النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

نيتشه بعيون طه عبد الرحمن

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق
TT

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

النقد الائتماني لكشف سوأة الإنسان الفائق

ولد المفكر المتميز طه عبد الرحمن سنة 1944، وبلغ من العمر 72 عاما، ولوحظ أنه أصبح، في الآونة الأخيرة، غزير الإنتاج. فما أن يظهر له كتاب حتى يفاجئنا بآخر. وتميزت مؤلفاته الأخيرة، بالنضج وسهولة الاستيعاب مقارنة بمؤلفاته الأولى. ناهيك عن اتضاح معالم فلسفته التي يسميها «الفلسفة الائتمانية»، التي يعد بأن يخصص لها مؤلفا خاصا، يحدد فيه المبادئ العامة الموجهة لها. ويخوض في أعماله، مغامرة النقاش النقدي القوي مع بعض رموز الفكر الغربي. فإذا كان قد خصص مؤلفه «بؤس الدهرانية»، لأربعة نماذج من الفلاسفة، هم: روس، وكانط، ودوركايم ولوك فيري. فإنه خصص في كتابه «شرود ما بعد الدهرانية»، الصادر عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في هذه السنة 2016، لنقاش حاد ولاذع مع رموز أخرى للفكر الغربي، وهم على التوالي: فريديريك نيتشه، وجورج باتاي، والمركيز دي ساد، وسيغموند فرويد، وجاك لاكان. وكلهم بحسب طه عبد الرحمن، ينتمون إلى ما يسميه نزعة ما بعد الدهرانية.. فماذا يقصد بذلك؟
لنتذكر أن طه عبد الرحمن، اختار لمفهوم اللائكية أو الأرضنة، لفظة الدنيانية، وعرفها بأنها إخراج مجالات الحياة من الدين. وسيعمل على نعت كل إخراج باسم خاص. فمثلا، سيسمي فصل السياسة عن الدين بالعَلمانية، وفصل العلم عن الدين بالعِلمانية، وفصل الأخلاق عن الدين بالدهرانية. وهذا اللفظ هو الذي يهمنا بالأساس. إضافة إلى هذا، يعتبر طه عبد الرحمن أي خروج عن الدين أيا كان، هو «مروق». ولهذا فبؤس الدهرانية يتمثل في مروقها. أما ما بعد الدهرانية، فهي مرحلة من الدنيانية الفائقة، التي تجاوزت رتبة المروق لتدخل إلى رتبة الشرود. فإذا كانت الدهرانية عزلا للأخلاق عن الدين، فإن ما بعد الدهرانية، هي التخلي كليا عن الأخلاق.
لقد حاول طه عبد الرحمن، أن يثبت أن منشأ الدهرانية نابع من إنكار آمرية الإله لصالح آمرية الإنسان. بمعنى أن الإنسان قد تخلى عن التشريع الإلهي، أي أوامره سبحانه، الموجهة والمرشدة لعباده، إلى سواء السبيل. معلنا أنه قادر على تحمل مسؤوليته من دون عون الإله. الأمر الذي لا يقبله طه عبد الرحمن أبدا؛ إذ لا أخلاق عنده خارج التوجيه الرباني. ولا يمكن للإنسان أن يعمل من دون تسديد من الوحي.
هذا عن الدهرانية، أما عن ما بعد الدهرانية، فإن طه عبد الرحمن يرى أن منشأها يتجاوز مسألة الآمرية الإلهية، إلى إنكار الشاهدية الإلهية لصالح شاهدية الإنسان. والشاهدية تعني عند طه عبد الرحمن، أن الله شاهد على كل أفعال الناس وأحوالهم بالحسن أو السوء، تبعا لموافقتها أو مخالفتها لشريعته. بعبارة أخرى، فالشهادة الإلهية تجمع بين العلم والحكم، أي بكلمة واحدة، هي مراقبة ومحاكمة.
وإذا كنا نعلم أن الحداثة تنبني على استقلال الذات الإنسانية بشكل بطولي، ليس فقط أخلاقيا أو سياسيا أو معرفيا، بل حتى وجوديا، فالحداثة تصبح قائمة بعبارات طه عبد الرحمن على: الآمرية= والشاهدية الإنسانية، ملغية كل الأوامر المفارقة. بمعنى أن الإنسان يأمر ويوجه نفسه بنفسه، بل يشهد على نفسه بنفسه، أي هو المراقب والحكم. وهذا الأمر يرفضه قطعا طه عبد الرحمن، تحت مبرر أن الذات لا تأمر نفسها بنفسها، حتى تستحق أن تكون شاهدا عليها، وإنما يأمرها غيرها. فالأمر يصدر من الآمر على جهة الاستعلاء، والذات لا تستعلي على ذاتها، فالتخلق يبلغ ذروته كلما بلغ الآمر والشاهد نهاية الكمال.
وبهذا، نستنتج أن طه عبد الرحمن يتحرك على النقيض تماما من مبادئ الحداثة، فهي تعلي من شأن الإنسان، والثاني من شأن الله.
وإذا فهمنا ما بعد الدهرانية على أنه إنكار واستغناء عن الأخلاق بالجملة، فبأي معنى يعد الفيلسوف نيتشه ما بعد دهراني؟ وما أهم الانتقادات التي وجهها له طه عبد الرحمن؟
* آدم وقصة النهي الأول
قبل أن يبدأ طه عبد الرحمن في نقد ما بعد الدهرانيين، قرر أن يبدأ من مسلمة المنطلق الأول للبشرية، المتعارف عليه كونيا، وهو قصة آدم ونهيه عن «الأكل من ثمر الشجرة». فهي منطلق كل المنهيات الأخلاقية الأخرى. فبداية البشرية مع آدم وحواء كانت تدور في مجال ملكوتي، حيث يتمتع بخصوصية، هي شهادة ربه له وشهادته عليه، وذلك قبل وسوسة الشيطان الذي دعاه إلى عالم الملك، وكم الفرق شاسع بين عالم الملك وعالم الملكوت. إذن، منطلق آدم وحواء كان مصطبغا بعالم الشهادة بامتياز. فالله شاهد على تصرفاتهما، وتقلباتهما والاتصال بينهما والله، قائمة، والرابطة موجودة، والحضرة دائمة، حتى وقعت المعصية الأولى، فصارت البشرية نحو نسيان الأصل، أي الشاهدية الإلهية.
إن الحداثيين، حسب طه عبد الرحمن، سواء الدهرانيون أو ما بعد الدهرانيين، وهم يريدون التخلص من الدين في أخلاقهم أو لا أخلاقهم، نسوا «قتل الشيطان» قبل «قتل الله». فالشيطان هو من صرف الإنسان عن حيز الشهادة وعمل على إبقائه في حيز الشرود.
إن استحضار طه عبد الرحمن لقصة النهي الأولى، كان بقصد إبراز تلك الحقائق التي يراها أصلية للإنسان، والتي هي أربعة:
- كونه محدودا بحدود هي بمثابة الحاجز الواقي.
- كونه محفوظا بهذه الحدود من مكائد وأذى الشيطان الذي يحول بينه وبين شاهدية الله.
- كونه مستورا غير مكشوف، لا تظهر سوأته، وليست فقط العضوية، بل كل ما يسيء للإنسان، كحب الشهوات وسفك الدماء.
- كونه مرحوما في المنطلق، بالشاهدية، وبعد المعصية، بالكلام المتلقى.
إذن المنطلق الإنساني الأول، بوصفه نموذجا مثاليا، تميز بهذه الرباعية: المحدودية والمحفوظية والمستورية والمرحومية. والتي سيبتعد عنها الإنسان بدهرانيته حد المروق، وبما بعد دهرانيته حد الشرود.
* فكرة الإنسان الفائق عند نيتشه
إن نموذج ما بعد الدهراني في وجهه الفلسفي، تحرك عكس المنطلق الأصلي للبشرية، أي أنه جعل له مبدأين، هما: تعدي الحدود وكشف السوءات. على أساس أن الشاهدية الأولى لآدم وحواء، ارتكزت على حفظ الحدود وستر السوءات. ويعد الفيلسوف نيتشه، ممثلا ممتازا لما بعد الدهرانية. فهو أنكر بالأساس، عقيدة توارث الخطيئة الأولى المرسخة عبر التاريخ، ولم يبلغ أحد مبلغه في التشنيع بعقائد المسيحية والقدح فيها. فحينما أعلن نيتشه صرخته وفاة الإله، قام بالدعوة إلى تعويضه بإنسان كامل، أو بتعبير طه عبد الرحمن، إنسان فائق يتمسك بقيم الأرض وقيم الواقع وقيم الغريزة. ويطرد كل القيم المتوارثة باسم السماء، التي كان يراها متهالكة وبالية ويسميها «عدمية»؛ لأنها تدعو إلى احتقار متع الحواس، ونبذ الدنيا، وإنكار منطق الحياة لحساب منطق الموت. فالدين يغطي ويزيف حقيقة الدنيا، ويسير بمبادئ الإيمان والمحبة والرجاء، التي ما هي إلا حيل تعادي الحياة، ومن ثم، وجب بحسب نيتشه، التفكير في قيم جديدة هي قيم الإنسان الفائق، الذي أول ما ينبغي أن يفعله، هو تجاوز الثنائيات وفكرة الأضداد: خير وشر، لذة وألم، مرض وصحة، سعادة وشقاء، إيمان وإلحاد، حياة وموت، صدق وكذب، عقل وحمق، ذات وعالم. فهي كلها تعود إلى موروث بئيس؛ إذ علينا ترك الحياة بطاقتها تعمل عملها، تقوى وتضعف ما تشاء.
ولمزيد من إيضاح موقف نيتشه ما بعد الدهراني، يقف طه عبد الرحمن عند مثال التحولات الثلاثة المشهورة، الشارحة لمسار الإنسان نحو القلب القيمي المنشود، التي قدمها نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زراداشت»، حيث يقول، إن الإنسان عبارة عن جمل مثقل ومحمل بالقيم، وهي كتنين جاثم على ظهره يأمره وينهاه، فقرر هذا الجمل أن يتحرر في صحرائه، فنزع عنه هذه الأثقال ليتحول إلى أسد استمر في النضال ضد أوامر التنين، ليتحول، بعدها، إلى طفل، أي إلى عالم بريء يسمح بالانطلاق نحو قيم جديدة. بمعنى أن نيتشه يعتبر أن القيم الدينية شوهت الحقيقة عبر تاريخها، وأنستنا إياها بترسيخها لأغلفة سميت قيما ومثلا. وهي ما عمل به الإنسان على ستر حقيقته التي ما هي، في نهاية المطاف، سوى أصله الحيواني. وكأن الإنسان لا يريد الاعتراف خلال مسيرته الطويلة، بجذوره الغارقة في الطبيعة. فنحن نصارع في الحياة من أجل البقاء مثلنا مثل باقي الحيوانات. وما يسمى العقل الذي يتبجح به الإنسان، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب عند الأسد.
هذا الإنسان الفائق المقترح بديلا للسماء، يراه طه عبد الرحمن متعديا على الحدود، إلى درجة انكشاف سوءاته.. فكيف ذلك؟
- نجد نيتشه يرد الإنسان إلى البهيمية، حيث هيمنة الغرائز، ليصبح متوحشا وشريرا، وهذا نزع لسترة العنصر الحيواني من الإنسان. فيكون التعالي المزعوم من طرف نيتشه، هو تعال نحو الأسفل، أي أن ارتقاء الإنسان الفائق يكون بالنزول إلى الحيوانية.
- نيتشه أراد من خلال عمله جعل ألبسة الإنسان مجرد مظاهر لا تمت إلى الحقيقة بصلة. فهي مزيفة ووجب كسرها وتدميرها، للكشف عن مآسي الوجود والشر، الذي هو الأصل الذي ينبغي قبوله، بل هو المحرك نحو الإبداع.
- إماطة نيتشه للباس الروح عن الجسم. فالجسم هو المحرك وله الكلمة الأولى، أما الروح في مظهريها اللغة والفكر، مجرد أداة طيعة في يد الجسم. فالغريزة هي المنطلق. إنها العقل الأكبر التي توظف الروح لصالحها. وهو ما جعل طه يقول: إن نيتشه أبى إلا أن ينزع عن جسم الإنسان الفائق لباس الروح الذي يستره، مبرزا سوءاته الباطنية؛ لأن الجسم بلا لباس الروح يظل سوأة.
- جعل نيتشه القسوة معممة. فهو يراها مركزة في كل إنسان ولا يمكنه التخلص منها. يمارسها الأقوياء عن طريق التعذيب والتحقير والسحق والإبادة. ويمارسها، حتى الضعفاء، حيث تتجلى قسوتهم في الدعوة إلى الإشفاق لكي يتألم القوي كما يتألم الضعيف.
- يزدري نيتشه الرحمة، ويعتبرها عاطفة تعادي الحياة وتجلب الانحطاط، وتقحمنا في العدمية التي يقصد بها كل ما من شاء كبح الحياة.
يخلص طه عبد الرحمن، إلى أن النموذج النيتشوي ما بعد الدهراني، الداعي إلى إيجاد الإنسان الفائق، هو مجرد إنسان شارد، بموجب إنكاره الشاهدية الإلهية، وتعديه الحدود إلى درجة الدعوى إلى السير عكس هذه الحدود، والعمل على قلبها. وهو ما أدى إلى كشف سوءات الإنسان الفائق، ولعل أبرزها، تشكيل إنسان كله قسوة، ودون رحمة ومن لا يرحم لا يرحم.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.