أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2017.. يواجه التغييرات بالموسيقى

ما بين حب السفر والخوف منه.. يبقى التحليق في الخيال أضمن

من عرض «دولتشي أند غابانا»
من عرض «دولتشي أند غابانا»
TT

أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2017.. يواجه التغييرات بالموسيقى

من عرض «دولتشي أند غابانا»
من عرض «دولتشي أند غابانا»

صحيح أن التغيير من أهم السمات التي ترتبط بالموضة، لكن التغييرات التي تشهدها ساحتها حاليًا، ما بين تغييرات مصمميها وجداولها، هي أقرب إلى زلزال منها إلى أي شيء آخر. المتابعون يعرفون أن هذه التغييرات مفروضة عليها بسبب الأزمة الاقتصادية التي عصفت بآمال كثير من بيوت الأزياء، ممن توسعوا بشكل كبير في الأسواق الآسيوية، أو تواكلوا على انتعاش الاقتصاد الروسي والأسواق النامية الأخرى مثل البرازيل وغيرها. تباطؤ النمو الصيني وتراجع الاقتصاد البرازيلي، وانخفاض قيمة الروبل الروسي فضلاً على الأحوال السياسية غير المستقرة، كلها أسباب دفعت هذه البيوت إلى أن تتبنى استراتيجيات تجارية وتسويقية مختلفة، أهمها تقليص توسعاتها العالمية وعروضها الموسمية. فعندما أعلنت دار «بيربري» البريطانية، وهي واحدة من البيوت التي تضررت وشهدت انخفاضًا كبيرًا في أرباحها وقيمة أسهمها، أنها ستدمج عروضها الرجالية بالنسائية، استنكر البعض الفكرة وقليل منهم رحبوا بها. لكن مع الوقت، تقبلها حتى من تمنع في البداية، لتبدأ محاولات التغيير والتأقلم معها حلاً مؤقتًا على الأقل، وهو ما بدا واضحًا خلال أسبوع ميلانو الأخير لربيع وصيف 2017.
إلى جانب تغيب كل من «إيرمينغلدو زيغنا» و«روبرتو كافالي»، من برنامج الموسم الحالي بهدف إعادة ترتيب أوراقهما، اختارت بيوت أخرى أن تقدم عروضًا حميمة أمام باقة منتقاة من الضيوف، وبعيدًا عن الإبهار، مثل «إرمانو سيرفينو» و«بوتيغا فينيتا». في المقابل أصر آخرون على تنظيم عروض تقليدية، رغم افتقادهم مصممًا فنيًا مثل سالفاتوري فيراغامو وكانالي وتودز وكالفن كلاين على أساس أن الإبداع لا يعتمد على شخص واحد، وأن اسم الدار أكبر من أي مصمم مهما كان حجمه.
بالنسبة للذين لم يستغنوا عن عروض أزياء بالمعنى التقليدي، فإنهم لم يبخلوا عليها بالبهارات ولا بعناصر الإبهار التي تحتاجها لشد الانتباه، سواءً تعلق الأمر بالإخراج أو الأفكار. في عرض «دولتشي أند غابانا» مثلاً، تم تقديم تشكيلة غنية بالإيحاءات الصقلية على نغمات موسيقى جاز عزفتها فرقة «هوت ساردينز». هذا الخليط بين جمال التصاميم وقوة الألوان والموسيقى الحية أخذ الحضور تارة إلى طبيعة صقلية، مسقط رأس المصممين، وتارة أخرى إلى أجواء «نيو أورلينز» حيث ولدت موسيقى الجاز، لتكون النتيجة عرضًا مسرحيًا ممتعًا. بالنسبة للأزياء، ففي زحمة الألوان وصخب النقشات المستوحاة من الطبيعة أو المطرزة باليد، لم يغب الأبيض والأسود، حيث ظهرا في كثير من البدلات المفصلة ذات السترات المزدوجة، أو «التوكسيدو» إضافة إلى البنطلونات الضيقة. ظهرا أيضًا في «تي - شيرتات» وكنزات واسعة وبنطلونات بطيات. فهذه الأخيرة، أي البنطلونات، تنوعت قصاتها بين الضيقة والواسعة ذات الثنيات عند الخصر، لكنها تميزت في الغالب بطولها القصير.
الملاحظ أن الموسيقى كانت مهمة في عروض أخرى. فـ«دوناتيلا فيرساتشي» اختارت بدورها خلفية لعرضها موسيقى شدت الأنفاس كان المغني برينس قد ألفها خصيصًا لـ«فيرساتشي» قبل وفاته بـ5 أشهر، حسبما صرحت به. هنا لم يقتصر دور الموسيقى على خلق أجواء مُبهرة، بل طال أيضًا القصات، التي تميزت برشاقة، تعانق الجسم بحميمية، لتؤكد أنها تخاطب عشاق الموسيقى من الشباب أو موسيقيي الروك أند روك، خصوصًا أن اقتراحات دوناتيلا فيرساتشي شملت مجموعة تطبعها الكشاكش واللون البنفسجي، في إشارة إلى أغنية برينس الشهيرة «بيربل راين». لكن، وعلى ما يبدو، فإن المصممة تعلمت الدرس، وتعرف أنها لا يمكن أن تتكل على الفن وحده لتسويق منتجاتها، بل تحتاج إلى لغة عالمية يفهمها كل الرجال، لهذا لم تُقيد نفسها وقدمت مجموعة متنوعة للغاية يمكن لأي رجل أن يجد فيها شيئًا يروق له ويناسبه. الجميل فيها أيضًا، أنها منطلقة تتميز باتساع وانسدال في خطوطها، لأنها، كما قالت، صممتها ونصب أعينها رجل يعشق الترحال، وبالتالي يتوق لأزياء تريحه، وهكذا شملت، إلى جانب البدلات المفصلة، كنزات صوفية وأخرى من الحرير بعضها بأكمام وبعضها من دون. من اقتراحاتها لربيع وصيف 2017، أيضًا ارتداء القمصان على شكل قفاطين منسدلة أو معقودة حول الخصر، وكأنها تُمهد لفكرة أننا في الموسم المقبل سنرى تداخلاً بين الذكوري والأنثوي بشكل أكبر.
شركة «كانالي»، خسرت مصممها الفني أندريا بومبيليو، بعد عامين فقط من التحاقه بها، ومع ذلك لم يبد عليها أنها تأثرت بهذه الخسارة، لأن ما قدمته من قطع مفصلة كان بمثابة تعزيز لإرثها العريق في مجال التفصيل الرجالي. وهذا ما عبرت عنه إليزابيثا كانالي بقولها: «لا نريد أن نرتبط باسم شخص معين، لأن جينات الدار واسمها أكثر أهمية». وبالفعل فإن ما قدمته الشركة سيروق لشرائح واسعة، بمن فيهم الشباب الذي يريد أن يتذوق المنتجات المرفهة ويريد أن يلعب على الأنيق المضمون، لأن ما يُحسب للفريق الذي تولى تصميم هذه التشكيلة، أنه احترم رموز الدار، مع إدخاله تجديدات خفيفة أضفت عليها لمسات من شأنها أن تروق لكل الأذواق والأسواق. صحيح أن شريحة الشباب تُقبل بنهم أكبر على التصاميم «السبور» هذه الأيام، إلا أنها لا تستغني عن الكلاسيكي المطعم بالحداثي، لأنه ينجح دائمًا في أن يضفي عليهم التميز في المناسبات الخاصة.
لا يمكن الحديث عن أسبوع ميلانو الرجالي من دون الحديث عن مدرستين مختلفتين وفي الوقت ذاته لهما تأثير مباشر علينا، هما «غوتشي» و«برادا».
لربيع وصيف 2017، قدم أليساندرو ميشال، مصمم «غوتشي» تشكيلة مبنية على أسفاره الخيالية. فهو حسب اعترافه، لا يميل إلى السفر كثيرًا، وإن كان لا يستغنى عنه باعتباره مهمًا، ليس فقط للتعرف على ثقافات الغير، بل «أيضًا لتقدير المكان الذي تعيش فيه، فالابتعاد عن بيتك وما يمنحه لك من راحة، يجعلك تشتاق إليه بعد كل غياب». أليساندرو يزعم بأنه لم يسافر كثيرًا وهو طفل، وكانت علاقته بالأماكن البعيدة تدور حول شخصيات ديزني ودونالد داك وسكروج وتين تين وما شابهها، فضلاً على رحلات ماركو بولو وقصص المغامرات التي كانت تشد أنفاسه، مثل قصة «أليس في أرض العجائب»، الأمر الذي قد يفسر هوسه بأشكال الكائنات الحية التي تظهر دائمًا في تصاميمه، من الأسود والقردة والأفاعي إلى الأرانب والفراشات وغيرها. فهي تأخذه إلى ذلك العالم السحري الذي عاشه طفلاً، بين الكتب وأغنته عن السفر بعيدًا، وهذا ما يريد أن يمنحه للرجل.
يُعلق بأن فئة كبيرة من الناس باتت تعزف عن السفر حاليًا بسبب خوفهم من المجهول في ظل ما يجري حاليًا من أحداث دامية، «من هذا المنطلق أريد أن أمنحهم الإحساس بالراحة والحرية، وبأن العالم كله بيتهم». كل هذا ترجمه في أزياء تعطي الانطباع بأنها فعلاً للاستعمال في أوقات الراحة والفراغ والإجازات. يمكنهم مثلاً ارتداء «شباشب» في الشارع وبدلات مريحة كأنها «بيجاما» في مناسباتهم الخاصة، ومعاطف طويلة مستوحاة من الـ«روب دي شومبر». إلى جانب كل هذا، أضاف إلى موتيفاته المعروفة، مثل الأفاعي والفراشات وغيرها، رسائل مطرزة بالحب وأخرى مستقاة من الأساطير الإغريقية أو من حضارات قديمة، من دون أن ينسى شعاره الدائم بأن الكثير قليل، الأمر الذي يفسر سخاءه في استعمال الكشاكش والإكسسوارات المتنوعة حول العنق أو الجوانب. وإذا كان أليساندرو ميشال قد اكتسح ساحة الموضة منذ سنة تقريبًا، فإن ميوتشا برادا تبقى السنيورة التي لا يقدر أحد على أن يزعزعها عن مكانتها منذ عقود، وكل ما تقترحه يُؤخذ بجدية ويخضع إلى تحليلات فلسفية وثقافية. من بين اقتراحاتها لربيع وصيف 2017 أن يحمل الرجل كل أغراضه على ظهره ويجوب الأرض بحثًا عن عالم مثالي يعيش فيه بسلام. فمثل أليساندرو، تعرف جيدًا أن لقاء الحضارات الذي كان ينادي به الآباء، أصبح واقعًا صعبًا بالنظر إلى الأحداث المأساوية التي يشهدها العالم، لكنها ترفض أن تتقبل الوضع وتستكين له، بل تعمل على محاربته بالتفاؤل من خلال رسم صورة مثالية ومتحدية. هذه المرة، لم تُعبر عن هذا التحدي بإضفاء النعومة على الرجل فحسب، بل تصورته مغامرًا يعرف أنه، لكي يبقى ويستمر، عليه أن يجد طرقًا جديدة للتعامل مع محيطه، بغض النظر عن جنسه أو جنسيته أو لونه. هذا الجمع بين النعومة والقوة تجسد في عرض شاركت فيه عارضات بمجموعة نسائية وتصاميم تتحدى التابوهات التي تفرق بين الجنسين. وربما كانت هذه رسالتها بأنه لا فرق بين رجل أو امرأة ولا حدود بين الثقافات. فقد استعملت تطريزات إثنية مختلفة، كأنها تريد أن تؤكد ذلك الإحساس بالانتماء إلى العالم أجمع وليس لقبيلة واحدة. لكنها، بخبرتها وسنواتها الطويلة في هذا المجال، لم تنس أن عالم المنتجات المترفة، يعاني من أزمة حادة أثرت على المبيعات عمومًا، بما في ذلك أرباح «برادا»، لهذا عادت إلى تعويذتها، أو بالأحرى إلى الإكسسوارات، لا سيما حقيبة النايلون التي حققت نجاحًا كبيرًا منذ أكثر من 10 سنوات، وصاغتها على شكل حقيبة ظهر تعزز صورة الرجل سواءً كان مغامرًا أو شابًا يعمل في مجالات إبداعية، بل حتى في مجال المال والأعمال.
السفر كان أيضًا تيمة في عرض «سالفاتوري فيراغامو»، التي رغم افتقادها إلى مصمم فني، حيث استغنت عن ماسيمليانو جيورنيتي منذ بضعة أشهر، استطاعت أن تقدم تشكيلة برؤية تجارية واضحة وتقنيات عالية تستهدف رجلاً يتوق إلى الراحة والحرية في حياته كما في تنقلاته وأسفاره. هذه الحرية لم تقتصر على قصات البدلات المستوحاة من السفاري وغيرها من القطع المنفصلة التي تجمع الـ«سبور» بالرسمي، بل شملت الإكسسوارات أيضًا، مثل حقائب الظهر الجلدية ذات الأحجام المختلفة، التي ترمز للمغامرة، والأحذية الرياضية أو الصنادل المفتوحة. فكلها لا تفتقد للأناقة ويمكن أن تُكمل بدلة مفصلة وتخفف من رسميتها، وإن كان هذا لا يعني أن البدلات كانت رسمية بل العكس تمامًا، فقد اكتسبت روحًا رياضية تناسب الرجل العصري بكل تفصيلها وتفاصيلها.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.