إجراءات قانونية لحفظ حق النواب البريطانيين بالبت في «الخروج»

فاراج يستقيل من زعامة حزب الاستقلال بعد «تحقيق حلم حياته»

نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)
نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

إجراءات قانونية لحفظ حق النواب البريطانيين بالبت في «الخروج»

نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)
نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)

باشرت شركة قانونية مرموقة في لندن إجراءات بحق الحكومة البريطانية تضمن طرح الخروج من الاتحاد الأوروبي على البرلمان قبل تنفيذه من طرف رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أو خليفته في 10 داونينغ ستريت.
وتهدف هذه الإجراءات القانونية الاستباقية إلى عرقلة أي محاولة يقوم بها رئيس الوزراء الجديد بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، دون مصادقة البرلمان بغرفتيه على ذلك. وأوضح مصدر في «ميشون دي رايا» أن الشركة تمثل جهات لم تعرفها احتراما لسرية العملاء، واكتفى بوصفهم بـ«مجموعة مواطنين بريطانيين يريدون التأكد من تنفيذ العملية طبقا للدستور ومن ممارسة البرلمان لدوره الديمقراطي». أما عن الجهة التي تدفع مستحقات الشركة، فقال المصدر إنه أمر سري بين الشركة وعملائها. وأوضح أن دائرة العملاء الذين يلتحقون بالمجموعة الأصلية تتسع بسرعة، مشيرا إلى أنه سيتم الكشف عن هوية العملاء إذا طرحت القضية في المحكمة.
وردا على سؤال «الشرق الأوسط»، قال المصدر إن الشركة بدأت في التواصل مع محاميي الحكومة منذ 27 يونيو (حزيران) الماضي استجابة لطلب عملاء، وطالبتهم بـ«الكشف عما تنوي الحكومة القيام به فيما يتعلق بالمادة 50. وموقفها من العملية القانونية التي ينص عليها الدستور، التي ستأطر الانسحاب من الاتحاد الأوروبي»، مضيفة أن الشركة تنتظر رد الحكومة حول موقفها قبل أن تتجه إلى المحكمة للبت في القضية إن كان هناك تباين في المواقف.
وترى الشركة أن تنفيذ الحكومة لقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون خضوعه لفحص دقيق في البرلمان البريطاني بغرفتيه ومصادقته عليه، إلى جانب التشاور مع الجهات المفوضة في أيرلندا واسكتلندا وويلز، سيكون مخالفا للقانون ومعرضا لدعوى قضائية ستؤثر سلبا في مفاوضات الخروج مع قادة الاتحاد وعلاقتنا بهم سياسيا واقتصاديا.
وردا عما إذا كان هذا «التحدي القانوني» يتنافى مع إرادة 17 مليون ناخب ممن صوتوا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أوضحت الشركة أن الهدف من هذا الإجراء القانوني لا يتمثل في إسقاط كلمة المواطنين، بل في ضمان احترام القانون عند تطبيق المادة 50.
على صعيد متصل، كانت استقالة الزعيم الشعبوي لحزب الاستقلال آخر حلقة في مسلسل الفوضى السياسية التي خلفها فوز مؤيدي «الخروج»، فيما يواصل المناهضون العماليون لزعيم المعارضة جيرمي كوربين محاولات إزاحته من رئاسة الحزب، في الوقت الذي ناقضت تيريزا ماي، وزيرة الداخلية والمرشحة لخلافة رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون، ووزير الخارجية فيليب هاموند تطمينات سابقة قدمها قادة سياسيون للمواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا.
واستقال فاراج، الذي جعل من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حلم حياته، من رئاسة حزب «يوكيب» المعادي للهجرة ولأوروبا، معتبرا أنه أنجز مهمته بعد الاستفتاء الذي قرر فيه البريطانيون الانسحاب. وكان خروج بريطانيا من أوروبا حلما راود الوسيط السابق في البورصة، البالغ من العمر 52 عاما، منذ أن أنشأ «حزب استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب) عام 1993. وأثار رد فعل نائب الحزب الوحيد في البرلمان البريطاني دوغلاس كارسويل للاستقالة غضب فاراج. واكتفى كارسويل بنشر وجه ضاحك على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، معبرا عن فرحه لتنحي الزعيم المثير للجدل.
وتكلل نتيجة الاستفتاء مسار هذا السياسي المعادي للاتحاد الأوروبي، بعدما قضى حياته السياسية يندد بالمؤسسات الأوروبية، وفشل ست مرات في الفوز بمقعد نيابي في البرلمان البريطاني، لاعتباره شخصية مثيرة للجدل، وعنصريا بنظر البعض. وعوض عن ذلك بالفوز بمقعد في البرلمان الأوروبي، يشغله منذ العام 1999 من دون انقطاع.
وفضل فاراج خوض السياسة من أجل «إحداث فرق وإعطاء مغزى لحياته» على جني «أموال طائلة» في الحي المالي من لندن؛ حيث عمل وسيطا في أسواق المعادن بعد إتمام دراسته في مؤسسات خاصة. واستحضر الإعلام المحلي «قصص فاراج مع الموت»؛ حيث نجا بأعجوبة من حادث سيارة وهو في العشرين من عمره، ما أدى إلى بتر ساقه. وبعد بضعة أشهر من ذلك، أصيب بسرطان في خصيتيه شفي منه. وواجه الموت للمرة الثالثة عام 2010 في تحطم طائرة يوم الانتخابات التشريعية، بعدما اصطدمت مروحة طائرته بلافتة دعائية تجرها طائرة صغيرة لراكبين من صنع بولندي. ونجا فاراج من الحادث الذي أدى إلى إصابته بكسور في ضلوعه وثقب في إحدى رئتيه، غير أنه ما زال يعاني تبعات، وهو لا يزال يعرج بعض الشيء.
وأثبت عن طاقة لا يبديها إلا الناجون حين تولى زمام حزب «يوكيب»، فكان طاغي الحضور فيه، وسرعان ما بات يختزل في شخصه الحزب، مسخرا لسانه المسيء أحيانا كثيرة وفارضا جاذبيته الكبيرة على الناشطين الذين ينادونه باسمه الأول: «نايجل».
ويعتبر فاراج نفسه سياسيا حقيقيا قريبا من الشعب، وهو بنى شخصيته السياسية متنقلا بين الملاهي حاملا سيجارته، غير أن زوجته الألمانية تشتكي بانتظام من إسرافه «في التدخين، وفي الشرب، ولا ينام بما يكفي».
لكنه قال في الآونة الأخيرة للإعلام مستخفا وهو يأخذ نفسا من سيجارته: «أعتقد أن الأطباء مخطئون بالنسبة إلى مخاطر التدخين».
وجاء التكريس الأول له في بريطانيا عام 2014 حين فاز «يوكيب» في الانتخابات الأوروبية، على غرار حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، غير أن صورته المثيرة للجدل وتصريحاته حول المصابين بالإيدز الذين دعا إلى منعهم من دخول بريطانيا، أبعدته عن الحملة الرسمية. لكن ذلك لم يؤثر فيه، بل واصل إثارة السجالات بلافتات حملته، مستغلا قضية الهجرة، إلى درجة أن بعض منتقديه قارنوا بين دعايته الانتخابية ولافتات النازيين. من جانب آخر، رفضت وزيرة الداخلية استبعاد إمكانية ترحيل الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، في تصريحات أدلت بها لقناة الـ«آي.تي.في» أول من أمس. وقالت ماي، التي تتصدر السباق لخلافة كاميرون، إنه في الوقت الذي تود «ضمان وضع» الأوروبيين المقيمين في بريطانيا حاليا، لكن مصيرهم قد يحدد خلال مفاوضات الخروج مع قادة الاتحاد الأوروبي. وأفاد مصدر مقرب من ماي لصحيفة «ذي إندبندنت» أن الوزيرة استبعدت ذلك لتفادي تشجيع «موجة من المهاجرين الأوروبيين» إلى بريطانيا قبل الخروج الفعلي من الاتحاد.
وأثارت تصريحات ماي غضب شخصيات سياسية بارزة، أمثال تيم فارون، زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي انتقد بلهجة حادة رفض ماي إعطاء ضمانات واضحة لـ«الأوروبيين المقيمين في بريطانيا الذين يعملون بها ويدفعون ضرائبهم» حول مصيرهم. فيما أعاد رئيس بلدية لندن صديق خان المطالبة بمزيد من الاستقلالية للعاصمة التي صوتت بنسبة 59.9 في المائة لصالح البقاء.
وفي حزب العمال، هددت عضو مجلس العموم البريطاني آنجيلا إيجل، زعيم الحزب المعارض، جيريمي كوربن بمنافسته على قيادة الحزب، إذا لم يعد النظر في مواقفه، مشيرة إلى أنها تملك التأييد الضروري والاستعداد للإقدام على هذه الخطوة.
ورفض كوربن الاستقالة على أثر تصويت بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوروبي على الرغم من إعلان الأغلبية الساحقة من المشرعين عن حزب العمال سحبهم الثقة بقيادته والاستقالات الجماعية من فريقه الخاص. وقالت إيجل: «أملك الدعم لإدارة وحل هذا المأزق، وسأفعل ذلك إذا لم يتخذ جيريمي موقفا قريبا».
واستقالت إيجل من منصبها كمتحدثة باسم الحزب لشؤون الأعمال في أعقاب التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي اللاعبة الرئيسية في إطلاق إجراءات الطعن في قيادة كوربن.
على صعيد متصل، أعرب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أمس، عن ثقته بأن الحكومة البريطانية الجديدة ستبقى ملتزمة بالحلف. وصرح ستولتنبرغ في مؤتمر صحافي قبل قمة الحلف التي ستعقد في وارسو هذا الأسبوع أن «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيغير العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ولكنه لن يغير وضع بريطانيا داخل الحلف». وأضاف أن «ديفيد كاميرون والحكومة البريطانية أوضحا أنهما سيظلان حليفا قويا للحلف. وأنا واثق بأن الحكومة البريطانية الجديدة ستواصل السير على الخط نفسه». وأكد أن «هذا مهم لأن بريطانيا هي عنصر أساسي لتوفير الأمن في أوروبا ولحلف شمال الأطلسي».
وبريطانيا هي دولة نووية، ولها مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وتلعب دورا مهما في الحلف الأطلسي وفي سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية والدفاعية، وانتشرت تكهنات قوية بأن خروجها من الاتحاد الأوروبي سيضعف وضعها.
وأكد ستولتنبرغ مرارا أن التصويت لخروج بريطانيا من الحلف لن يغير علاقتها مع الحلف. وفي الوقت ذاته «لن يكون له أي تأثير في التعاون بين الحلف والاتحاد الأوروبي، بل إنه سيقوي الحاجة إلى تعزيز التعاون بين الحلف والاتحاد الأوروبي».
وقال: «إن قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي الذين سيجتمعون في وارسو الجمعة والسبت، قرروا قبل التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لقاء رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ورئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر للتوقيع على اتفاق تعاون». وأكد: «نحن نواجه معا بيئة أمنية جديدة (..) ولا يملك الاتحاد الأوروبي أو الحلف الأطلسي وحده الأدوات الكافية لمواجهة التحديات». وأضاف أن «الاتحاد الأوروبي مهم لاستقرار أوروبا (..) والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي شريكان مهمان وخاصان، وعلينا أن نعمل بشكل أكثر تقاربا».
ويضم الحلف الأطلسي 22 دولة من دول الاتحاد الأوروبي ال28ـ، وتتطلع كثير من هذه الدول إلى الحلف وليس إلى الاتحاد الأوروبي من أجل الأمن. والأسبوع الماضي أصدرت وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني ورقة سياسية تدعو فيها الاتحاد الأوروبي إلى بذل المزيد من الجهود بالنسبة إلى دفاعها، وتؤكد التعاون مع حلف شمال الأطلسي.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.