عواقب اقتصادية وسياسية وعسكرية ألمانية للخروج البريطاني

مراقبون يتوقعون أن يؤدي ذلك إلى تعزيز نشاط اليمين واليمين المتطرف

وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)
وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)
TT

عواقب اقتصادية وسياسية وعسكرية ألمانية للخروج البريطاني

وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)
وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)

يتوقع المراقبون أن يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز نشاط اليمين واليمين المتطرف في بريطانيا، ولكن بشكل أكبر بكثير في ألمانيا. وسبق لوزير الداخلية الألماني أن أشار قبل يومين، في تقريره السنوي حول نشاط المتطرفين، إلى أن النشاط اليميني الفاشي في ألمانيا تضاعف خمس مرات في عام 2015. هذا سيمنح الأحزاب اليمنية المتطرفة، مثل حزب البديل لألمانيا، وحركة مناهضة أسلمة أوروبا، الفرصة لاصطياد الناخبين بصنارة العداء لأوروبا.
يمكن أن تكون التكهنات حول هبوط إنتاج وأرباح شركة فورد الأميركية للسيارات، التي تمتلك في كولون أكبر مصانع لها في أوروبا، مثلاً لما يمكن أن يحصل في ألمانيا بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فرض الضرائب على صادرات فورد إلى بريطانيا سيؤدي إلى هبوط المبيعات في بريطانيا، وبالتالي سيؤدي أيضًا إلى إلحاق آلاف العاملين الألمان (18 ألفًا) بجيش البطالة، وفق تقدير فيتيش روسمان رئيس شركة «إي جي ميتال» الألمانية التي تزود فورد بالحديد والصفيح.
ووسط الأوساط الاقتصادية القلقة من عواقب الخروج من الاتحاد، طالب قطاع السيارات البريطاني من جهته «بوصول مفتوح ومتبادل» إلى الأسواق الأوروبية حتى بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، مشددا على أن نجاحه رهن بذلك.
وطبيعي لن تقتصر التأثيرات المتبادلة للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي على الجانب الاقتصادي، إلا أن الأخيرة ستكون وخيمة بتقدير روسمان. وكمثل فإن يوزيف سومر، رئيس دائرة السياحة الألمانية، يتوقع أن ينخفض عدد السياح البريطانيين بشدة مستقبلاً بسبب تقلبات أسعار صرف الجنيه الإسترليني.
وعلى الصعيد الأمني حذر وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيير من التأثير السلبي للخروج بريطانيا على السياسة الأمنية الأوروبية المشتركة. وتوقع أن يستمر التعاون الأمني الثنائي بين البلدين، ولكن بشكل أقل. وأضاف أن لندن توصل معلومات إلى برلين في القضايا الأمنية أقل من غيرها، لكن ما توصله كان دائمًا أهم من غيره. وبريطانيا عضو في مجموعة التصدي للإرهاب التي تضم 30 دولة أوروبية تمتلك بنكًا مشتركًا للمعلومات. لكن المتوقع أنها، بعد الخروج، ستوجه دفتها أكثر إلى مجموعة «فايف آيز» (العيون الخمس) التي تضم أيضا الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا.
كما ذكر مفوض شؤون الجيش في البرلمان الألماني، هانز - بيتر بارتلز، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيلقي على عاتق ألمانيا مزيدا من الأعباء العسكرية. وقال بارتلز في تصريحات لمجموعة «فونكه» الإعلامية الألمانية: «على أي حال ألمانيا لديها الآن مزيد من المسؤوليات». وأوضح بارتلز أن المهام العسكرية للاتحاد الأوروبي ستفقد بخروج بريطانيا من الاتحاد مشاركا قويا من حيث عدد القوات، وقال: «ستُلقى مزيد من الأعباء على ألمانيا وفرنسا في المستقبل من ناحية السياسة الأمنية في أوروبا».
ويتوقع بارتلز تحالفا وثيقا بين لندن وواشنطن، وقال: «ربما تصبح بريطانيا خلال بضع سنوات شريكا لأوروبا في السياسة الأمنية مثل الولايات المتحدة».
وزارة الخارجية الألمانية، على لسان رئيس الدبلوماسية فرنك - فالتر شتاينماير، اعتبرت خروج بريطانيا ضربة للجهد الدبلوماسي الأوروبي، والألماني على وجه الخصوص. وقال: ستستمر العلاقات الثنائية بالطبع، لكن الوزارة تعتقد أنها ستفتقد شريكًا تصويتيًا مهمًا في الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، وبالتالي عضوًا مهمًا في مجلس الأمن.
وستواجه ألمانيا صعوبات دبلوماسية أخرى بسبب الخروج البريطاني، خصوصا أن بريطانيا تتفق مع سياسة ألمانيا في البلقان، لكنها تختلف معها في الموقف من بولندا وهنغاريا. وستدفع الأمور، بغض النظر عن كل شيء، باتجاه مزيد من التنسيق والتعاون بين فرنسا وألمانيا، ومزيد من التنسيق بين بريطانيا والولايات المتحدة.
والخروج البريطاني سينعكس بشكل سلبي على آلاف الطلبة الألمان الذين يدرسون في الجامعات البريطانية بدعم من مشروع «إيرازموس» الأوروبي. إذ ينال كل طالب منحة قدرها 270 يورو شهريًا، ويعفى من تكاليف الدراسة في بريطانيا، إلى أن يتخرج بحسب الاتفاقية. وربما يؤدي الخروج البريطاني إلى وقف هذه المساعدة أو تحجيمها، وربما يوقف الجانب البريطاني عمله في اتفاقية إيرازموس. وعلى أي حال ستصبح تكاليف الدراسة في بريطانيا، على الطلبة الدارسين حاليًا في بريطانيا، عبئًا كبيرًا قد يدفع كثيرين على قطع الدراسة والعودة إلى ألمانيا. بل إن كامل التعاون العلمي في مجال البحث والاستكشاف بين ألمانيا وبريطانيا مهدد، خصوصا أن بريطانيا قلصت مخصصاتها السنوية في مجال البحث العلمي منذ فترة.
كريستين بيد، من غرفة تجارة ألمانيا، توقع سلسلة من حالات الإفلاس ستصيب مئات الشركات البريطانية والألمانية التي كانت تعمل وفق اتفاقية إنهاء الحدود واتفاقية تنسيق الجمارك بين بلدان الاتحاد.
لكن حذر حزب الخضر الألماني من هيمنة ألمانية على الاتحاد الأوروبي عقب تصويت البريطانيين بخروج بلادهم من الاتحاد.
وقالت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر كاترين غورينغ - إكارت في جلسة خاصة بالبرلمان الألماني «بوندستاغ» بشأن استفتاء بريطانيا أنها لا ترغب في اتحاد أوروبي يمكن فيه لألمانيا وحدها الفوز، إذا خسرت أوروبا. وتابعت السياسية المعارضة قائلة إن «سمات ألمانيا القوية هي أن يتم التحدث من الناحية الأوروبية في ألمانيا وليس أن يتم التحدث من الناحية الألمانية في أوروبا». وأشارت غورينغ - إكارت إلى أن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعد نكسة صعبة بالنسبة للوحدة الأوروبية، وأكدت أنه لا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه بالنسبة لأوروبا وكأن شيئا لم يكن. وأضافت أن الأوروبيين أثبتوا بالفعل كثيرا أنهم أقوياء ومبتكرون ويتمتعون بالمرونة. وأكدت أن الأمر يتوقف الآن على أن تتكاتف أوروبا سياسيا و«لا تسير على الأرض الشعبوية».
ورغم الخروج غير المشرف لمنتخب إنجلترا أمام آيسلندا فإن على نوادي كرة القدم البريطانية، والألمانية أيضًا، أن تتحسب لتأثيرات حالة التسلل التي وقفت بها بريطانيا خارج منطقة الجزاء الأوروبية. إذ ستسقط مستقبلاً قاعدة عدم تحديد عدد اللاعبين الأوروبيين في الفريق نفسه، وهذا سيؤدي إلى كساد سوق اللاعبين البريطانيين في (الدوري الألماني الممتاز)، وكساد سوق اللاعبين الألمان في بريطانيا. وربما سيكف مدرب الآرسنال آرسين فينغر عن ضم مزيد من اللاعبين الألمان الجيدين إلى فريقه، لأن لديه حاليًا ثلاثة لاعبين ألمان في الفريق.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟