وقيم الواقع وقيم الغريزة. ويطرد كل القيم المتوارثة باسم السماء، التي كان يراها متهالكة وبالية ويسميها «عدمية»؛ لأنها تدعو إلى احتقار متع الحواس، ونبذ الدنيا، وإنكار منطق الحياة لحساب منطق الموت. فالدين يغطي ويزيف حقيقة الدنيا، ويسير بمبادئ الإيمان والمحبة والرجاء، التي ما هي إلا حيل تعادي الحياة، ومن ثم، وجب بحسب نيتشه، التفكير في قيم جديدة هي قيم الإنسان الفائق، الذي أول ما ينبغي أن يفعله، هو تجاوز الثنائيات وفكرة الأضداد: خير وشر، لذة وألم، مرض وصحة، سعادة وشقاء، إيمان وإلحاد، حياة وموت، صدق وكذب، عقل وحمق، ذات وعالم. فهي كلها تعود إلى موروث بئيس؛ إذ علينا ترك الحياة بطاقتها تعمل عملها، تقوى وتضعف ما تشاء.
ولمزيد من إيضاح موقف نيتشه ما بعد الدهراني، يقف طه عبد الرحمن عند مثال التحولات الثلاثة المشهورة، الشارحة لمسار الإنسان نحو القلب القيمي المنشود، التي قدمها نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زراداشت»، حيث يقول، إن الإنسان عبارة عن جمل مثقل ومحمل بالقيم، وهي كتنين جاثم على ظهره يأمره وينهاه، فقرر هذا الجمل أن يتحرر في صحرائه، فنزع عنه هذه الأثقال ليتحول إلى أسد استمر في النضال ضد أوامر التنين، ليتحول، بعدها، إلى طفل، أي إلى عالم بريء يسمح بالانطلاق نحو قيم جديدة. بمعنى أن نيتشه يعتبر أن القيم الدينية شوهت الحقيقة عبر تاريخها، وأنستنا إياها بترسيخها لأغلفة سميت قيما ومثلا. وهي ما عمل به الإنسان على ستر حقيقته التي ما هي، في نهاية المطاف، سوى أصله الحيواني. وكأن الإنسان لا يريد الاعتراف خلال مسيرته الطويلة، بجذوره الغارقة في الطبيعة. فنحن نصارع في الحياة من أجل البقاء مثلنا مثل باقي الحيوانات. وما يسمى العقل الذي يتبجح به الإنسان، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب عند الأسد.
هذا الإنسان الفائق المقترح بديلا للسماء، يراه طه عبد الرحمن متعديا على الحدود، إلى درجة انكشاف سوءاته.. فكيف ذلك؟
- نجد نيتشه يرد الإنسان إلى البهيمية، حيث هيمنة الغرائز، ليصبح متوحشا وشريرا، وهذا نزع لسترة العنصر الحيواني من الإنسان. فيكون التعالي المزعوم من طرف نيتشه، هو تعال نحو الأسفل، أي أن ارتقاء الإنسان الفائق يكون بالنزول إلى الحيوانية.
- نيتشه أراد من خلال عمله جعل ألبسة الإنسان مجرد مظاهر لا تمت إلى الحقيقة بصلة. فهي مزيفة ووجب كسرها وتدميرها، للكشف عن مآسي الوجود والشر، الذي هو الأصل الذي ينبغي قبوله، بل هو المحرك نحو الإبداع.
- إماطة نيتشه للباس الروح عن الجسم. فالجسم هو المحرك وله الكلمة الأولى، أما الروح في مظهريها اللغة والفكر، مجرد أداة طيعة في يد الجسم. فالغريزة هي المنطلق. إنها العقل الأكبر التي توظف الروح لصالحها. وهو ما جعل طه يقول: إن نيتشه أبى إلا أن ينزع عن جسم الإنسان الفائق لباس الروح الذي يستره، مبرزا سوءاته الباطنية؛ لأن الجسم بلا لباس الروح يظل سوأة.
- جعل نيتشه القسوة معممة. فهو يراها مركزة في كل إنسان ولا يمكنه التخلص منها. يمارسها الأقوياء عن طريق التعذيب والتحقير والسحق والإبادة. ويمارسها، حتى الضعفاء، حيث تتجلى قسوتهم في الدعوة إلى الإشفاق لكي يتألم القوي كما يتألم الضعيف.
- يزدري نيتشه الرحمة، ويعتبرها عاطفة تعادي الحياة وتجلب الانحطاط، وتقحمنا في العدمية التي يقصد بها كل ما من شاء كبح الحياة.
يخلص طه عبد الرحمن، إلى أن النموذج النيتشوي ما بعد الدهراني، الداعي إلى إيجاد الإنسان الفائق، هو مجرد إنسان شارد، بموجب إنكاره الشاهدية الإلهية، وتعديه الحدود إلى درجة الدعوى إلى السير عكس هذه الحدود، والعمل على قلبها. وهو ما أدى إلى كشف سوءات الإنسان الفائق، ولعل أبرزها، تشكيل إنسان كله قسوة، ودون رحمة ومن لا يرحم لا يرحم.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».